56 - بَاب سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائز وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ وَقَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ، وَقَالَ : صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ سَمَّاهَا صَلَاةً ، لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ ، وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا ، وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي إِلَّا طَاهِرًا ، وَلَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ . وَقَالَ الْحَسَنُ : أَدْرَكْتُ النَّاسَ ، وَأَحَقُّهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ ، وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ عِنْدَ الْجَنَازَةِ يَطْلُبُ الْمَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الْجَنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهمْ بِتَكْبِيرَةٍ . وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ : يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَرْبَعًا . وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : التَّكْبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ ، وَقَالَ : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمَامٌ . 1322 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ ، فَأَمَّنَا ، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ، فَقُلْنَا : يَا أَبَا عَمْرٍو ، مَنْ حَدَّثَكَ ؟ قَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ مَا شَرَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ، يَعْنِي فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ ، وَمُرَادُهُ بِمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنَ الْآثَارِ وَالْأَحَادِيثِ أَنَّ لَهَا حُكْمَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ وَالشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ ، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ دُعَاءٍ ، فَلَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مَثَلًا ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي مَوْصُولًا بَعْدَ بَابٍ ، وَهَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَوَائِلِ الْحَوَالَةِ ، أَوَّلُهُ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ ، فَقَالُوا : صَلِّ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( سَمَّاهَا صَلَاةً ) أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ ، فَإِنَّهُ لَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا ، وَيُكَبَّرُ فِيهَا وَيُسَلَّمُ مِنْهَا بِالِاتِّفَاقِ ، وَإِنِ اخْتُلِفَ فِي عَدَدِ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي إِلَّا طَاهِرًا ) وَصَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ عَلَى الْجِنَازَةِ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ . قَوْلُهُ : ( وَلَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْجِنَازَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ يَقُولُ : مَا صُلِّيَتَا لِوَقْتِهِمَا . ( تَنْبِيهٌ ) : مَا فِي قَوْلِهِ : ( مَا صُلِّيَتَا ) ظَرْفِيَّةٌ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ إِذَا صُلِّيَتَا لِوَقْتِهِمَا . وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُمَا إِذَا أُخِّرَتَا إِلَى وَقْتِ الْكَرَاهَةِ عِنْدَهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا حِينَئِذٍ ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ أَيْضًا ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ : إِنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ - وَقَدْ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِغَلَسٍ - : إِمَّا أَنْ تُصَلُّوا عَلَيْهَا ، وَإِمَّا أَنْ تَتْرُكُوهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ . فَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَرَى اخْتِصَاصَ الْكَرَاهَةِ بِمَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا لَا مُطْلَقَ مَا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَحِينَ تَغْرُبُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْهُ وَاضِحًا فِي بَابِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ وَإِلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . قَوْلُهُ : ( وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ) وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : إِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجِنَازَةِ . وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ إِلَخْ ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا ، وَقَوْلُهُ : مَنْ رَضُوهُ فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي : مَنْ رَضُوهُمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ . وَفَائِدَةُ أَثَرِ الْحَسَنِ هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ نُقِلَ عَنِ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ ، وَهُوَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُلْحِقُونَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ بِالصَّلَوَاتِ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ الْأَبُ ، ثُمَّ الِابْنُ . أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَمَاعَةٍ - مِنْهُمْ سَالِمٌ ، وَالْقَاسِمُ ، وَطَاوُسٌ - أَنَّ إِمَامَ الْحَيِّ أَحَقُّ . وَقَالَ عَلْقَمَةُ ، وَالْأَسْوَدُ وَآخَرُونَ : الْوَالِي أَحَقُّ مِنَ الْوَلِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ : الْوَلِيُّ أَحَقُّ مِنَ الْوَالِي . قَوْلُهُ : ( وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ عِنْدَ الْجِنَازَةِ يَطْلُبُ الْمَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ مَعْطُوفًا عَلَى أَصْلِ التَّرْجَمَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَقِيَّةَ كَلَامِ الْحَسَنِ ، وَقَدْ وَجَدْتُ عَنِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافًا ، فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرٍ قَالَ : سُئِلَ الْحَسَنُ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ فِي الْجِنَازَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، فَإِنْ ذَهَبَ يَتَوَضَّأَ تَفُوتُهُ ، قَالَ : يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي . وَعَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ حَفْصٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : لَا يَتَيَمَّمُ وَلَا يُصَلِّي إِلَّا عَلَى طُهْرٍ . وَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يُجْزِي لَهَا التَّيَمُّمُ لِمَنْ خَافَ فَوَاتَهَا لَوْ تَشَاغَلَ بِالْوُضُوءِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَسَالِمٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَاللَّيْثِ وَالْكُوفِيِّينَ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . قَوْلُهُ : ( وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الْجِنَازَةِ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ ) وَجَدْتُ هَذَا الْأَثَرَ عَنِ الْحَسَنِ وَهُوَ يُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الثَّانِي ، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا مُعَاذٌ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الرَّجُلِ يَنْتَهِي إِلَى الْجِنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ عَلَيْهَا ، قَالَ : يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ . وَالْمُخَالِفُ فِي هَذَا بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ . وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ : وَفِي دُخُولِ الْمَسْبُوقِ بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ أَوِ انْتِظَارِ التَّكْبِيرِ قَوْلَانِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِلَخْ ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا عَنْهُ ، وَوَجَدْتُ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الصَّحَابِيِّ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ مَوْقُوفًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَنَسٌ : التَّكْبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ : قَالَ رُزَيْقُ بْنُ كَرِيمٍ ، لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : رَجُلٌ صَلَّى فَكَبَّرَ ثَلَاثًا ؟ قَالَ أَنَسٌ : أَوَلَيْسَ التَّكْبِيرُ ثَلَاثًا ؟ قَالَ : يَا أَبَا حَمْزَةَ التَّكْبِيرُ أَرْبَعٌ . قَالَ : أَجَلْ ، غَيْرَ أَنَّ وَاحِدَةً هِيَ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ) أَيْ : اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ وَهَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى أَصْلِ التَّرْجَمَةِ . وَقَوْلُهُ : ( وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمَامٌ ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ . قَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ : كَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَالِكٍ ، فَإِنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلُّونَ عَلَى الْجِنَازَةِ سَطْرًا وَاحِدًا ، قَالَ : وَلَا أَعْلَمُ لِذَلِكَ وَجْهًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ فِي اسْتِحْبَابِ الصُّفُوفِ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا ، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ : فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ . قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ نَقْلًا عَنِ ابْنِ الْمُرَابِطِ وَغَيْرِهِ مَا مُحَصِّلُهُ : مُرَادُ هَذَا الْبَابِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ : إِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ إِنَّمَا هِيَ دُعَاءٌ لَهَا وَاسْتِغْفَارٌ ، فَتَجُوزُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ، فَأَوَّلُ الْمُصَنِّفُ الرَّدَّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ التَّسْمِيَةِ الَّتِي سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةً ، وَلَوْ كَانَ الْغَرَضُ الدُّعَاءُ وَحْدَهُ لَمَا أَخْرَجَهُمْ إِلَى الْبَقِيعِ ، وَلَدَعَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَأَمَرَهُمْ بِالدُّعَاءِ مَعَهُ أَوِ التَّأْمِينُ عَلَى دُعَائِهِ ، وَلَمَا صَفَّهُمْ خَلْفَهُ كَمَا يَصْنَعُ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالْمَسْنُونَةِ ، وَكَذَا وُقُوفُهُ فِي الصَّلَاةِ وَتَكْبِيرُهُ فِي افْتِتَاحِهَا وَتَسْلِيمُهُ فِي التَّحَلُّلِ مِنْهَا كُلُّ ذَلِكَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا عَلَى الْأَبْدَانِ ، لَا عَلَى اللِّسَانِ وَحْدَهُ ، وَكَذَا امْتِنَاعُ الْكَلَامِ فِيهَا ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ ؛ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ بَعْضُ الْجَهَلَةِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ لِلْمَيِّتِ فَيَضِلَّ بِذَلِكَ . انْتَهَى . وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهَا إِلَّا عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : وَوَافَقَهُ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَهُوَ مِمَّنْ يُرْغَبُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ قَوْلِهِ . وَنَقَلَ غَيْرُهُ أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ وَافَقَهُمَا عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ مَذْهَبٌ شَاذٌّ ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : وَفِي اسْتِدْلَالِ الْبُخَارِيِّ - بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي صَدَّرَ بِهَا الْبَابَ مِنْ تَسْمِيَتِهَا صَلَاةً - لِمَطْلُوبِهِ مِنْ إِثباتِ شَرْطِ الطَّهَارَةِ إِشْكَالٌ ، لِأَنَّهُ إِنْ تَمَسَّكَ بِالْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ عَارَضَهُ عَدَمُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَإِنْ تَمَسَّكَ بِالْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ عَارَضَتْهُ الشَّرَائِطُ الْمَذْكُورَةُ ، وَلَمْ يَسْتَوِ التَّبَادُرُ فِي الْإِطْلَاقِ فَيَدَّعِي الِاشْتِرَاكَ ؛ لِتَوَقُّفِ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْقَيْدِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْجِنَازَةِ بِخِلَافِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، فَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى الْمَجَازِ . انْتَهَى . وَلَمْ يَسْتَدِلَّ الْبُخَارِيُّ عَلَى مَطْلُوبِهِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَتِهَا صَلَاةً ، بَلْ بِذَلِكَ وَبِمَا انْضَمَّ إِلَيْهِ مِنْ وُجُودِ جَمِيعِ الشَّرَائِطِ إِلَّا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحِكْمَةِ فِي حَذْفِهِمَا مِنْهَا ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُمَا عَلَى الْأَصْلِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : غَرَضُ الْبُخَارِيِّ بَيَانُ جَوَازِ إِطْلَاقِ الصَّلَاةِ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَكَوْنِهَا مَشْرُوعَةً ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ ، فَاسْتَدَلَّ تَارَةً بِإِطْلَاقِ اسْمِ الصَّلَاةِ وَالْأَمْرِ بِهَا ، وَتَارَةً بِإِثْبَاتِ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّلَاةِ نَحْوَ عَدَمِ التَّكَلُّمِ فِيهَا ، وَكَوْنِهَا مُفْتَتَحَةً بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةً بِالتَّسْلِيمِ ، وَعَدَمِ صِحَّتِهَا بِدُونِ الطَّهَارَةِ ، وَعَدَمِ أَدَائِهَا عِنْدَ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ ، وَبِرَفْعِ الْيَدِ وَإِثْبَاتِ الْأَحَقِّيَّةِ بِالْإِمَامَةِ ، وَبِوُجُوبِ طَلَبِ الْمَاءِ لَهَا ، وَبِكَوْنِهَا ذَاتَ صُفُوفٍ وإِمَامٍ . قَالَ : وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ ذَاتِ الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ وَبَيْنَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيهِمَا ، انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ بَحْثَ ابْنِ رَشِيدٍ أَقْوَى ، وَمَطْلُوبُ الْمُصَنِّفِ حَاصِلٌ كَمَا قَدَّمْتُهُ بِدُونِ الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةِ ، بَلْ بِإِثْبَاتِ مَا مَرَّ مِنْ خَصَائِصِهَا كَمَا تَقَدَّمَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَة · ص 226 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغسل والطهور · ص 294 الأول : 857 - حدثنا محمد بن المثنى ، ثنا غندر ، ثنا شعبة : سمعت سليمان الشيباني : سمعت الشعبي ، قال : أخبرني من مر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على قبر منبوذ ، فأمهم وصفوا عليه ، فقلت : يا أبا عمرو : من حدثك ؟ قال : ابن عباس . مراد البخاري من هذا الحديث في هذا الباب : أن ابن عباس صلى خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه على القبر ، وابن عباس كان صغيرا لم يبلغ الحلم ، وقد سبق ذكر الاختلاف في سنه عند وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتاب العلم ، فدل على أن الصبي يشهد صلاة الجنائز مع الرجال ، ويصلي معهم عليها ، ويصف معهم . وقد خرجه البخاري في موضع آخر من كتابه هذا بلفظ آخر ، وفيه : فقام فصففنا خلفه ، قال ابن عباس : وأنا فيهم ، فصلى عليه . وقد خرجه الدارقطني من طريق شريك ، عن الشيباني بهذا الإسناد ، وقال في حديثه : فقام فصلى عليه ، فقمت عن يساره ، فجعلني عن يمينه . وهذه زيادة غريبة ، لا أعلم ذكرها غير شريك ، وليس بالحافظ ، فإن كانت محفوظة استدل بها على أن صفوف الجنائز كصفوف سائر الصلوات . وقد اختلف أصحابنا في ذلك : فمنهم من قال : كذلك ، وهو ظاهر كلام أحمد ؛ لأنه نص على كراهة صلاة الفذ وحده في صلاة الجنازة . ومنهم من قال : يصلي على الجنازة الرجل وحده ، منفردا خلف الصفوف ، منهم : القاضي أبو يعلى في خلافه وابن عقيل . وقالوا : إذا لم يكن جعل الصفوف في صلاة الجنازة ثلاثة إلا بقيام واحد صفا وحده كان أفضل . واستدل بما روى عبد الله بن عمر العمري ، قال : سمعت أم يحيى قالت : سمعت أنس بن مالك يقول : مات ابن أبي طلحة ، فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام أبو طلحة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأم سليم خلف أبي طلحة كأنهم عرف ديك ، وأشار بيده . خرجه الإمام أحمد . وخرج أبو حفص العكبري - من أصحابنا - بإسناده ، عن خير بن نعيم الحضرمي ، أن أبا الزبير - أو عطاء بن أبي رباح - أخبره . أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على جنازة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابعهم ، فجعلهم ثلاثة صفوف ، الصف الأول ثلاثة ، والصف الثاني رجلين ، والصف الثالث رجلا ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين أيديهم . وهذا مرسل . وقد نص أحمد على أنه يستحب جعلهم في صلاة الجنائز ثلاثة صفوف ، إذا أمكن أن يكون في كل صف اثنان فصاعدا ، واستدل بحديث مالك بن هبيرة ، أنه كان إذا صلى على جنازة فتقال الناس عليها جزأهم ثلاثة أجزاء ، ثم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي . وقال : حديث حسن .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب سنة الصلاة على الجنازة · ص 122 باب سنة الصلاة على الجنازة أي : هذا باب في بيان سنة الصلاة على الجنازة ، والمراد من السنة ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة من الشرائط والأركان ، ومن الشرائط أنها لا تجوز بغير الطهارة ، ولا تجوز عريانا ، ولا تجوز بغير استقبال القبلة ، ومن الأركان التكبيرات . وقال الكرماني : غرض البخاري بيان جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة وكونها مشروعة وإن لم تكن ذات الركوع والسجود ، فاستدل عليه تارة بإطلاق اسم الصلاة عليه والأمر بها ، وتارة بإثبات ما هو من خصائص الصلاة نحو عدم التكلم فيها ، وكونها مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم ، وعدم صحتها إلا بالطهارة ، وعدم أدائها عند الوقت المكروه ، وبرفع اليد وإثبات الأحقية بالإمامة ، ولوجوب طلب الماء له والدخول فيها بالتكبير ، ويكون استفتاحها بالتكبير وبقوله تعالى : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ فإنه أطلق الصلاة عليه حيث نهى عن فعلها وبكونها ذات صفوف وإمام ، وحاصله أن الصلاة لفظ مشترك بين ذات الأركان المخصوصة من الركوع ونحوه ، وبين صلاة الجنازة وهو حقيقة شرعية فيهما انتهى . قلت : في قوله : وحاصله إلى آخره فيه نظر ؛ لأن الصلاة في اللغة الدعاء والاتباع ، وقد استعملت في الشرع فيما لم يجد فيه الدعاء والاتباع كصلاة الأخرس المنفردة وصلاة من لا يقدر على القراءة وحده ، ثم إن الشارع استعملها في غير معناها اللغوي ، وغلب استعمالها فيها بحيث يتبادر الذهن إلى المعنى الذي استعملها الشارع فيه عند الإطلاق ، وهي مجاز هجرت حقيقته بالشرع فصارت حقيقة شرعية وليست بمشتركة بين الصلاة المعهودة في الشرع وبين صلاة الجنازة فلا تكون حقيقة شرعية فيهما ، ولا يفهم من كلام البخاري الذي نقله عنه الكرماني أن إطلاق لفظ الصلاة على صلاة الجنازة بطريق الحقيقة لا بطريق الاشتراك بين الصلاة المعهودة وصلاة الجنازة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من صلى على الجنازة . هذا استدل به البخاري على جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة ، فإنه صلى الله عليه وسلم قال : من صلى على الجنازة فأطلق بلفظ صلى على الجنازة ولم يقل من دعا للجنازة ونحو ذلك ، وهذا طرف من حديث أبي هريرة أخرجه موصولا في باب من انتظر حتى تدفن ، ولكن لفظة من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط الحديث . ولفظ مسلم من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط ، وإن تبعها فله قيراطان وقال : صلوا على صاحبكم . هذا استدل به على ما ذهب إليه من إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة بالأمر بالصلاة عليها حيث قال : صلوا وهو طرف من حديث سلمة بن الأكوع أخرجه موصولا في أوائل الحوالة مطولا وأوله كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتي بجنازة فقالوا : صل عليها الحديث ، وفيه قال : هل عليه دين ؟ قالوا ثلاثة دنانير ، قال : صلوا على صاحبكم . الحديث . وقال : صلوا على النجاشي . هذا أيضا بطريق الأمر وقد تقدم هذا في باب الصفوف على الجنازة ولكن لفظه هنا فصلوا عليه . سماها صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود . أي : سمى النبي صلى الله عليه وسلم الهيئة الخاصة التي يدعى فيها للميت صلاة ، والحال أنه ليس فيها ركوع ولا سجود ، ولكن التسمية ليست بطريق الحقيقة ولا بطريق الاشتراك ، ولكن بطريق المجاز . ولا يتكلم فيها ، وفيها تكبير وتسليم . أي : ولا يتكلم في صلاة الجنازة وهذا أيضا من جملة جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة بإثبات ما هو من خصائص الصلاة وهو عدم التكلم في صلاة الجنازة كالصلاة . قوله : وفيها أي : وفي صلاة الجنازة تكبير وتسليم كما في الصلاة ، أما التكبير فلا خلاف فيه ، وأما التسليم فمذهب أبي حنيفة أنه يسلم تسليمتين ، واستدل له بحديث عبد الله بن أبي أوفى أنه يسلم عن يمينه وعن شماله ، فلما انصرف قال : لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع أو هكذا يصنع رواه البيهقي ، وقال الحاكم : حديث صحيح . وفي المصنف بسند جيد عن جابر بن زيد والشعبي وإبراهيم النخعي أنهم كانوا يسلمون تسليمتين . وفي المعرفة روينا عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود أنه قال : ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن تركهن الناس ، إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليمتين في الصلاة ، وقال قوم : يسلم تسليمة واحدة . روي ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر وجابر وأبي هريرة وأبي أمامة بن سهل وأنس وجماعة من التابعين ، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق . ثم هل يسر بها أو يجهر ؟ فعن جماعة من الصحابة والتابعين إخفاؤها ، وعن مالك : يسمع بها من يليه ، وعن أبي يوسف : لا يجهر كل الجهر ، ولا يسر كل الإسرار ، ولا يرفع يديه إلا عند تكبيرة الإحرام ؛ لما روى الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا إذا صلى على جنازة يرفع يديه في أول تكبيرة وزاد الدارقطني ثم لا يعود . وعن ابن عباس عنده مثله بسند فيه الحجاج بن نصير . وفي ( المبسوط ) أن ابن عمر وعليا رضي الله تعالى عنهما قالا : لا ترفع اليد فيها إلا عند تكبيرة الإحرام ، وحكاه ابن حزم عن ابن مسعود وابن عمر ثم قال : لم يأت بالرفع فيما عدا الأولى نص ولا إجماع . وحكي في المصنف عن النخعي والحسن بن صالح أن الرفع في الأولى فقط ، وحكى ابن المنذر الإجماع على الرفع في أول تكبيرة ، وعند الشافعية يرفع في الجميع . وقال صاحب التوضيح : وروي مثل قولنا عن ابن عمر وسالم وعطاء ومكحول والزهري ، والأوزاعي وأحمد وإسحاق . وكان ابن عمر لا يصلي إلا طاهرا ، ولا تصلى عند طلوع الشمس ولا غروبها ويرفع يديه . هذا أيضا مما استدل به البخاري على إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة . هذه ثلاث مسائل : الأولى أن عبد الله بن عمر كان لا يصلي على الجنازة إلا بطهارة ، وقال ابن بطال : كان غرض البخاري بهذا الرد على الشعبي فإنه أجاز الصلاة على الجنازة بغير طهارة ، قال : لأنه دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود قال : والفقهاء مجمعون من السلف والخلف على خلاف قوله انتهى . قلت : وقال به أيضا محمد بن جرير الطبري والشيعة ، وقال أبو عمر : قال ابن علية : الصلاة على الميت استغفار والاستغفار يجوز بغير وضوء ، وأوصل هذا التعليق مالك في الموطأ عن نافع بلفظ أن ابن عمر كان يقول : لا يصلي الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر ، وأما إطلاق الطهارة فيتناول الوضوء والتيمم . وقال أبو حنيفة : يجوز التيمم للجنازة مع وجود الماء إذا خاف فوتها بالوضوء وكان الولي غيره ، وحكاه ابن المنذر أيضا عن الزهري وعطاء وسالم والنخعي وعكرمة ، وسعد بن إبراهيم ويحيى الأنصاري وربيعة والليث والأوزاعي والثوري ، وإسحاق وابن وهب ، وهي رواية عن أحمد . وروى ابن عدي ، عن ابن عباس مرفوعا إذا فجأتك جنازة وأنت على غير وضوء فتيمم ورواه ابن أبي شيبة عنه موقوفا ، وحكاه أيضا عن الحكم والحسن ، وقال مالك والشافعي وأبو ثور : لا يتيمم . وقال ابن حبيب : الأمر فيه واسع . ونقل ابن التين عن ابن وهب أنه يتيمم إذا خرج طاهرا فأحدث ، وإن خرج معها على غير طهارة لم يتيمم . المسألة الثانية أن عبد الله بن عمر ما كان يصلي على الجنازة عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ؛ لما روى ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا حاتم بن إسماعيل ، عن أنيس بن أبي يحيى ، عن أبيه أن جنازة وضعت فقام ابن عمر قائما فقال : أين ولي هذه الجنازة ليصل عليها قبل أن يطلع قرن الشمس . وحدثنا وكيع ، عن جعفر بن برقان ، عن ميمون قال : كان ابن عمر يكره الصلاة على الجنازة إذا طلعت الشمس حتى تغيب ، وحدثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بكر يعني ابن حفص قال : قال : كان ابن عمر إذا كانت الجنازة صلى العصر ، ثم قال : عجلوا بها قبل أن تطفل الشمس . وقال الترمذي : باب ما جاء في كراهة الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها ، ثم روى حديث عقبة بن عامر الجهني : ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيها ، ونقبر فيهن موتانا : حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل ، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب وأخرجه مسلم وبقية أصحاب السنن أيضا ، ثم قال الترمذي : والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم يكرهون الصلاة على الجنازة في هذه الأوقات . وقال ابن المبارك : معنى هذا الحديث أن نقبر فيهن موتانا يعني الصلاة على الجنازة ، وهو قول أحمد وإسحاق . وقال الشافعي : لا بأس أن يصلى على الجنازة في الساعات التي تكره فيها الصلاة . المسألة الثالثة هي قوله : ويرفع يديه أي : ويرفع ابن عمر يديه في صلاة الجنازة ، قال بعضهم : وصله البخاري في كتاب رفع اليدين المفرد من طريق عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة . قلت : قوله : ويرفع يديه مطلق يتناول الرفع في أول التكبيرات ، ويتناول الرفع في جميعها ، وعدم تقييد البخاري ذلك يدل على أن الذي رواه في كتاب رفع اليدين غير مرضي عنده ؛ إذ لو كان رضي به لكان ذكره في الصحيح أو قيد . قوله : ويرفع يديه بلفظ في التكبيرات كلها على أنا قد ذكرنا عن قريب أن ابن حزم حكى عن ابن عمر أنه لم يرفع إلا في الأولى ، وقال : لم يأت فيما عدا الأولى نص ولا إجماع ، وذكرنا عن أبي هريرة وابن عباس مثله . فإن قلت : روى الطبراني في الأوسط من حديث نافع ، عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه في الكل . قلت : إسناده ضعيف فلا يحتج به ، والله تعالى أعلم . وقال الحسن : أدركت الناس وأحقهم على جنائزهم من رضوهم لفرائضهم . هذا أيضا من جملة ما يستدل به البخاري على جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة ، فإن الذين أدركهم من الصحابة والتابعين الكبار كانوا يلحقون صلاة الجنازة بالصلوات ، ولهذا ما كان أحق بالصلاة على الجنازة إلا من كان يصلي لهم الفرائض ، والواو في وأحقهم للحال وارتفاعه بالابتداء وخبره هو قوله : من وهي موصولة يعني الذين . وقوله : رضوهم صلتها ، وقوله : رضوهم بضمير الجمع رواية الحموي والمستملي ، وفي رواية غيرهما رضوه بإفراد الضمير . وهذا الباب فيه خلاف بين العلماء قال ابن بطال : أكثر أهل العلم قال : الوالي أحق من الولي . روي ذلك عن جماعة منهم علقمة والأسود والحسن ، وهو قول أبي حنيفة ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق . وقال أبو يوسف والشافعي : الولي أحق من الوالي . وقال مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ : ليس ذلك إلا إلى من إليه الصلاة من قاض أو صاحب شرطة أو خليفة الوالي الأكبر ، وإنما ذلك إلى الوالي الأكبر الذي يؤدى إليه الطاعة ، وحكى ابن أبي شيبة ، عن النخعي وأبي بردة وابن أبي ليلى وطلحة وزبيد وسويد بن غفلة : تقديم إمام الحي ، وعن أبي الشعثاء وسالم والقاسم وطاوس ومجاهد وعطاء أنهم كانوا يقدمون الإمام على الجنازة . وروى الثوري عن أبي حازم قال : شهدت الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما قدم سعيد بن العاص يوم مات الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما ، وقال له : تقدم فلولا السنة ما قدمتك ، وسعيد يومئذ أمير المدينة . وقال ابن المنذر : ليس في هذا الباب أعلى من هذا ؛ لأن شهادة الحسن شهدها عوام الناس من الصحابة والمهاجرين والأنصار . وإذا أحدث يوم العيد أو عند الجنازة يطلب الماء ولا يتيمم . الظاهر أن هذا من بقية كلام الحسن ؛ لأن ابن أبي شيبة روى عن حفص على أشعث ، عن الحسن أنه سئل عن الرجل يكون في الجنازة على غير وضوء قال : لا يتيمم ولا يصلي إلا على طهر . فإن قلت : روى سعيد بن منصور ، عن حماد بن زيد ، عن كثير بن شنظير قال : سئل الحسن عن الرجل يكون في الجنازة على غير وضوء ، فإن ذهب يتوضأ تفوته ؟ قال : يتيمم ويصلي . قلت : يحمل هذا على أنه روي عنه روايتان ، ويدل ذكر البخاري هذا على أنه لم يقف عن الحسن إلا على ما روي عنه من عدم جواز الصلاة على الجنازة إلا بالوضوء ، أما التيمم لصلاة الجنازة فقد مر الكلام فيه مستوفى عن قريب . وأما التيمم لصلاة العيد فعلى التفصيل عندنا وهو أنه إن كان قبل الشروع في صلاة العيد لا يجوز للإمام لأنه ينتظر ، وأما المقتدي فإن كان الماء قريبا بحيث لو توضأ لا يخاف الفوت لا يجوز وإلا فيجوز ، فلو أحدث أحدهما بعد الشروع بالتيمم يتيمم ، وإن كان الشروع بالوضوء وخاف ذهاب الوقت لو توضأ فكذلك عند أبي حنيفة خلافا لهما . وفي المحيط وإن كان بالوضوء وخاف زوال الشمس لو توضأ يتيمم بالإجماع ، وإلا فإن كان يرجو إدراك الإمام قبل الفراغ لا يتيمم بالإجماع وإلا يتيمم ويبني عند أبي حنيفة وقالا : يتوضأ ولا يتيمم ، فمن المشايخ من قال : هذا اختلاف عصر وزمان ، ففي زمن أبي حنيفة كانت الجبانة بعيدة من الكوفة ، وفي زمنهما كانوا يصلون في جبانة قريبة ، وعند الشافعي : لا يجوز التيمم لصلاة العيد أداء وبناء . وقال النووي : قاس الشافعي صلاة الجنازة والعيد على الجمعة وقال : تفوت الجمعة بخروج الوقت بالإجماع ، والجنازة لا تفوت ، بل يصلى على القبر إلى ثلاثة أيام بالإجماع ، ويجوز بعدها عندنا . وإذا انتهى إلى الجنازة وهم يصلون يدخل معهم بتكبيرة . هذا بقية من كلام الحسن أيضا أي : إذا انتهى الرجل إلى الجنازة والحال أن الجماعة يصلون يدخل معهم بتكبيرة ، وقد وصله ابن أبي شيبة : حدثنا معاذ عن أشعث ، عن الحسن في الرجل ينتهي إلى الجنازة وهم يصلون عليها ، قال : يدخل معهم بتكبيرة ، قال : وحدثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن محمد قال : يكبر ما أدرك ويقضي ما سبقه ، وقال الحسن : يكبر ما أدرك ولا يقضي ما سبقه . وعندنا لو كبر الإمام تكبيرة أو تكبيرتين لا يكبر الآتي حتى يكبر الإمام تكبيرة أخرى عند أبي حنيفة ومحمد ، ثم إذا كبر الإمام يكبر معه ، فإذا فرغ الإمام كبر هذا الآتي ما فاته قبل أن ترفع الجنازة . وقال أبو يوسف : يكبر حين يحضر وبه قال الشافعي وأحمد في رواية ، وعن أحمد مخير ، وقولهما هو قول الثوري والحارث بن يزيد ، وبه قال مالك وإسحاق وأحمد في رواية . وقال ابن المسيب : يكبر بالليل والنهار والسفر والحضر أربعا . أي : قال سعيد بن المسيب : يكبر الرجل في صلاة الجنازة سواء كانت بالليل أو بالنهار ، وسواء كانت في السفر أو في الحضر أربعا أي : أربع تكبيرات ، وقد ذكرنا الاختلاف في عدد التكبيرات . وقال أنس رضي الله عنه : التكبيرة الواحدة استفتاح الصلاة . هذا أيضا مما يدل على ما قاله البخاري من جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة حيث أثبت لها تكبيرة الاستفتاح كما في صلاة الفرض ، وروى سعيد بن منصور ما يتضمن ما ذكره البخاري ، عن أنس ، عن إسماعيل بن علية ، عن يحيى بن أبي إسحاق ، قال زريق بن كريم لأنس بن مالك : رجل صلى فكبر ثلاثا ، قال أنس : أوليس التكبير ثلاثا ؟ قال : يا أبا حمزة التكبير أربع ، قال : أجل غير أن واحدة هي افتتاح الصلاة . وقال عز وجل : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ هذا معطوف على أصل الترجمة وهي قوله : باب سنة الصلاة على الجنازة ، فإنه أطلق عليه الصلاة حيث نهى عن فعلها على أحد من المنافقين . وفيه صفوف وإمام . هذا عطف على قوله : وفيها تكبير وتسليم والضمير في فيه يرجع إلى صلاة الجنازة والتذكير باعتبار المذكور أو باعتبار فعل الصلاة ، أراد أن كون الصفوف في صلاة الجنازة وكون الإمام فيها يدلان على إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة . 79 - حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا شعبة ، عن الشيباني ، عن الشعبي قال : أخبرني من مر مع نبيكم صلى الله عليه وسلم على قبر منبوذ فأمنا فصففنا خلفه ، فقلنا : يابا عمرو من حدثك ؟ قال : ابن عباس رضي الله عنهما . مطابقته للترجمة في قوله : فأمنا فصففنا لأن الإمامة وتسوية الصفوف من سنة صلاة الجنازة ، والحديث قد مر في الباب الذي قبله وقبل قبله ، والشيباني هو سليمان ، والشعبي هو عامر بن شراحيل . قوله : يا با عمرو أصله يا أبا عمرو حذفت الهمزة للتخفيف ، وأبو عمرو هذا هو الشعبي .