بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا 1442 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ ، عَنْ أَبِي الْحُبَابِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ، وَيَقُولُ الْآخَرُ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى الْآيَةَ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : أَدْخَلَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ بَيْنَ أَبْوَابِ التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ لِيُفْهَمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْخَاصَّ بِهَا التَّرْغِيبُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ ، وَأنَّ ذَلِكَ مَوْعُودٌ عَلَيْهِ بِالْخَلَفِ فِي الْعَاجِلِ زِيَادَةً عَلَى الثَّوَابِ الْآجِلِ . قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْآيَةِ وَحَذْفُ أَدَاةِ الْعَطْفِ كَثِيرٌ ، وَهُوَ مَذْكُورٌ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ لِلْحُسْنَى ، أَيْ : تَيْسِيرُ الْحُسْنَى لَهُ إِعْطَاءُ الْخَلَفِ . قُلْتُ : قَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ : أَعْطَى مِمَّا عِنْدَهُ وَاتَّقَى رَبَّهُ ، وَصَدَّقَ بِالْخَلَفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . ثُمَّ حَكَى عَنْ غَيْرِهِ أَقْوَالًا أُخْرَى قَالَ : وَأَشْبَهُهَا بِالصَّوَابِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهُوَ بَيِّنٌ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ : حَدَّثَنِي خَالِدٌ الْعَصْرِيُّ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - إِلَى قَوْلِهِ - لِلْعُسْرَى وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ آخِرِهِ . وقَوْلُهُ : مُنْفِقَ مَالٍ ؛ بِالْإِضَافَةِ . وَلِبَعْضِهِمْ : مُنْفِقًا مَالًا خَلَفًا ، وَمَالًا مَفْعُولُ مُنْفِقَ ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْإِضَافَةِ وَلَوْلَاهَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ أَعْطَى ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ لِلْحَضِّ عَلَى إِنْفَاقِ الْمَالِ ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولُ مُنْفِقَ ، وَأَمَّا الْخَلَفُ فَإِبْهَامُهُ أَوْلَى لِيَتَنَاوَلَ الْمَالَ وَالثَّوَابَ وَغَيْرَهُمَا ، وَكَمْ مِنْ مُتَّقٍ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ لَهُ الْخَلَفُ الْمَالِيُّ فَيَكُونُ خِلْفَهُ الثَّوَابُ الْمُعَدُّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي أَخِي ) هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ ، وَأَبُو الْحُبَابِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ ، الْأُولَى خَفِيفَةٌ ، وَسَمَّاهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ وَهُوَ عَمُّ مُعَاوِيَةَ الرَّاوِي عَنْهُ ، وَمُزَرِّدٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ ، وَاسْمُ أَبِي مُزَرِّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( مَا مِنْ يَوْمٍ ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ : مَا مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ ، إِلَّا الثَّقَلَيْنِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ ، إِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى ، وَلَا غَرَبَتْ شَمْسُهُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ . فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا مَلَكَانِ ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ : إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ . وَالْجَنْبَةُ بِسُكُونِ النُّونِ : النَّاحِيَةُ . وَقَوْلُهُ : خَلَفًا ؛ أَيْ : عِوَضًا . قَوْلُهُ : ( أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ) التَّعْبِيرُ بِالْعَطِيَّةِ فِي هَذَا لِلْمُشَاكَلَةِ ، لِأَنَّ التَّلَفَ لَيْسَ بِعَطِيَّةٍ . وَأَفَادَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ مُوَزَّعٌ بَيْنَهُمَا ، فَنُسِبَ إِلَيْهِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ نِسْبَةَ الْمَجْمُوعِ إِلَى الْمَجْمُوعِ ، وَتَضَمَّنَتِ الْآيَةُ الْوَعْدَ بِالتَّيْسِيرِ لِمَنْ يُنْفِقُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ ، وَالْوَعِيدَ بِالتَّعْسِيرِ لِعَكْسِهِ . وَالتَّيْسِيرُ الْمَذْكُورُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِأَحْوَالِ الدُّنْيَا أَوْ لِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ ، وَكَذَا دُعَاءُ الْمَلَكِ بِالْخَلَفِ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالتَّلَفِ فَيَحْتَمِلُ تَلَفَ ذَلِكَ الْمَالِ بِعَيْنِهِ أَوْ تَلَفَ نَفْسِ صَاحِبِ الْمَالِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ فَوَاتُ أَعْمَالِ الْبِرِّ بِالتَّشَاغُلِ بِغَيْرِهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْإِنْفَاقُ الْمَمْدُوحُ مَا كَانَ فِي الطَّاعَاتِ وَعَلَى الْعِيَالِ وَالضِّيفَانِ وَالتَّطَوُّعَاتِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهُوَ يَعُمُّ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ ، لَكِنَّ الْمُمْسِكَ عَنِ الْمَنْدُوبَاتِ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الدُّعَاءَ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْبُخْلُ الْمَذْمُومُ بِحَيْثُ لَا تَطِيبُ نَفْسُهُ بِإِخْرَاجِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَوْ أَخْرَجَهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى : طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى · ص 356 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى · ص 306 ( باب قول الله تعالى : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ذكر هذه الآية الكريمة هنا إشارة إلى الترغيب في الإنفاق في وجوه البر ؛ لأن الله تعالى يعطيه الخلف في العاجل والثواب الجزيل في الآجل وإشارة إلى التهديد لمن يبخل ، ويمتنع من الإنفاق في القربات . وفي تفسير الطبري ، عن ابن عباس في قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى قال : أعطى مما عنده ، وصدق بالخلف من الله تعالى واتقى ربه ، وقال قتادة : أعطى حق الله تعالى ، واتقى محارمه التي نهى عنها ، وقال الضحاك : زكى واتقى الله تعالى ، قوله : " وصدق بالحسنى " يعني : قال : لا إله إلا الله ، قاله الضحاك وأبو عبد الرحمن وابن عباس ، وعن مجاهد : وصدق بالحسنى بالجنة ، وقال قتادة : صدق بموعود الله تعالى على نفسه ، فعمل بذلك الموعود الذي وعده ، وذكر الطبري أيضا أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه . وفي المعاني للفراء : نزلت في أبي بكر وفي أبي سفيان ، وقال أبو الليث السمرقندي في تفسيره بإسناده ، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أن أبا بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق ذهب فأعتقه لله تعالى ، فأنزل الله هذه السورة وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى يعني : سعي أبي بكر وأمية بن خلف ، فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى المال واتقى الشرك وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى يعني : بلا إله إلا الله فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى يعني : الجنة ، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ بالمال وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى يعني : بلا إله إلا الله فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى يعني : سنهون عليه أمور النار يعني : أمية وأبيا إذا ماتا . وقيل : فأما من أعطى يعني : أبا الدحداح أعطى من فضل ماله . وقيل : الصدق من قلبه . وقيل : حق الله واتقى محارم الله التي نهى عنها وصدق بالحسنى ، أي : بالجنة . وقيل : بوعد الله . وقيل : بالصلاة والزكاة والصوم ، قوله : " واستغنى " يعني : عن ثواب الله تعالى فلم يرغب فيه . وقيل : استغنى بماله ، قوله : " فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى " يعني : العمل بما لا يرضى الله به . وقيل : سندخله جهنم . وقيل : للعود إلى البخل . ( اللهم أعط منفق مال خلفا ) . قال الكرماني : وجه ربطه بما قبله أنه معطوف على قول الله تعالى ، وحذف حرف العطف جائز ، وهو بيان للحسنى ، فكأنه أشار إلى أن قول الله تعالى مبين بالحديث ، يعني : تيسير اليسرى له إعطاء الخلف له ، والحديث رواه أبو هريرة كما يجيء الآن ، قال القرطبي : هو موافق لقوله تعالى : وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ 45 - حدثنا إسماعيل قال : حدثني أخي ، عن سليمان ، عن معاوية بن أبي مزرد ، عن أبي الحباب ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان ، فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا . مطابقته لقوله " اللهم أعط منفق مال خلفا " ظاهرة ؛ لأنه بينه . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : إسماعيل بن أبي أويس . الثاني : أخوه ، وهو أبو بكر ، واسمه عبد الحميد . الثالث : سليمان بن بلال . الرابع : معاوية بن أبي مزرد بضم الميم وفتح الزاي وكسر الراء . وفي آخره دال مهملة واسمه عبد الرحمن . الخامس : أبو الحباب بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة الأولى ، واسمه سعيد بن يسار ، ضد اليمين ، عم معاوية المذكور . السادس : أبو هريرة - رضي الله عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضع . وفيه : العنعنة في أربعة مواضع . وفيه : أن رواته كلهم مدنيون . وفيه : رواية الرجل ، عن أخيه . وفيه : رواية الرجل عن عمه . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الزكاة ، عن القاسم بن زكريا ، وأخرجه النسائي في عشرة النساء ، عن محمد بن نصر ، وفي الملائكة ، عن عباس بن محمد . ( ذكر معناه ) : قوله : " ما من يوم " وفي حديث أبي الدرداء : " ما من يوم طلعت فيه الشمس إلا وبجنبتيها ملكان يناديان ، يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين ، يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ، إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ، ولا غربت شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين ، اللهم أعط منفقا خلفا ، وأعط ممسكا مالا تلفا " رواه أحمد ، قوله " بجنبتيها " تثنية جنبة بفتح الجيم وسكون النون ، وهي الناحية ، قوله " ما من يوم " يعني : ليس من يوم وكلمة " من " زائدة ، ويوم اسمه ، وقوله : " يصبح العباد فيه " صفة يوم ، وقوله " إلا ملكان " مستثنى من متعلق محذوف ، وهو خبر ما ، المعنى : ليس يوم موصوف بهذا الوصف ينزل فيه أحد إلا ملكان ، يقولان : كيت وكيت ، فحذف المستثنى منه ودل عليه بوصف الملكان ينزلان ، ونظيره في مجيء الموصوف مع الصفة بعد إلا في الاستثناء المفرغ ، قولك ما أخبرت منكم أحدا إلا رفيقا ، قوله : " خلفا " بفتح اللام ، أي : عوضا ، يقال : أخلف الله عليك خلفا ، أي : عوضا ، أي : أبدلك بما ذهب منك ، قوله : " أعط ممسكا تلفا " التعبير بالعطية هنا من قبيل المشاكلة ؛ لأن التلف ليس بعطية . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه أنه موافق لقوله تعالى : وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ولقوله : " ابن آدم أنفق أنفق عليك " ، وهذا يعم الواجب والمندوب . وفيه : أن الممسك يستحق تلف ماله ، ويراد به الإمساك عن الواجبات ، دون المندوبات ، فإنه قد لا يستحق هذا الدعاء ، اللهم إلا أن يغلب عليه البخل بها ، وإن قلت في نفسها كالحبة واللقمة ، ونحوهما . وفيه : الحض على الإنفاق في الواجبات كالنفقة على الأهل وصلة الرحم ، ويدخل فيه صدقة التطوع والفرض . وفيه : دعاء الملائكة ، ومعلوم أنه مجاب بدليل قوله : " من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " .