13 - بَاب ذَاتُ عِرْقٍ لِأهْلِ الْعِرَاقِ 1531 - حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا ، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا . قَالَ : فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ . فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ ذَاتِ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ) هِيَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ عِرْقًا ؛ وَهُوَ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ تُنْبِتُ الطَّرْفَاءَ ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ ، وَالْمَسَافَةُ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا ، وَهُوَ الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ . قَوْلُهُ : ( لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ فُتِحَ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : لَمَّا فَتَحَ هَذَيْنِ الْمِصْرَيْنِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالتَّاءِ عَلَى حَذْفِ الْفَاعِلِ ، وَالتَّقْدِيرُ : لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ . وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ . وَأَمَّا ابْنُ مَالِكٍ فَقَالَ : تَنَازَعَ فَتَحَ وَ أَتَوْا ، وَهُوَ عَلَى إِعْمَالِ الثَّانِي وَإِسْنَادِ الْأَوَّلِ إِلَى ضَمِيرِ عُمَرَ . وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مُخْتَصَرًا ، وَزَادَ فِي الْإِسْنَادِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ حَدَّ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ . وَالْمِصْرَانِ تَثْنِيَةُ مِصْرَ ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الْكُوفَةُ وَالْبَصْرَةُ ، وَهُمَا سُرَّتَا الْعِرَاقِ . وَالْمُرَادُ بِفَتْحِهِمَا غَلَبَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَكَانِ أَرْضِهِمَا ، وَإِلَّا فَهُمَا مِنْ تَمْصِيرِ الْمُسْلِمِينَ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ جَوْرٌ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا رَاءٌ ؛ أَيْ مَيْلٌ . وَالْجَوْرُ الْمَيْلُ عَنِ الْقَصْدِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمِنْهَا جَائِرٌ قَوْلُهُ : ( فَانْظُرُوا حَذْوَهَا ) ؛ أَيِ اعْتَبِرُوا مَا يُقَابِلُ الْمِيقَاتَ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي تَسْلُكُونَهَا مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ فَاجْعَلُوهُ مِيقَاتًا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ عُمَرَ حَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ ، وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ : لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ شَيْئًا ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ بِحِيَالِ قَرْنٍ ذَاتَ عِرْقٍ . وَرَوَى أَحْمَدُ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الْمَوَاقِيتِ وَزَادَ فِيهِ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَآثَرَ النَّاسُ ذَاتَ عِرْقٍ عَلَى قَرْنٍ . وَلَهُ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ صَدَقَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الْمَوَاقِيتِ ؛ قَالَ : فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ : فَأَيْنَ الْعِرَاقُ ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ عِرَاقٌ . وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَامِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ ، وَوَقَعَ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ قَرْنًا . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : قَالَ لِي بَعْضُهُمْ : إِنَّ مَالِكًا مَحَاهُ مِنْ كِتَابِهِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ . قُلْتُ : وَالْإِسْنَادُ إِلَيْهِ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ ، وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَحَدِيثُ الْبَابِ يَرُدُّهُ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ قَالَ : لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ عِرْقٍ ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَقَالَ فِي الْأُمِّ : لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَدَّ ذَاتَ عِرْقٍ ، وَإِنَّمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسَ . وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِيقَاتَ ذَاتِ عِرْقٍ لَيْسَ مَنْصُوصًا ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ ، وَالرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِمَالِكٍ ، وَصَحَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَالرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ مَنْصُوصٌ ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِلَّا أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي رَفْعِهِ ؛ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَسْأَلُ عَنِ الْمُهَلِّ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ - أَحْسِبُهُ رُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَهُ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ بِلَفْظِ : فَقَالَ : سَمِعْتُ ، أَحْسَبُهُ يُرِيدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَابنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ ؛ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، فَلَمْ يَشُكَّا فِي رَفْعِهِ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو السَّهْمِيِّ كِلَاهُمَا عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا ، فَلَعَلَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ لَمْ يَبْلُغْهُ أَوْ رَأَى ضَعْفَ الْحَدِيثِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ لَا يَخْلُو عَنْ مَقَالٍ ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : رُوِيَتْ فِي ذَاتِ عِرْقٍ أَخْبَارٌ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَمْ نَجِدْ فِي ذَاتِ عِرْقٍ حَدِيثًا ثَابِتًا ، انْتَهَى . لَكِنَّ الْحَدِيثَ بِمَجْمُوعِ الطُّرُقِ يَقْوَى كَمَا ذَكَرْنَا ، وَأَمَّا إِعْلَالُ مَنْ أَعَلَّهُ بِأَنَّ الْعِرَاقَ لَمْ تَكُنْ فُتِحَتْ يَوْمَئِذٍ ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هِيَ غَفْلَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ لِأَهْلِ النَّوَاحِي قَبْلَ الْفُتُوحِ ، لَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا سَتُفْتَحُ ، فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ ، انْتَهَى . وَبِهَذَا أَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ ، لَكِنْ يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ مِنْ قَالَ لَمْ يَكُنِ الْعِرَاقُ يَوْمَئِذٍ ؛ أَيْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ نَاسٌ مُسْلِمُونَ ، وَالسَّبَبُ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى الْحَدِيثَ بِلَفْظِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ ؟ فَأَجَابَهُ . وَكُلُّ جِهَةٍ عَيَّنَهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ مِنْ قِبَلِهَا نَاسٌ مُسْلِمُونَ بِخِلَافِ الْمَشْرِقِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ ، فَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ بِأَجْوِبَةٍ ، مِنْهَا أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ مِيقَاتُ الْوُجُوبِ ، وَالْعَقِيقَ مِيقَاتُ الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ . وَمِنْهَا أَنَّ الْعَقِيقَ مِيقَاتٌ لِبَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُمْ أَهْلُ الْمَدَائِنِ ، وَالْآخَرُ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ لِأَنَسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَمِنْهَا أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ كَانَتْ أَوَّلًا فِي مَوْضِعِ الْعَقِيقِ الْآنَ ثُمَّ حُوِّلَتْ وَقُرِّبَتْ إِلَى مَكَّةَ ، فَعَلَى هَذَا فَذَاتُ عِرْقٍ وَالْعَقِيقُ شَيْءٌ وَاحِدٌ ، وَيَتَعَيَّنُ الْإِحْرَامُ مِنَ الْعَقِيقِ ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ ، وَإِنَّمَا قَالُوا : يُسْتَحَبُّ احْتِيَاطًا . وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ كَانَ يُحْرِمُ مِنَ الرَّبَذَةِ ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَخُصَيْفٌ الْجَزَرِيُّ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَهُوَ أَشْبَهُ فِي النَّظَرِ إِنْ كَانَتْ ذَاتُ عِرْقٍ غَيْرَ مَنْصُوصَةٍ ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تُحَاذِي ذَا الْحُلَيْفَةِ ، وَذَاتُ عِرْقٍ بَعْدَهَا ، وَالْحُكْمُ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ مِيقَاتٍ يُحَاذِيهِ ، لَكِنْ لَمَّا سَنَّ عُمَرُ ذَاتَ عِرْقٍ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ كَانَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إِذَا حَاذَى مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا مُحِيطَةٌ بِالْحَرَمِ ، فَذُو الْحُلَيْفَةِ شَامِيَّةٌ ، وَيَلَمْلَمُ يَمَانِيَةٌ ، فَهِيَ مُقَابِلُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أَقْرَبَ إِلَى مَكَّةَ مِنَ الْأُخْرَى ، وَقَرْنٌ شَرْقِيَّةٌ ، وَالْجُحْفَةُ غَرْبِيَّةٌ ، فَهِيَ مُقَابِلُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا كَذَلِكَ ، وَذَاتُ عِرْقٍ تُحَاذِي قَرْنًا ، فَعَلَى هَذَا فَلَا تَخْلُو بُقْعَةٌ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ تُحَاذِيَ مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ ، فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ وَلَا يُحَاذِي مِيقَاتًا هَلْ يُحْرِمُ مِنْ مِقْدَارٍ أَبْعَدَ مِنَ الْمَوَاقِيتِ أَوْ أَقْرَبَهَا ؟ ثُمَّ حَكَى فِيهِ خِلَافًا ، وَالْفَرْضُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَا تَتَحَقَّقُ لِمَا قُلْتُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِلُهُ فَرَضَهُ فِيمَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْمُحَاذَاةِ كَمَنْ يَجْهَلُهَا ، وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ اعْتِبَارًا بِقَوْلِ عُمَرَ هَذَا فِي تَوْقِيتِهِ ذَاتَ عِرْقِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا حَدَّهَا لِأَنَّهَا تُحَاذِي قَرْنًا ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ إِنَّمَا هِيَ حَيْثُ يَجْهَلُ الْمُحَاذَاةَ ، فَلَعَلَّ الْقَائِلَ بِالْمَرْحَلَتَيْنِ أَخَذَ بِالْأَقَلِّ ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، لَكِنَّ مُقْتَضَى الْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ أَنْ يُعْتَبَرَ الْأَكْثَرُ الْأَبْعَدُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ عَنْ يَمِينِ الْكَعْبَةِ وَبَيْنَ مَنْ عَنْ شِمَالِهَا ؛ لِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ الَّتِي عَنْ يَمِينِهَا أَقْرَبُ مِنَ الَّتِي عَنْ شِمَالِهَا ، فَيُقَدَّرُ لِلْيَمِينِ الْأَقْرَبُ وَلِلشِّمَالِ الْأَبْعَدُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ إِنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْمُحَاذَاةِ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ لَيْسَ لَهُ أَمَامَهُ مِيقَاتٌ مُعَيَّنٌ ، فَأَمَّا مَنْ لَهُ مِيقَاتٌ مُعَيَّنٌ كَالْمِصْرِيِّ مَثَلًا يَمُرُّ بِبَدْرٍ وَهِيَ تُحَاذِي ذَا الْحُلَيْفَةِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهَا ، بَلْ لَهُ التَّأْخِيرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْجُحْفَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهٌ ) : الْعَقِيقُ الْمَذْكُورُ هُنَا وَادٍ يَتَدَفَّقُ مَاؤُهُ فِي غَوْرَيْ تِهَامَةَ ، وَهُوَ غَيْرُ الْعَقِيقِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ بَابَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب ذَاتُ عِرْقٍ لِأهْلِ الْعِرَاق · ص 455 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ذات عرق لأهل العراق · ص 144 ( باب ذات عرق لأهل العراق ) يجوز في باب الإضافة والقطع ، أما الأول : فتقديره هذا باب في بيان أن ذات عرق مهل أهل العراق ، وأما تقدير الثاني : هذا باب يذكر فيه ذات عرق لأهل العراق ، وذات عرق بكسر العين ، وقد فسرناها في باب ميقات أهل المدينة سمي بذلك ؛ لأن فيه عرقا ، وهو الجبل الصغير ، وهي أرض سبخة تنبت الطرفاء ، وقال الكرماني في مناسكه : ذات عرق أول بلاد تهامة ، ودونها بميلين ونصف مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي لبني هلال بن عامر بن صعصعة ، وبها بركة تعرف بقصر الوصيف ، وبها من الآبار الكبار ثلاثة آبار ، وآبار صغار كثيرون ، وبقربه قبر أبي رغال ، وبالقرب منها بستان منه إلى مكة ثمانية عشر ميلا ، وفي ( الموعب ) لابن التياني : العراق الذي يجعل على ملتقى طرفي الجلد إذا خرز في أسفل القربة ، وبه سمي العراق ؛ لأنه بين البر والريف ، وقال الجوهري : العراق بلاد تذكر ، وتؤنث ، ويقال هو فارسي معرب ، وزعم ابن حوقل في ( كتاب البلدان ) تأليفه أن حد العراق من تكريت إلى عبادان وعرضه من القادسية إلى الكوفة ، وبغداد إلى حلوان وعرضه بنواحي واسط من سواد واسط إلى قريب الطيب ، وبنواحي البصرة من البصرة إلى حدود جيء ، والذي يطيف بحدوده من تكريت فيما يلي المشرق حتى يجوز بحدوده شهر زور ، ثم يمر على حدود حلوان ، وحدود السير وان ، والضميرة ، والطيب ، والسوس حتى ينتهي إلى حدود جيء ، ثم إلى البحر ، فيكون في هذا الحد من تكريت إلى البحر تقويس ، ويرجع على حد الغرب من وراء البصرة في البادية على سواد البصرة ، وبطائحها إلى واسط ، ثم على سواد الكوفة ، وبطائحها إلى الكوفة ، ثم على ظهر الفرات إلى الأنبار ، ثم من الأنبار إلى حد تكريت بين دجلة والفرات من هذا الحد من البحر على الأنبار إلى تكريت تقويس أيضا ، فهذا المحيط بحدود العراق ، وهو من تكريت إلى البحر مما يلي المشرق على تقويسه نحو شهر ، ومن البحر راجعا في حد المغرب على تقويسه إلى تكريت بنحو شهر أيضا ، وعرضه على سمت بغداد من حلوان إلى القادسية إحدى عشرة مرحلة ، وعلى قسمه سر من رأى من دجلة إلى شهر زور ، والجبل نحو خمس مراحل ، والعرض بواسط إلى نواحي خورستان نحو أربع مراحل . 127 - حدثني علي بن مسلم ، قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، قال : حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا ، وهو جور عن طريقنا ، وإنا إن أردنا قرنا شق علينا ، قال : فانظروا حذوها من طريقكم ، فحد لهم ذات عرق . مطابقته للترجمة في قوله : فحد لهم ذات عرق . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة ، الأول : علي بن مسلم بلفظ اسم الفاعل من الإسلام ابن سعيد أبو الحسن ، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين . الثاني : عبد الله بن نمير بضم النون ، وفتح الميم مصغر نمر ، مر في أول باب التيمم . الثالث : عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أبو عثمان القرشي العدوي . الرابع : نافع مولى ابن عمر . الخامس : عبد الله بن عمر بن الخطاب . السادس : عمر بن الخطاب أمير المؤمنين . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد ، وبصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وأنه طوسي سكن بغداد ، وعبد الله بن نمير كوفي ، وعبيد الله ونافع مدنيان . ( ذكر معناه ) : قوله : ( لما فتح هذان المصران ) فتح في رواية الأكثرين بضم الفاء على بناء ما لم يسم فاعله ، وفي رواية الكشميهني بفتح الفاء على البناء للفاعل ، وهذين المصرين مفعوله ، وطوى ذكر الفاعل للعلم به ، والتقدير : لما فتح الله هذين المصرين ، وكذا ثبت في رواية أبي نعيم في ( المستخرج ) ، وبه جزم القاضي عياض ، وقال ابن مالك : تنازع فيه الفعلان ، وهما فتح وأتوا ، وأعمل الثاني ، والمصران تثنية مصر ، وأراد بهما البصرة ، والكوفة ، ( فإن قلت ) : هما من تمصير المسلمين ، وبنيتا في أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، أما الكوفة ، فإنها بنيت سنة أربع عشرة ، وأما البصرة ، فكذلك مدينة إسلامية بنيت في أيام عمر بن الخطاب في سنة سبع عشرة ، وكيف يقال لما فتح هذان المصران ، ( قلت ) : المراد بفتحهما غلبة المسلمين على مكان أرضهما ، وبين البصرة ، والكوفة ثمانون فرسخا ، وليس فيها مزدرع على المطر أصلا لكثرة أنهارها ، والكوفة على ذراع من الفرات خارج جانبي الفرات وغربيها . قوله : ( وهو جور ) بفتح الجيم ، وسكون الواو ، وفي آخر راء ، أي : ميل ، والجور الميل عن القصد . قوله : ( فانظروا حذوها ) بفتح الحاء المهملة ، وسكون الذال المعجمة ، وفتح الواو بمعنى الحذاء ، والمعنى اعتبروا ما يقابل من الأرض التي تسلكونها من غير ميل فاجعلوها ميقاتا . قوله : ( فحد لهم ) ، أي : حد ذات عرق لهم ، أي : لهؤلاء الذين سألوا . ( ذكر ما يستفاد منه ) : احتج به طاوس ، وابن سيرين ، وجابر بن زيد على أن أهل العراق لا وقت لهم كوقت سائر البلدان ، وإنما يهلون من الميقات الذي يأتون عليه من المواقيت المذكورة ، وقال ابن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على القول بظاهر حديث ابن عمر ، واختلفوا فيما يفعل من مر بذات عرق ، فثبت أن عمر رضي الله تعالى عنه وقته لأهل العراق ، ولا يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ( قلت ) : والصحيح الذي عليه الإثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وقته على حسب ما علمه بالوحي من فتح البلدان ، والأقطار لأمته ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( زويت لي الأرض ، فأريت مشارقها ومغاربها ) ، وقال جمهور العلماء من التابعين ، ومن بعدهم ، وأبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : إن ميقات أهل العراق ذات عرق ، إلا أن الشافعي استحب أن يحرم العراقي من العقيق الذي بحذاء ذات عرق ، وقال في ( الأم ) : لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حد ذات عرق ، وإنما أجمع عليه الناس ، وهذا يدل على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصا عليه ، وبه قطع الغزالي ، والرافعي في ( شرح المسند ) ، والنووي في شرح مسلم ، وكذا وقع في المدونة لمالك رضي الله تعالى عنه ، ( قلت ) : صححت الحنفية ، والحنابلة ، وجمهور الشافعية ، والرافعي في ( الشرح الصغير ) ، والنووي في ( شرح المهذب ) أنه منصوص عليه ، واحتجوا على ذلك بما رواه الطحاوي ، حدثنا محمد بن علي بن داود ، قال : حدثنا خالد بن يزيد ، وهشام بن بهرام المدائني قالا : حدثنا المعافى بن عمران ، عن أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام ومصر الجحفة ، ولأهل العراق ذات عرق ، ولأهل اليمن يلملم ، وأخرجه النسائي أخبرنا عمرو بن منصور ، قال : حدثنا هشام بن بهرام إلى آخره ، وبحديث جابر أخرجه مسلم ، وفيه مهل أهل العراق ذات عرق ، وأخرجه الطحاوي أيضا ، ولفظه ولأهل العراق ذات عرق ، وأخرج الطحاوي أيضا من حديث أنس بن مالك أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل اليمن يلملم ، ولأهل البصرة ذات عرق ، ولأهل المدائن العقيق ، وأخرجه الطبراني أيضا ، ثم قال الطحاوي : فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآثار من وقت أهل العراق ، كما ثبت من وقت من سواهم ، وقال ابن المنذر : اختلفوا في المكان الذي يحرم من أتى من العراق على ذات عرق ، فكان أنس يحرم من العقيق ، واستحب ذلك الشافعي ، وكان مالك وإسحاق ، وأحمد وأبو ثور ، وأصحاب الرأي يرون الإحرام من ذات عرق ، وقال أبو بكر : الإحرام من ذات عرق يجزئ ، وهو من العقيق أحوط ، وقد كان الحسن بن صالح يحرم من الربذة ، وروي ذلك عن خصيف ، والقاسم بن عبد الرحمن ، والعقيق بفتح العين المهملة ، وكسر القاف ، قال البكري : على وزن فعيل عقيقان عقيق بني عقيل على مقربة من عقيق المدينة الذي بقرب البقيع على ليلتين من المدينة ، وقال ياقوت : العقيق عشرة مواضع ، وعقيقا المدينة أشهرها ، وأكثر ما يذكر في الأشعار ، فإياهما ، وقال الحسن بن محمد المهلبي : بين العقيق والمدينة أربعة أميال ، وعن الأصمعي : الأعقة الأودية ، وفي التلويح ، حدثنا عبد الله بن عروة ، حدثنا زهير بن محمد العابد ، حدثني أبو عاصم ، عن سفيان ، عن يزيد ، عن محمد بن علي ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق بطن العقيق ، قال أبو منصور : أراد العقيق الذي بحذاء ذات عرق .