حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب حفظ العلم

حدثنا إسماعيل ، قال : حدثني أخي ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم . مطابقته للترجمة ظاهرة . بيان رجاله : وهم خمسة ، ذكروا كلهم ، وإسماعيل هو ابن أبي أويس ، وأخوه عبد الحميد ابن أبي أويس الأصبحي المدني القرشي أبو بكر الأعمش ، مات سنة اثنتين ومائتين ، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن ، وقد مر عن قريب .

بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة ، ومنها أن فيه رواية الأخ عن الأخ ، ومنها أن رواته مدنيون ، وهذا الحديث انفرد به البخاري عن الجماعة . بيان اللغات : قوله وعاءين تثنية وعاء بكسر الواو وبالمد ، وهو الظرف الذي يحفظ فيه الشيء ويجمع على أوعية ويؤخذ منه الفعل ، يقال : أوعيت الزاد والمتاع إذا جعلته في الوعاء ، قال عبيد بن الأبرص : الخير يبقى ولو طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيت من زاد قوله فبثثته أي نشرته ، يقال : بث الخير وأبثه بمعنى . قال ذو الرمة غيلان : وأسقيه حتى كاد مما أبثه وبثثت الغبار إذا هيجته ، وبثثت الخبر شدد للمبالغة ، وبثثت الخبر كشفته ونشرته ، والتركيب يدل على تفريق الشيء وإظهاره .

بيان الإعراب : قوله حفظت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هكذا رواية الكشميهني ، وفي رواية الباقين : حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهي أصرح لتلقيه من النبي عليه الصلاة والسلام بلا واسطة . قوله وعاءين منصوب ؛ لأنه مفعول حفظت . قوله فأما أحدهما كلمة أما هي التفصيلية ، وقوله فبثثته جواب أما ، وإنما دخلت عليه الفاء لتضمنها معنى الشرط .

قوله وأما الآخر أي وأما الوعاء الآخر ، وجوابه قوله فلو بثثته ، وقوله لقطع هذا البلعوم جواب لو ، ويروى : قطع ، بدون اللام و البلعوم مرفوع بإسناد قطع إليه ، وهو مفعول ناب عن الفاعل . بيان المعنى فيه ذكر المحل وإرادة الحال ، وهو ذكر الوعاء وإرادة ما يحل فيه ، والحاصل أنه أراد به نوعين من العلم ، وأراد بالأول الذي حفظه من السنن المذاعة لو كتبت لاحتمل أن يملأ منها وعاء ، وبالثاني ما كتمه من أخبار الفتن كذلك . وقال ابن بطال : المراد من الوعاء الثاني أحاديث أشراط الساعة وما عرف به النبي عليه الصلاة والسلام من فساد الدين على أيدي أغيلمة سفهاء من قريش ، وكان أبو هريرة يقول : لو شئت أن أسميهم بأسمائهم ، فخشي على نفسه فلم يصرح ، وكذلك ينبغي لكل من أمر بمعروف إذ خاف على نفسه في التصريح أن يعرض ، ولو كانت الأحاديث التي لم يحدث بها في الحلال والحرام ما وسعه كتمها بحكم الآية ، ويقال : حمل الوعاء الثاني الذي لم ينبه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء الجور وأحوالهم وذمهم ، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضهم ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم ؛ كقوله : أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان ، يشير بذلك إلى خلافة يزيد بن معاوية ؛ لأنها كانت سنة ستين من الهجرة ، فاستجاب الله دعاء أبي هريرة ، فمات قبلها بسنة ، فإن قيل : الوعاء في كلام العرب الظرف الذي يجمع فيه الشيء ؛ فهو معارض لما تقدم مما قال : إني لا أكتب ، وكان أي عبد الله بن عمرو يكتب ، أجيب بأن المراد أن الذي حفظه من النبي عليه الصلاة والسلام من السنن التي حدث بها وحملت عنه لو كتبت لاحتمل أن يملأ منها وعاء ، وما كتمه من أحاديث الفتن التي لو حدث بها لقطع منه البلعوم يحتمل أن يملأ وعاء آخر ، ولهذا المعنى قال : وعاءين ، ولم يقل وعاء واحدا لاختلاف حكم المحفوظ في الإعلام به والستر له .

وقالت المتصوفة : المراد بالأول علم الأحكام والأخلاق ، وبالثاني علم الأسرار المصون عن الأغيار المختص بالعلماء بالله من أهل العرفان . وقال آخرون منهم : العلم المكنون والسر المصون علمنا ، وهو نتيجة الخدمة وثمرة الحكمة لا يظفر بها إلا الغواصون في بحار المجاهدات ، ولا يسعد بها إلا المصطفون بأنوار المجاهدات والمشاهدات ؛ إذ هي أسرار متمكنة في القلوب لا تظهر إلا بالرياضة وأنوار لامعة في الغيوب لا تنكشف إلا للأنفس المرتاضة . قلت : نعم ما قال ، لكن بشرط أن لا تدفعه القواعد الإسلامية ولا تنفيه القوانين الإيمانية ؛ إذ ما بعد الحق إلا الضلال ، فإن قلت : قد وقع في مسند أبي هريرة : حفظت ثلاثة أجربة فبثثت منها جرابين ، وهذا مخالف لحديث الباب .

قلت : يحمل على أن الجرابين منها كانا من نوع واحد ، وهو الأحكام وما يتعلق بظواهر الشرع والجراب الآخر الأحاديث التي لو نشرها لقطع بلعومه ، ولا شك أن النوع الأول كان أكثر من النوع الثاني ؛ فلذلك عبر عنه بالجرابين ، والنوع الثاني بجراب واحد ؛ فبهذا حصل التوفيق بين الحديثين ، ولقد أبعد بعضهم في قوله يحمل على أن أحد الوعاءين كان أكبر من الآخر بحيث يجيء ما في الكبير في جرابين وما في الصغير في واحد . قوله فبثثته زاد الإسماعيلي في الناس .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث