43 - بَاب زَكَاةِ الْبَقَرِ وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللَّهَ رَجُلٌ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ وَيُقَالُ : جُؤَارٌ تَجْأَرُونَ تَرْفَعُونَ أَصْوَاتَكُمْ كَمَا تَجْأَرُ الْبَقَرَةُ 1460 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - أَوْ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ أَوْ كَمَا حَلَفَ - مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا أُتِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ ، رَوَاهُ بُكَيْرٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ زَكَاةِ الْبَقَرِ ) الْبَقَرُ اسْمُ جِنْسٍ يَكُونُ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ ، اشْتُقَّ مِنْ : بَقَرْتُ الشَّيْءَ إِذَا شَقَقْتُهُ ، لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ بِالْحِرَاثَةِ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : أَخَّرَ زَكَاةَ الْبَقَرِ لِأَنَّهَا أَقَلُّ النَّعَمِ وُجُودًا وَنَصْبًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْبَابِ شَيْئًا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِنِصَابِهَا لِكَوْنِ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ عَلَى شَرْطِهِ ، فَتَقْدِيرُ التَّرْجَمَةِ إِيجَابُ زَكَاةِ الْبَقَرِ ، لِأَنَّ جُمْلَةَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهَا ، إِذْ لَا يَتَوَعَّدُ عَلَى تَرْكِ غَيْرِ الْوَاجِبِ . قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : وَهَذَا الدَّلِيلُ يَحْتَاجُ إِلَى مُقَدِّمَةٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَقَرِ حَقٌّ وَاجِبٌ سِوَى الزَّكَاةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الزَّكَاةِ حَيْثُ قَالَ : بَابُ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْبَقَرِ ، وَمِنْ ثَمَّ أَوْرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ ذِكْرَ الْبَقَرِ وَقَعَ أَيْضًا فِي طَرِيقٍ أُخْرَى فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَزَعَمَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ حَدِيثَ مُعَاذٍ الْمَرْفُوعَ : إِنَّ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً . مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ ، وَإنَّ مِثْلَهُ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ لِأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ : أَمَّا حَدِيثُ مُعَاذٍ فَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ . وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَفِي الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ مَسْرُوقًا لَمْ يَلْقَ مُعَاذًا وَإِنَّمَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ لِشَوَاهِدِهِ ، فَفِي الْمُوَطَّأِ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ ، عَنْ مُعَاذٍ نَحْوُهُ ، وَطَاوُسٌ ، عَنْ مُعَاذٍ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ مِثْلَهُ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ لِأَبِي بَكْرٍ ، فَوَهِمَ مِنْهُ لِأَنَّ ذِكْرَ الْبَقْرِ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ، نَعَمْ هُوَ فِي كِتَابِ عُمَرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ ) هُوَ السَّاعِدِيُّ ، وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ مَوْصُولًا مِنْ طُرُقٍ ، وَهَذَا الْقَدْرُ وَقَعَ عِنْدَهُ مَوْصُولًا فِي كِتَابِ تَرْكِ الْحِيَلِ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( لَأَعْرِفَنَّ ) أَيْ : لَأَعْرِفَنَّكُمْ غَدًا هَذِهِ الْحَالَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : لَا أَعْرِفَنَّ بِحَرْفِ النَّفْيِ أَيْ : مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ فَأَعْرِفَكُمْ بِهَا . قَوْلُهُ : ( مَا جَاءَ اللَّهَ رَجُلٌ ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ : مَجِيءُ رَجُلٍ إِلَى اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( لَهَا خُوَارٌ ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ : صَوْتُ الْبَقَرِ . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ : جُؤَارٌ ) هَذَا كَلَامُ الْبُخَارِيِّ ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَرْفَ جَاءَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ ، وَبِالْجِيمِ وَالْوَاوِ الْمَهْمُوزَةِ ، ثُمَّ فَسَّرَهُ ، فَقَالَ : تَجْأَرُونَ تَرْفَعُونَ أَصْوَاتَكُمْ ، وَهَذِهِ عَادَةُ الْبُخَارِيِّ إِذَا مَرَّتْ بِهِ لَفْظَةٌ غَرِيبَةٌ تُوَافِقُ كَلِمَةً فِي الْقُرْآنِ نَقَلَ تَفْسِيرَ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي مِنَ الْقُرْآنِ ، وَالتَّفْسِيرُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ، وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : يَجْأَرُونَ قَالَ : يَسْتَغِيثُونَ . وَقَالَ الْقَزَّازُ : الْخُوَارُ بِالْمُعْجَمَةِ ، وَالْجُؤَارُ بِالْجِيمِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي الْبَقَرِ . وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ : خَارَ الرَّجُلُ : رَفَعَ صَوْتَهُ بِتَضَرُّعٍ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ) هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ ) هُوَ مَقُولُ الْمَعْرُورِ ، وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ الْحَالِفُ ، وَقَوْلُهُ : ( أَوْ كَمَا حَلَفَ ) يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَضْبُطِ اللَّفْظَ الَّذِي حَلَفَ بِهِ . وَقَوْلُهُ : أَعْظَمَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ ( وَأَسْمَنَهُ ) عَطَفَهُ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : ( جَازَتْ ) أَيْ : مَرَّتْ ، وَ ( رُدَّتْ ) أَيْ : أُعِيدَتْ . قَوْلُهُ : ( لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ : لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا ؛ وَهُوَ أَصْرَحُ فِي مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ الْمَتْنِ فِي أَوَائِلِ الزَّكَاةِ ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : يَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ عَلَى اسْتِوَاءِ زَكَاةِ الْبَقَرِ وَالْإِبِلِ فِي النِّصَابِ ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ قَرَنَ مَعَهُ الْغَنَمَ وَلَيْسَ نِصَابُهَا مِثْلَ نِصَابِ الْإِبِلِ اتِّفَاقًا . ( تَنْبِيهٌ ) : أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةً فِيهَا : هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا ، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا . وَقَدْ أَفْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْقِطْعَةَ فَأَخْرَجَهَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَاكَ الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا . قَوْلُهُ : ( رَوَاهُ بُكَيْرٌ ) يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، وَمُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِذَلِكَ مُوَافَقَةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي ذِكْرِ الْبَقَرِ ، لِأَنَّ الْحَدِيثَيْنِ مُسْتَوَيَانِ فِي جَمِيعِ مَا وَرَدَا فِيهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُطَوَّلًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب زَكَاةِ الْبَقَر · ص 379 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب زكاة البقر · ص 26 ( باب زكاة البقر ) أي هذا باب في بيان إيجاب زكاة البقر ، البقر جمع بقرة وهو الباقر أيضا ، ويقال لها باقر إذا كانت جماعة مع الرعاة ، والبقر أيضا اسم للجمع كالكليب والعبيد ، والبيقور مثله ، وفي المحكم : البقرة من الأهلي والوحشي تكون للمذكر والمؤنث ، والجمع بقر وجمع البقرة أبقر كزمن وأزمن ، فأما باقر وبقير وباقورة فأسماء للجمع ، وفي كتاب الوحوش لهشام الكرنبائي : يقال للأنثى من بقر الوحش بقرة ونعجة ومهاة ، وقد يقال في الشعر للبقرة ثورة ، ولم يجئ في الكلام والباقرة جماع بقرة ، والبقير لا واحد له ، وفي الصحاح : والجمع البقرات ، وفي المغرب للمطرزي : والباقور والبيقور والأبقور البقر ، وكذا الباقورة . ( وقال أبو حميد : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لأعرفن ما جاء الله رجل ببقرة لها خوار ، ويقال : جؤار ، تجأرون ترفعون أصواتكم كما تجأر البقرة ) . مطابقته للترجمة من حيث إن الحديث يتضمن الوعيد فيمن لم يؤد زكاة البقر فيدل على وجوب زكاة البقر ، وقد قلنا : إن التقدير في الترجمة باب في بيان إيجاب زكاة البقر ، وهذا التعليق قطعة من حديث ابن اللتيبة أخرجه مسندا موصولا من طرق ، وهذا القدر وقع عنده موصولا في كتاب ترك الحيل وأبو حميد بضم الحاء الساعدي الأنصاري ، قيل : اسمه عبد الرحمن ، وقيل : المنذر بن سعد مر في استقبال القبلة . قوله : " لأعرفن " أي لأعرفنكم غدا على هذه الحالة ، وفي رواية الكشميهني : لا أعرفن بحرف النفي أي ما ينبغي أن تكونوا على هذه الحالة فأعرفكم بها ، قال القاضي : رواية النفي أشهر ورواية لأعرفن أكثر ، رواه مسلم . قوله : " ما جاء الله رجل " كلمة ما مصدرية ولفظة الله منصوبة بقوله جاء ورجل مرفوع لأنه فاعل جاء ، وهذه الجملة في محل النصب على أنها مفعول قوله لأعرفن وتقدير الكلام لأعرفن مجيء رجل إلى الله يوم القيامة ببقرة لها خوار بضم الخاء المعجمة وبغير الهمزة وهو صوت البقر ، قوله : " ويقال : جؤار " من كلام البخاري أي يقال جؤار بضم الجيم وبالهمزة موضع خوار بضم الخاء المعجمة ، وقال ابن الأثير : المشهور بالخاء المعجمة وأما الجؤار بالجيم والهمزة فمعناه رفع الصوت والاستغاثة من جأر يجأر جأرا وجؤارا إذا رفع صوته مع تضرع واستغاثة ، قاله في المحكم ، وقال ثعلب : هو رفع الصوت بالدعاء ، وفي كتاب الوحوش للكرنبائي : الخوار غير مهموز والجؤار مهموز وهما سواء ، قوله : " تجأرون " أشار به إلى المذكور في القرآن في سورة المؤمنين معناه ترفعون أصواتكم ، وقد جرت عادة البخاري إذا وقف على لفظة غريبة تطابق كلمة في القرآن نقل تفسير تلك الكلمة التي من القرآن تكثيرا للفائدة وتنبيها على ما وقع من ذلك في القرآن ، وقد روى ابن أبي حاتم هذا التفسير عن السدي وروى أيضا من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : تجأرون ، قال : تستغيثون . 62 - ( حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا الأعمش ، عن المعرور بن سويد ، عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال : انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : والذي نفسي بيده أو والذي لا إله غيره أو كما حلف ، ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها ، كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس ) . مطابقته للترجمة مثل الذي ذكرناه في الحديث السابق . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة كلهم قد ذكروا ، والأعمش هو سليمان ، والمعرور بفتح الميم وسكون العين المهملة وبالراء المكررة مر في باب المعاصي في كتاب الإيمان . وأخرجه البخاري أيضا في النذور مقطعا ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن أبي كريب وعن أبي معاوية ، ثلاثتهم عن الأعمش عنه به ، وأخرجه الترمذي فيه عن هناد به وعن محمد بن عبد الله بن المبارك ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد ، عن وكيع به مختصرا : " ما من صاحب إبل .. " الحديث . ( ذكر معناه ) : قوله : " انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم " ، ويروى " انتهيت إليه " أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، هكذا فسره الكرماني أيضا ، وقال صاحب التلويح : انتهيت إليه يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية مسلم : " انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، وفي رواية الترمذي : " جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، أما رواية مسلم فقال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا وكيع ، قال : حدثنا الأعمش ، عن المعرور بن سويد ، " عن أبي ذر ، قال : انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة ، فلما رآني قال : هم الأخسرون ورب الكعبة " .. الحديث . وفيه : " ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأخفافها ، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس " ، وأما رواية الترمذي فقال : حدثنا هناد بن السري ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن المعرور بن سويد ، " عن أبي ذر ، قال : جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة ، قال : فرآني مقبلا ، فقال : هم الأخسرون ورب الكعبة يوم القيامة " .. الحديث . وفيه : ثم قال : " والذي نفسي بيده لا يموت رجل فيدع إبلا أو بقرا لم يؤد زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه ، تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها ، كلما نفدت .. " إلى آخره نحو رواية مسلم ، وقال بعضهم : قوله : " قال انتهيت إليه " هو مقول المعرور والضمير يعود على أبي ذر وهو الحالف ، انتهى . قلت : رواية مسلم والترمذي تظهر غلط هذا القائل وهذان العمدتان في هذا الأمر يصرحان أن قوله انتهيت مقول أبي ذر وليس بمقول المعرور وأن الحالف هو النبي صلى الله عليه وسلم ، قوله : " أو كما حلف " يعني حالفا بلا خلاف ، ولكن أبا ذر تردد بين هذه الألفاظ ولم يضبطها كما وقع قوله : " ما من رجل " مقول قوله : " قال والذي نفسي بيده " ، وهذه الجملة معترضة بين قال ومقوله ، قوله : " لا يؤدي حقها " أي زكاتها وكذا صرح في رواية مسلم حيث قال " لا يؤدي زكاتها " ، قوله : " أتي بها " بضم الهمزة ، قوله : " أعظم " نصب على الحال ، قوله : " وأسمنه " الضمير فيه يرجع إلى ما يكون ، قوله : " وتنطحه " بكسر عينه وهو الذي اختاره ثعلب في الفصيح وماضيه نطح بفتح العين ، قال القزاز : النطح ضرب الكبش برأسه ، وحكى المطرز في شرحه : ينطح بفتح العين في المستقبل وفي الماضي بالتشديد نطح ، قلت : ليس هذا من ذلك ولا يأتي من فعل بالتشديد إلا يفعل كذلك بالتشديد ، وقيل : النطح مخصوص بالكباش وكان ابن خروف يخطئه في ذلك ، وقد استعمل في غير الكباش وحكى ابن قتيبة : نطح الكبش والثور ، وحكى اللغويون نطح الشجاع قرنه فصرعه ، وفي كتاب الفصيح نطح الكبش وغيره ينطح ، وفي المنتهى لأبي المعاني : وتناطحت الأمواج ، وقال ابن درستويه في كتابه شرح الفصيح : النطح بالقرنين أو الرأسين ، ويخص بذلك الكباش لأنها مولعة به حتى إن الأقران في الحرب تشبه بها ، فيقال : تناطحوا وانتطحوا ونطح فلان قرنه فصرعه ، قوله : " بأخفافها " جمع خف فالخف للبعير كما أن القرن للبقر والغنم ، قوله : " كلما جازت " أي مرت ، قوله : " ردت " على صيغة المجهول ، ويروى على صيغة المعلوم فالفاعل إما الأولى وإما الأخرى ، قوله : " عليه " أي على رجل له إبل وهو المذكور ومعناه يعاقب بهذه العقوبة حتى يقضى بين الناس أي إلى أن يفرغ الحساب .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب زكاة البقر · ص 27 ( رواه بكير ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ) . أي روى هذا الحديث بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن أبي صالح ذكوان السمان ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وأخرجه مسلم مطولا موصولا من طريق بكير بهذا الإسناد ، فقال : حدثني هارون بن سعيد الأيلي ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث أن بكيرا حدثه عن ذكوان ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا لم يؤد المرء حق الله أو الصدقة في إبله " ، وساق الحديث بنحو حديث سهيل ، عن أبيه ، فإن قلت : لم يذكر البخاري كيفية زكاة البقر وإنما ذكر ما يدل على وجوبها فقط ، قلت : قال النووي الحديث الذي ذكره البخاري أصح الأحاديث الواردة في زكاة البقر ، ولم يذكر البخاري في ذلك شيئا وأراه لم يصح عنده في ذلك حديث ، قلت : روى أبو علي الطوسي والترمذي ، " عن معاذ : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ من أربعين بقرة مسنة ومن كل ثلاثين بقرة تبيعا " . وحسنه الترمذي ورواه الحاكم ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وروى الحاكم أيضا من حديث عمرو بن حزم ، " عن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم : وفي كل أربعين باقورة بقرة " ، واختلف الناس في زكاة البقر ، فقالت الظاهرية : لا زكاة في أقل من خمسين من البقر فإذا ملك خمسين بقرة عاما قمريا متصلا ففيها بقرة وفي المائة بقرتان ثم في كل خمسين بقرة بقرة ، ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ الخمسين ، وقالت طائفة : ليس فيما دون ثلاثين شيء فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع ثم لا شيء فيها حتى تبلغ أربعين ، فإذا بلغتها ففيها بقرة ثم لا شيء فيها حتى تبلغ خمسين ، فإذا بلغتها ففيها بقرة وربع بقرة ثم لا شيء فيها حتى تبلغ سبعين ، فإذا بلغتها ففيها تبيع ومسنة . وروي ذلك عن إبراهيم وهي رواية غير مشهورة ، عن أبي حنيفة ، والمشهور عن أبي حنيفة : ليس في أقل من ثلاثين من البقر صدقة فإذا كانت ثلاثين سائمة وحال عليها الحول ففيها تبيع أو تبيعة وهي التي طعنت في الثالثة ، فإذا زادت على أربعين ففي الزيادة بقدر ذلك إلى ستين عند أبي حنيفة ففي الواحدة الزائدة ربع عشر مسنة ، وفي الستين نصف عشر مسنة ، وقال أبو يوسف ومحمد : لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان ، وهي رواية عن أبي حنيفة وفي سبعين مسنة وتبيع وفي ثمانين مسنتان وفي تسعين ثلاثة أتبعة وفي المائة تبيعان ومسنة ، وعلى هذا يتغير الفرض في كل عشرة من تبيع إلى مسنة ، ومذهبنا مذهب علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري والشعبي وطاوس وشهر بن حوشب وعمر بن عبد العزيز والحسن ومالك والشافعي وأحمد .