حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب حفظ العلم

حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، قال : حدثني مالك ، عن ابن شهاب ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : إن الناس يقولون : أكثر أبو هريرة ، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا ، ثم يتلو : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى إلى قوله : الرَّحِيمُ إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم ، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشبع بطنه ، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون . مطابقة الحديث للترجمة في قوله ويحفظ ما لا يحفظون ، وقوله أكثر أبو هريرة ؛ لأن الإكثار لا يكون إلا عن حفظ . بيان رجاله : وهم خمسة : قد ذكروا كلهم ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز ، وقالوا : يجوز ذكر الراوي بلقبه أو صفته التي يكرهها إذا كان المراد تعريفه لا نقصه كما يجوز جرحهم للحاجة .

بيان لطائف إسناده : منها : أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم مدنيون ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في المزارعة عن إبراهيم ، وفي الاعتصام عن علي عن سفيان . وأخرجه مسلم في الفضائل عن قتيبة وأبي بكر وزهير عن سفيان ، وعن عبد الله بن جعفر ، عن يحيى ، عن مالك ، وعن عبد الرزاق ، عن معمر ، كلهم عن الزهري ، وله طرق من غير رواية الأعرج .

وأخرجه النسائي في العلم عن محمد بن منصور ، عن سفيان به ، وعن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، عن إسحاق بن عيسى ، عن مالك به . وأخرجه ابن ماجه في السنة عن أبي مروان العثماني ، عن إبراهيم بن سعد به مختصرا . بيان اللغات والإعراب قوله إن الناس مقول قال ، وقوله يقولون جملة في محل الرفع خبر إن ، قوله أكثر أبو هريرة جملة من الفعل والفاعل مقول يقولون ، قوله ولولا آيتان مقول قال لا مقول يقولون ، وحذف اللام من جواب لولا وهو جائز ، والأصل : لولا آيتان موجودتان في كتاب الله لما حدثت .

قوله حديثا نصب على المفعولية ، قوله ثم يتلو مقول الأعرج ، وفي بعض النسخ : ثم تلا ، قوله إن إخواننا استئناف كالتعليل للإكثار كأن سائلا سأل : لم كان أبو هريرة مكثرا دون غيره من الصحابة ؟ فأجاب بقوله : لأن إخواننا كذا وكذا ، فلأجل ذلك ترك العاطف بين الجملتين . قوله من المهاجرين كلمة من بيانية ، قوله كان يشغلهم الصفق جملة في محل الرفع ؛ لأنها خبر إن ، وقوله يشغلهم من باب شغل يشغل كفتح يفتح بفتح عين الفعل فيهما من الشغل ، ويقال : بضم حرف المضارعة من الإشغال ، وهو غريب . وفي العباب : يقال : شغلته أشغله ، وقال ابن دريد : لا يقال أشغلته ، وقال ابن فارس : لا يكادون يقولون أشغلت ، وهو جائز .

وقال الليث : اشتغلت أنا ، والفعل اللازم اشتغل ، وقال أبو حاتم وابن دريد : لا يقال اشتغل ، وقال ابن فارس في المقاييس جاء عنهم اشتغل فلان بالشيء ، وهو مشتغل ، وقوله الصفق بالرفع فاعل يشغل ، وهو بفتح الصاد كناية عن التبايع ، يقال : صفقت له بالبيع صفقا ، أي ضربت يدي على يده للعقد . قال الهروي : يقال : أصفق القوم على الأمر وصفقوا بالبيع والبيعة ، وقال غيره : أصله من تصفيق الأيدي بعضها على بعض من المتابيعين ، أي عاقدي البيعة عند عقدهم ، والسوق يؤنث ويذكر ، سميت به لقيام الناس فيها على سوقهم . قوله بشبع بطنه بالباء الموحدة في رواية الأصيلي ، وفي رواية غيره : لشبع بطنه باللام ، وهو الثابت في غير البخاري أيضا وكلاهما للتعليل أي لأجل شبع بطنه ، وروي ليشبع بطنه بلام كي ، ويشبع بصيغة المضارع المنصوب ، والشبع بكسر الشين وفتح الباء الموحدة .

وفي العباب : الشبع مثال عنب ، والشبع بالفتح ، وهذه عن ابن عباد نقيض الجوع ، يقال : شبعت خبزا ولحما ، ومن خبز ولحم شبعا ، وهو من مصادر الطبايع ، وقال ابن دريد : الشبع والشبع بإسكان الباء وتحريكها ، وقال غيره : الشبع بالإسكان اسم ما أشبعك من شيء ، وفي الحديث : آجر موسى صلى الله عليه وسلم نفسه من شعيب صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه وعفة فرجه ، قوله ما لا يحضرون في محل النصب على أنه مفعول يحضر ، وكذلك قوله ما لا يحفظون مفعول يحفظ . بيان المعاني : قوله أكثر أبو هريرة أي من رواية الحديث ، وهو من باب حكاية كلام الناس أو وضع المظهر موضع المضمر ؛ إذ حق الظاهر أن يقول : أكثرت . وفي رواية البخاري في البيوع من طريق شعيب ، عن الزهري : أكثر أبو هريرة من الحديث ، وفي روايته فيه : وفي المزارعة من طريق إبراهيم بن سعد ، عن الزهري هنا زيادة وهي : ويقولون : ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه ، وهذه الزيادة تدلك على النكتة في ذكر أبي هريرة المهاجرين والأنصار .

قوله لولا آيتان المراد من الآيتين : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ إلى آخر الآيتين ، والمعنى : لولا أن الله تعالى ذم الكاتمين للعلم لما حدثتكم أصلا ، لكن لما كان الكتمان حراما وجب الإظهار والتبليغ ؛ فلهذا حصل مني الإكثار لكثرة ما عندي منه ، ثم ذكر سبب الكثرة بقوله إن إخواننا إلى آخره . قوله ثم يتلو ، أي قال الأعرج : ثم يتلو أبو هريرة ، وذكر بلفظ المضارع استحضارا لصورة التلاوة كأنه فيها . قوله إن إخواننا الإخوان جمع أخ ، وهذا يدل على أن أصل أخ أخو بالتحريك ، ويجمع أيضا على آخاء ؛ مثل : آباء ، والذاهب منه واو ، وعلى إخوة وأخوة بالضم عن الفراء ، وفيه سؤالان : الأول : كان حق الظاهر أن يقول : إن إخوانه ليرجع الضمير إلى أبي هريرة ، وأجيب بأنه عدل عنه لغرض الالتفات ، وهو فن من محاسن الكلام .

الثاني : قال : إخواننا ولم يقل إخواني ، وأجيب لأنه قصد نفسه وأمثاله من أهل الصفة ، والمراد الإخوان في الإسلام لا في النسب ، والمراد من المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، ومن الأنصار أصحاب المدينة الذين آووا رسول الله - عليه الصلاة والسلام ونصروه بأنفسهم وأموالهم . قوله العمل في أموالهم يريد به الزراعة والعمل في الغيطان ، وفي رواية مسلم : كان يشغلهم عمل أرضهم ، وفي رواية ابن سعد كان يشغلهم القيام على أراضيهم . قوله وإن أبا هريرة فيه التفات أيضا ؛ لأن حق الظاهر أن يقول : وإني ، قوله بشبع بطنه يعني أنه كان يلازم قانعا بالقوت لا مشتغلا بالتجارة ولا بالزارعة ، وفي رواية البخاري في البيوع : كنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة .

قوله ويحضر بالرفع عطفا على قوله يلزم ، ويجوز بالنصب أيضا على رواية من روى : ليشبع بطنه بلام كي ، و يشبع بصورة المضارع إن صحت هذه الرواية . قوله ما لا يحضرون أي من أحوال الرسول عليه الصلاة والسلام ، و يحفظ ما لا يحفظون من أقواله ، وهذا إشارة إلى المسموعات وذاك إشارة إلى المشاهدات ، لا يقال : هذا الحديث يعارضه ما تقدم من حديث أبي هريرة : ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب ؛ لأنا نقول : إن عبد الله كان أكثر تحملا ، وأبو هريرة كان أكثر رواية ، فإن قلت : كيف يكون الأكثر تحملا وهو داخل تحت عموم المهاجرين . قلت : هو أكثر من جهة ضبطه بالكتابة وتقييده بها ، وأبو هريرة أكثر من جهة مطلق السماع .

بيان استنباط الأحكام فيه حفظ العلم والمواظبة على طلبه ، وفيه فضيلة أبي هريرة وفضل التقلل من الدنيا وإيثار طلب العلم على طلب المال ، وفيه جواز الإخبار عن نفسه بفضيلته إذا اضطر إلى ذلك وأمن الإعجاب ، وفيه جواز إكثار الأحاديث وجواز التجارة والعمل وجواز الاقتصار على الشبع ، وقد تكون مندوبات ، وقد تكون واجبات بحسب الأشخاص والأوقات .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث