95 - بَاب مَوْتِ الْفُجَاءَةِ الْبَغْتَةِ 1388 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي هِشَامُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَوْتِ الْفُجَاءَةِ ، الْبَغْتَةِ ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : هُوَ مَضْبُوطٌ بِالْكَسْرِ عَلَى الْبَدَلِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ : هِيَ الْبَغْتَةُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : بَغْتَةٌ . وَالْفُجَاءَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ ، وَبَعْدَ الْجِيمِ مَدٌّ ثُمَّ هَمْزٌ ، وَيُرْوَى بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ بِغَيْرِ مَدٍّ ، وَهِيَ الْهُجُومُ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ . وَمَوْتُ الْفَجْأَةِ وُقُوعُهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ مَرَضٍ وَغَيْرِهِ ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ كَرَاهِيَتُهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ بِأَنَّ أُمَّهُ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ، وَأَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ : مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَفٍ . وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ ، فَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي التَّرْجَمَةِ بِمَا لَمْ يُوَافِقْ شَرْطَهُ ، وَإِدْخَالُ مَا يُومِئُ إِلَى ذَلِكَ وَلَوْ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، إِلَّا أَنَّ رَاوِيهِ رَفَعَهُ مَرَّةً وَوَقَفَهُ أُخْرَى . وَقَوْلُهُ : أَسَفٌ أَيْ : غَضَبٌ ، وَزْنًا وَمَعْنًى ، وَرُوِيَ بِوَزْنِ فَاعِلٍ أَيْ غَضْبَانَ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِجِدَارٍ مَائِلٍ فَأَسْرَعَ ، وَقَالَ : أَكْرَهُ مَوْتَ الْفَوَاتِ . قَالَ ابنُ بَطَّالٍ : وَكَانَ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِمَا فِي مَوْتِ الْفَجْأَةِ مِنْ خَوْفِ حِرْمَانِ الْوَصِيَّةِ ، وَتَرْكِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَعَادِ بِالتَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْمَوْتِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَزَادَ فِيهِ : الْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ وَصِيَّتَهُ . انْتَهَى . وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ : مَوْتُ الْفَجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ ، وَأَسَفٌ عَلَى الْفَاجِرِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ لَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ مَنْ مَاتَ فَجْأَةً فَلْيَسْتَدْرِكْ وَلَدُهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ مَا أَمْكَنَهُ مِمَّا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ ، كَمَا وَقَعَ حَدِيثُ الْبَابِ . وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ كَرَاهَةُ مَوْتِ الْفَجْأَةِ ، وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْ بَعْضِ الْقُدَمَاءِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَاتُوا كَذَلِكَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ مَحْبُوبٌ لِلْمُرَاقِبِينَ . قُلْتُ : وَبِذَلِكَ يَجْتَمِعُ الْقَوْلَانِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ) أَيِ : ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْمَدَنِيُّ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ رَجُلًا ) هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَاسْمُ أُمِّهِ عَمْرَةُ ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْوَصَايَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( افْتُلِتَتْ ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ اللَّامِ ؛ أَيْ : سُلِبَتْ ، عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، يُقَالُ : افْتُلِتَ فُلَانٌ ، أَيْ : مَاتَ فَجْأَةً ، وَافْتُلِتَتْ نَفْسُهُ كَذَلِكَ ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ السِّينِ ، إِمَّا عَلَى التَّمْيِيزِ ، وَإِمَّا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ ، وَالْفَلْتَةُ وَالِافْتِلَاتُ مَا وَقَعَ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِالْقَافِ وَتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ ، وَقَالَ : هِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِمَنْ قَتَلَهُ الْحُبُّ ، وَلِمَنْ مَاتَ فَجْأَةً ، وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ بِالْفَاءِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَوْتِ الْفَجْأَةِ الْبَغْتَة · ص 299 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب موت الفجأة البغتة · ص 220 باب موت الفجأة البغتة أي هذا باب في بيان حال الموت فجأة ، ولم يبينه اكتفاء بما في حديث الباب بأنه غير مكروه ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يظهر منه كراهيته لما أخبره الرجل بأن أمه افتلتت نفسها . والفجاءة بضم الفاء وبالمد ، وفي المحكم : فجأه وفجأة يفجؤه فجا وفجاءة وافتجأه وفاجأه مفاجأة ؛ هجم عليه من غير أن يشعر به ، ولقيته فجأة وضعوه موضع المصدر ، وموت الفجأة ما يفجأ الإنسان من ذلك . وفي المنتهى : هو بالضم والهمزة . وفي الإصلاح ليعقوب : فاجأني وفجأني الرجل . قال أبو زيد : إذا لقيته ولا تشعر به وهو لا يشعر بك أيضا . وعند ابن التياني : فجأ الأمر وفاجأ وفجئ ، وبه يرد على ابن درستويه في كتاب تصحيح الفصيح ، والعامة تفتح ماضيه . وقال قطرب : الأصل فجا ، ونحن نتفجى فلانا أي ننتظره ، وأتيته فجواء أي مفاجأة . وحكى المطرز عن ابن الأعرابي أنه يقال : أتيته فجاة والتقاطا وعينا وبددا ؛ أي بغير تلبث . قوله ( البغتة ) بالجر على أنه بدل من الفجأة ، ويجوز أن يرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ؛ أي هي البغتة ، ووقع في رواية الكشميهني بغتة بدون الألف واللام . وقال ابن الأثير : يقال بغته يبغته بغتا أي فاجأه . وقال الجوهري : البغت أن يفجأك الشيء ، تقول بغتة أي فاجأة ، ولقيته بغتة أي فجاءة ، والمباغتة المفاجأة . 142 - حدثنا سعيد بن أبي مريم قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : أخبرني هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أمي افتلتت نفسها ، وأظنها لو تكلمت تصدقت ، فهل لها أجر إن تصدقت عنها ؟ قال : نعم . مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - لما أجاب بقوله نعم لذلك القائل الذي في الحديث دل على أن موت الفجأة غير مكروه ، وقد ورد في حديث عن عائشة وابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه : موت الفجأة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر . فإن قلت : روى أبو داود من حديث عبيد بن خالد السلمي - رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - قال : موت الفجأة أخذة آسف . والآسف على فاعل من الصفات المشبهة ، والآسف بفتحتين اسم ، والمعنى أخذة غضبان في الوجه الأول وأخذة غضب في الوجه الثاني ، ومعناه أنه فعل ما أوجب الغضب عليه والانتقام منه بأن أماته بغتة من غير استعداد ولا حضور لذلك ، وروى أحمد من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بجدار مائل فأسرع وقال : أكره موت الفوات . قلت : الجمع بينهما بأن الأول محمول على من استعد وتأهب ، والثاني محمول على من فرط . وقال ابن بطال : وكان ذلك - والله أعلم - لما في موت الفجأة من خوف حرمان الوصية وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة وغيرها من الأعمال الصالحة . وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الموت من حديث أنس نحو حديث عبيد بن خالد ، وزاد فيه : المحروم من حرم وصيته . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ؛ الأول : سعيد بن أبي مريم ، هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم . الثاني : محمد بن أبي جعفر بن أبي كثير . الثالث : هشام بن عروة . الرابع : أبوه عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنه . الخامس : عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضع ، وفيه أن شيخه مصري وبقية الرواة مدنيون ، وفيه رواية الابن عن الأب . ( ذكر معناه ) : قوله ( أن رجلا ) هو سعد بن عبادة ، قال أبو عمر : واسم أمه عمرة . قوله ( افتلتت نفسها ) بضم التاء المثناة من فوق وكسر اللام على صيغة المجهول ، ومعناه ماتت فجأة ، يقال افتلت فلان - على صيغة المجهول - وافتلتت نفسه أيضا ، و نفسها نصب على التمييز أو مفعول ثان بمعنى سلبت ، ويروى برفع النفس وهو ظاهر ، وسيأتي في البخاري من حديث ابن عباس أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه ، فقال : اقضه عنها . ولأبي داود أن امرأة قالت : يا رسول الله ، إن أمي افتلتت نفسها . . . الحديث ، وفي رواية مسلم : إن أمي ماتت وعليها صوم . وللنسائي عن ابن عباس عن سعد بن عبادة أنه قال : قلت : يا رسول الله ، إن أمي ماتت ، فأي الصدقة أفضل ؟ قال : الماء . وفي حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال : يا رسول الله ، إن أبي مات وترك مالا ولم يوص ، فهل يكفي ذلك عنه أن أتصدق ؟ قال : نعم . فالقضية إذن متعددة . ( ويستفاد منه ) : أن الصدقة عن الميت تجوز وأنه ينتفع بها ، وروى أحمد عن عبد الله بن عمرو أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة وأن هشام بن العاص نحر عنه خمسين وأن عَمرا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فقال : أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك . وعند ابن ماكولا من حديث إبراهيم بن حبان عن أبيه عن جده ، عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : إنا لندعو لموتانا ونتصدق عنهم ونحج ، فهل يصل ذلك إليهم ؟ فقال : إنه ليصل إليهم ، ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالهدية .