9 - بَاب مَا يَقُولُ عِنْدَ الْخَلَاءِ 142 - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ . تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَقَالَ غُنْدَرٌ : عَنْ شُعْبَةَ : إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ . وَقَالَ مُوسَى ، عَنْ حَمَّادٍ : إِذَا دَخَلَ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ : إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الْخَلَاءِ ) أَيْ : عِنْدَ إِرَادَةِ الدُّخُولِ فِي الْخَلَاءِ إِنْ كَانَ مُعَدًّا لِذَلِكَ ، وَإِلَّا فَلَا تَقْدِيرَ . ( تَنْبِيهٌ ) : أَشْكَلَ إِدْخَالُ هَذَا الْبَابِ وَالْأَبْوَابِ الَّتِي بَعْدَهُ إِلَى بَابِ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً ; لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي أَبْوَابِ الْوُضُوءِ فَذَكَرَ مِنْهَا فَرْضَهُ وَشَرْطَهُ وَفَضِيلَتَهُ وَجَوَازَ تَخْفِيفِهِ وَاسْتِحْبَابَ إِسْبَاغِهِ ، ثُمَّ غَسْلَ الْوَجْهِ ، ثُمَّ التَّسْمِيَةَ ، وَلَا أَثَرَ لِتَأْخِيرِهَا عَنْ غَسْلِ الْوَجْهِ ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا مُقَارَنَةُ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ ، فَتَقْدِيمُهَا فِي الذِّكْرِ عَنْهُ وَتَأْخِيرُهَا سَوَاءٌ ، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْدَهَا الْقَوْلَ عِنْدَ الْخَلَاءِ ، وَاسْتَمَرَّ فِي ذِكْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِنْجَاءِ ، ثُمَّ رَجَعَ فَذَكَرَ الْوُضُوءَ مَرَّةً مَرَّةً ، وَقَدْ خَفِيَ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ عَلَى الْكِرْمَانِيِّ فَاسْتَرْوَحَ قَائِلًا : مَا وَجْهُ التَّرْتِيبِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَبْوَابِ مَعَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ إِنَّمَا هِيَ قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ لَا بَعْدَهُ ، ثُمَّ تَوْسِيطِ أَبْوَابِ الْخَلَاءِ بَيْنَ أَبْوَابِ الْوُضُوءِ ؟ وَأَجَابَ بِقَوْلِهِ : قُلْتُ : الْبُخَارِيُّ لَا يُرَاعِي حُسْنَ التَّرْتِيبِ ، وَجُمْلَةُ قَصْدِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي نَقْلِ الْحَدِيثِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِصَحِيحِهِ لَا غَيْرُ ، انْتَهَى . وَقَدْ أَبْطَلَ هَذَا الْجَوَابَ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ فَقَالَ لَمَّا نَاقَشَ الْبُخَارِيَّ فِي أَشْيَاءَ ذَكَرَهَا مِنْ تَفْسِيرِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ بِمَا مَعْنَاهُ : لَوْ تَرَكَ الْبُخَارِيُّ هَذَا لَكَانَ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَوْضُوعِ كِتَابِهِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ ، إِذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ تَوْجِيُهُ مَا يَقُولُهُ الْبُخَارِيُّ ، مَعَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ فِي جَمِيعِ مَا يُورِدُهُ مِنْ تَفْسِيرِ الْغَرِيبِ إِنَّمَا يَنْقُلُهُ عَنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْفَنِّ كَأَبِي عُبَيْدَةَ ، وَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ ، وَالْفَرَّاءِ وَغَيْرِهِمْ ، وَأَمَّا الْمَبَاحِثُ الْفِقْهِيَّةُ فَغَالِبُهَا مُسْتَمَدَّةٌ لَهُ مِنَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَمْثَالِهِمَا ، وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْكَلَامِيَّةُ فَأَكْثَرُهَا مِنَ الْكَرَابِيسِيِّ ، وَابْنِ كِلَابٍ وَنَحْوِهِمَا . وَالْعَجَبُ مِنْ دَعْوَى الْكِرْمَانِيِّ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ تَحْسِينَ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْأَبْوَابِ ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ عَلَى الْأَبْوَابِ مَنِ اعْتَنَى بِذَلِكَ غَيْرَهُ ، حَتَّى قَالَ جَمْعٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ : فِقْهُ الْبُخَارِيِّ فِي تَرَاجِمِهِ . وَقَدْ أَبْدَيْتُ فِي هَذَا الشَّرْحِ مِنْ مَحَاسِنِهِ وَتَدْقِيقِهِ فِي ذَلِكَ مَا لَا خَفَاءَ بِهِ ، وَقَدْ أَمْعَنْتُ النَّظَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَوَجَدْتُهُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ يَظُنُّ النَّاظِرُ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَنِ بِتَرْتِيبِهِ كَمَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ ; لَكِنَّهُ اعْتَنَى بِتَرْتِيبِ كِتَابِ الصَّلَاةِ اعْتِنَاءً تَامًّا كَمَا سَأَذْكُرُهُ هُنَاكَ ، وَقَدْ يُتَلَمَّحُ أَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا فَرْضَ الْوُضُوءِ كَمَا ذَكَرْتُ ، وَأَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ ، ثَمَّ فَضْلَهُ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا مَعَ التَّيَقُّنِ ، وَأَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهِ عَلَى إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى الْعُضْوِ لَيْسَ بِشَرْطٍ ، وَأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْإِسْبَاغِ فَضْلٌ ، وَمِنْ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ فِي غَسْلِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَأَنَّ التَّسْمِيَةَ مَعَ أَوَّلِهِ مَشْرُوعَةٌ كَمَا يُشْرَعُ الذِّكْرُ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ ، فَاسْتَطْرَدَ مِنْ هُنَا لِآدَابِ الِاسْتِنْجَاءِ وَشَرَائِطِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ لِبَيَانِ أَنَّ وَاجِبَ الْوُضُوءِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ وَأَنَّ الثِّنْتَيْنِ وَالثَّلَاثِ سُنَّةٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ سُنَّةَ الِاسْتِنْثَارِ إِشَارَةً إِلَى الِابْتِدَاءِ بِتَنْظِيفِ الْبَوَاطِنِ قَبْلَ الظَّوَاهِرِ ، وَوَرَدَ الْأَمْرُ بِالِاسْتِجْمَارِ وِتْرًا فِي حَدِيثِ الِاسْتِنْثَارِ فَتَرْجَمَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ التَّنَظُّفِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حُكْمِ التَّخْفِيفِ فَتَرْجَمَ بِغَسْلِ الْقَدَمَيْنِ لَا بِمَسْحِ الْخُفَّيْنِ ؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ التَّخْفِيفَ لَا يَكْفِي فِيهِ الْمَسْحُ دُونَ مُسَمَّى الْغَسْلِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَضْمَضَةِ لِأَنَّهَا أُخْتُ الِاسْتِنْشَاقِ ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ بِغَسْلِ الْعَقِبَيْنِ ؛ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهُمَا لَا يَدْخُلَانِ فِي مُسَمَّى الْقَدَمِ ، وَذَكَرَ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ ؛ رَدًّا عَلَى مَنْ قَصَّرَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَاقْتَصَرَ عَلَى النَّعْلَيْنِ عَلَى مَا سَأُبَيِّنُهُ . ثُمَّ ذَكَرَ فَضْلَ الِابْتِدَاءِ بِالْيَمِينِ ، وَمَتَى يَجِبُ طَلَبُ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ ، ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ الْمَاءِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ وَمَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ . ثُمَّ ذَكَرَ الِاسْتِعَانَةَ فِي الْوُضُوءِ ، ثُمَّ مَا يَمْتَنِعُ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِذَا ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ اسْتَطْرَدَ مِنْهُ إِلَى مَا لَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ لِمَنْ يُمْعِنُ التَّأَمُّلَ ، إِلَى أَنْ أَكْمَلَ كِتَابَ الْوُضُوءِ عَلَى ذَلِكَ . وَسَلَكَ فِي تَرْتِيبِ الصَّلَاةِ أَسْهَلَ مِنْ هَذَا الْمَسْلَكِ ، فَأَوْرَدَ أَبْوَابَهَا ظَاهِرَةَ التَّنَاسُبِ فِي التَّرْتِيبِ ، فَكَأَنَّهُ تَفَنَّنَ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( الْخُبُثِ ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ كَذَا فِي الرِّوَايَةِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ إِسْكَانُ الْمُوَحَّدَةِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ مِمَّا جَاءَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَكُتُبٍ وَكُتْبٍ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِأَنَّ الْبَاءَ هُنَا سَاكِنَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ تَرْكَ التَّخْفِيفِ أَوْلَى لِئَلَّا يَشْتَبِهَ بِالْمَصْدَرِ ، وَالْخُبْثُ جَمْعُ خَبِيثٍ ، وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ ، يُرِيدُ ذُكْرَانَ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثَهُمْ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - وَيُقَالُ الْخُبْثُ أَيْ بِإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ مُخَفَّفَةً عَنِ الْمُحَرَّكَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْمُفْرَدِ فَمَعْنَاهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الْمَكْرُوهُ ، قَالَ : فَإِنْ كَانَ مِنَ الْكَلَامِ فَهُوَ الشَّتْمُ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمِلَلِ فَهُوَ الْكُفْرُ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الطَّعَامِ فَهُوَ الْحَرَامُ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الشَّرَابِ فَهُوَ الضَّارُّ ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْخَبَائِثِ الْمَعَاصِي أَوْ مُطْلَقُ الْأَفْعَالِ الْمَذْمُومَةِ لِيَحْصُلَ التَّنَاسُبُ ; وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبِيثِ ، أَوِ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ ؛ هَكَذَا عَلَى الشَّكِّ ، الْأَوَّلُ بِالْإِسْكَانِ مَعَ الْإِفْرَادِ ، وَالثَّانِي بِالتَّحْرِيكِ مَعَ الْجَمْعِ ، أَيْ : مِنَ الشَّيْءِ الْمَكْرُوهِ وَمِنَ الشَّيْءِ الْمَذْمُومِ ، أَوْ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثِهِمْ . وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَعِيذُ إِظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّةِ ، وَيَجْهَرُ بِهَا لِلتَّعْلِيمِ . وَقَدْ رَوَى الْعُمَرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ بِلَفْظِ الْأَمْرِ قَالَ : إِذَا دَخَلْتُمُ الْخَلَاءَ فَقُولُوا : بِاسْمِ اللَّهِ ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ . وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَفِيهِ زِيَادَةُ التَّسْمِيَةِ وَلَمْ أَرَهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ ) اسْمُهُ مُحَمَّدٌ ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الدَّعَوَاتِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غُنْدَرٌ ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارِ بُنْدَارٍ ، عَنْ غُنْدَرٍ بِلَفْظِهِ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، عَنْ غُنْدَرٍ بِلَفْظِ إِذَا دَخَلَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُوسَى ) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ حَمَّادٍ ) هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ يَعْنِي عن عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ صُهَيْبٍ ، وَطَرِيقُ مُوسَى هَذِهِ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ) هُوَ أَخُو حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَرِوَايَتُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَنَسٌ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ قَالَ . . فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ الْبَابِ ، وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَبْيِينَ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ : إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ أَيْ : كَانَ يَقُولُ هَذَا الذِّكْرَ عِنْدَ إِرَادَةِ الدُّخُولِ لَا بَعْدَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا فِي الْأَمْكِنَةِ الْمُعَدَّةِ لِذَلِكَ بِقَرِينَةِ الدُّخُولِ ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : رِوَايَةُ إِذَا أَتَى أَعَمُّ لِشُمُولِهَا ، انْتَهَى . وَالْكَلَامُ هُنَا فِي مَقَامَيْنِ : أَحَدُهُمَا : هَلْ يَخْتَصُّ هَذَا الذِّكْرُ بِالْأَمْكِنَةِ الْمُعَدَّةِ لِذَلِكَ لِكَوْنِهَا تَحْضُرُهَا الشَّيَاطِينُ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي السُّنَنِ ، أَوْ يَشْمَلُ حَتَّى لَوْ بَالَ فِي إِنَاءٍ مَثَلًا فِي جَانِبِ الْبَيْتِ ؟ الْأَصَحُّ الثَّانِي مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ . الْمَقَامُ الثَّانِي : مَتَى يَقُولُ ذَلِكَ ؟ فَمَنْ يَكْرَهُ ذِكْرَ اللَّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يُفَصِّلُ : أَمَّا فِي الْأَمْكِنَةِ الْمُعَدَّةِ لِذَلِكَ فَيَقُولُهُ قُبَيْلَ دُخُولِهَا ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَيَقُولُهُ فِي أَوَّلِ الشُّرُوعِ كَتَشْمِيرِ ثِيَابِهِ مَثَلًا وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالُوا فِيمَنْ نَسِيَ : يَسْتَعِيذُ بِقَلْبِهِ لَا بِلِسَانِهِ . وَمَنْ يُجِيزُ مُطْلَقًا كَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ . ( تَنْبِيهٌ ) : سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ الَّذِي أَتَى بِالرِّوَايَةِ الْمُبَيِّنَةِ صَدُوقٌ تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ فِي حِفْظِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ الْمُعَلَّقِ ، لَكِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَذَا اللَّفْظِ ، فَقَدْ رَوَاهُ مُسَدَّدٌ ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلَهُ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يَقُولُ عِنْدَ الْخَلَاءِ · ص 292 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يقول عند الخلاء · ص 269 باب ما يقول عند الخلاء أي : هذا باب في بيان ما يقول الشخص عند إرادة دخول الخلاء ، وهو بفتح الخاء وبالمد موضع قضاء الحاجة ، سمي بذلك لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة ، وهو الكنيف والحش والمرفق والمرحاض أيضا ، وأصله المكان الخالي ، ثم كثر استعماله حتى تجوز به عن ذلك ، وأما الخلا بالقصر فهو الحشيش الرطب والكلأ الخشن أيضا ، وقد يكون خلا مستعملا في باب الاستنجاء ؛ فإن كسرت الخاء مع المد فهو عيب في الإبل كالحران في الخيل ، وقال الجوهري : الخلاء ممدود المتوضئ ، والخلاء أيضا المكان الذي لا شيء به . قلت : كل منهما يصح أن يكون مرادا هاهنا ، ووجه المناسبة بين البابين ظاهر ؛ لأن في كل منهما بيان ذكر اسم الله تعالى . 8 - حدثنا آدم قال : حدثنا شعبة ، عن عبد العزيز بن صهيب قال : سمعت أنسا يقول : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الخلاء قال : اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) وهم أربعة تقدم ذكرهم وآدم ابن أبي إياس وصهيب ، بضم الصاد المهملة . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع ، ومنها أنه من رباعيات البخاري ، ومنها أن رواته ما بين بغدادي وواسطي وبصري . ( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الدعوات عن محمد بن عروة عن شعبة ، وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب كلاهما عن إسماعيل بن إبراهيم عن عبد العزيز به ، وأخرجه أبو داود أيضا في الطهارة عن الحسن بن عمرو عن وكيع عن شعبة ، وأخرجه الترمذي فيه أيضا عن قتيبة وهناد كلاهما عن وكيع به ، وأخرجه النسائي في الطهارة ، وفي البعوث عن إسحاق بن إبراهيم عن إسماعيل بن إبراهيم عنه به ، وأخرجه ابن ماجه عن عمرو بن رافع عن إسماعيل عنه به . ( بيان اللغات ) قوله : « أعوذ بك » أي : ألوذ وألتجئ من العوذ ، وهو عود إليه يلجأ الحشيش في مهب الريح ، وقال ابن الأثير : يقال عذت به عوذا وعياذا ومعاذا ، أي : لجأت إليه والمعاذ المصدر والمكان والزمان ، أي : لقد لجأت إلى ملجأ ولذت بملاذ . قوله : « من الخبث » قال الخطابي : بضم الخاء والباء جماعة الخبيث ، والخبائث جمع الخبيثة ، يريد ذكران الشياطين وإناثهم ، وعامة أصحاب الحديث يقولون : الخبث مسكنة الباء ، وهو غلط ، والصواب مضمومة الباء ، قال : وقال ذلك لأن الشياطين يحضرون الأخلية ، وهي مواضع يهجر فيها ذكر الله تعالى ، فقدم لها الاستعاذة احترازا منهم . انتهى ، وفيه نظر ؛ لأن أبا عبيد القاسم بن سلام حكى تسكين الباء ، وكذا الفارابي في ديوان الأدب ، والفارسي في مجمع الغرائب ، ولأن فعلا بضمتين قد يسكن عينه قياسا ككتب وكتب ، فلعل من سكنها سلك هذا المسلك . وقال التوربشتي : هذا مستفيض لا يسع أحدا مخالفته إلا أن يزعم أن ترك التخفيف فيه أولى لئلا يشتبه بالخبث الذي هو المصدر ، وفي شرح السنة : الخبث ، بضم الباء ، وبعضهم يروي بالسكون ، وقال : الخبث الكفر والخبائث الشياطين ، وقال ابن بطال : الخبث بالضم يعم الشر ، والخبائث الشياطين ، وبالسكون مصدر خبث الشيء يخبث خبثا ، وقد يجعل اسما ، وزعم ابن الأعرابي أن أصل الخبث في كلام العرب المكروه ؛ فإن كان من الكلام فهو الشتم ، وإن كان من الملل فهو الكفر ، وإن كان من الطعام فهو الحرام ، وإن كان من الشراب فهو الضار ، وقال ابن الأنباري وصاحب المنتهى : الخبث الكفر ، ويقال : الشيطان ، والخبائث المعاصي جمع خبيثة ، ويقال : الخبث خلاف طيب الفعل من فجور وغيره ، والخبائث الأفعال المذمومة والخصال الرديئة . ( بيان الإعراب ) قوله : « يقول » جملة في محل النصب على الحال ، قوله : « كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول » جملة وقعت مقول القول ، وقوله : « يقول » جملة في محل النصب على أنها خبر كان ، وكلمة إذا ظرف بمعنى حين ، والخلاء منصوب بتقدير في ؛ لأن تقديره : إذا دخل في الخلاء ، وهذا من قبيل قولهم : دخلت الدار ، وكان حقه أن يقال : دخلت في الدار إلا أنهم حذفوا حرف الجر اتساعا ، وأوصلوا الفعل إليه ونصبوه نصب المفعول به ، فمن هذا قول بعض الشارحين ، وانتصب الخلاء على أنه مفعول به لا على الظرفية غير صحيح ؛ اللهم إلا أن يذهب إلى ما قاله الجرمي من أنه فعل متعد نصب الدار ، نحو : بنيت الدار ، ولكن يدفعه قوله بأن مصدره يجيء على فعول ، وهو من مصادر الأفعال اللازمة نحو قعد قعودا وجلس جلوسا ولأن مقابله لازم نحو خرج . قلت : التعليل الثاني غير مطرد ؛ لأن ذهب لازم وما يقابله جاء وهو متعد كقوله تعالى أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ قوله : « اللهم » أصله : يا الله ، وقد ذكرناه ، قوله : « أعوذ بك » جملة في محل الرفع ؛ لأنها خبر إن ، وقوله : « من الخبث » يتعلق بأعوذ . ( بيان المعاني ) قوله : « كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول » ذكر لفظ كان لدلالته على الثبوت والدوام ، وذكر لفظ يقول بلفظ المضارع استحضارا لصورة القول ، قوله : « إذا دخل الخلاء » أي : إذا أراد دخول الخلاء ؛ لأن اسم الله تعالى مستحب الترك بعد الدخول ، وهذا التقدير مصرح به في رواية سعيد بن زيد على ما يأتي عن قريب ، وهذا كما في قوله تعالى ؛ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ والتقدير : إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله وذلك لأن الله تعالى إنما يذكر في الخلاء بالقلب لا باللسان . وقال القشيري : المراد به ابتداء الدخول . قلت : لا يحتاج إلى هذا التأويل ؛ فإن المكان الذي تقضى فيه الحاجة لا يخلو إما أن يكون معدا لذلك كالكنيف أو لا يكون معدا كالصحراء ؛ فإن لم يكن معدا فإنه يجوز ذكر الله تعالى في ذلك المكان ، وإن كان معدا ففيه خلاف للمالكية ، فمن كرهه أول الدخول بمعنى الإرادة ؛ لأن لفظة دخل أقوى في الدلالة على الكنف المبنية منها على المكان البراح ، أو لأنه بين في حديث آخر كما ذكرناه ، وفي قوله عليه الصلاة والسلام أيضا : إن هذه الحشوش محتضرة ، أي : للجان والشياطين ؛ فإذا أراد أحدكم الخلاء فليقل أعوذ بالله من الخبث والخبائث ، ومن أجازه استغنى عن هذا التأويل ، ويحمل دخل على حقيقتها . وهذا الحديث أخرجه أبو داود عن عمرو بن مرزوق ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن زيد بن أرقم ، عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ولفظه : فإذا أتى أحدكم الخلاء ، وأخرجه النسائي وابن ماجه أيضا ، وقال الترمذي : حديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب ، وأشار إلى اختلاف الرواية فيه ، وسأل الترمذي البخاري عنه فقال : لعل قتادة سمعه من القاسم بن عوف الشيباني والنضر بن أنس عن أنس ، ولم يقض فيه بشيء ، ولهذا أخرجه ابن خزيمة وابن حبان ، وقال البزار : اختلفوا في إسناده ، وقال الحاكم : مختلف فيه على قتادة ، وقد احتج مسلم بحديث لقتادة عن النضر عن زيد ، ورواه سعيد عن القاسم ، وكلا الإسنادين على شرط الصحيح ، وقال محمد الإشبيلي : اختلف في إسناده والذي أسنده ثقة . قلت : هذا الكلام غير جيد ؛ لأنه لم يرم بالإرسال حتى يكون الحكم لمن أسنده ، وإنما رمي بالاضطراب عن قتادة ، كما مر . ( بيان استنباط الأحكام ) : الأول : فيه الاستعاذة بالله عند إرادة الدخول في الخلاء ، وقد أجمع على استحبابها وسواء فيها البنيان والصحراء ؛ لأنه يصير مأوى لهم بخروج الخارج ، فلو نسى التعوذ فدخل ، فذهب ابن عباس وغيره إلى كراهة التعوذ ، وأجازه جماعة منهم ابن عمر رضي الله تعالى عنهما . الثاني : قال ابن بطال : فيه جواز ذكر الله تعالى على الخلاء ، وهذا مما اختلفت فيه الآثار فروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه أقبل من نحو بئر جمل ، فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه السلام حتى تيمم بالجدار ، واختلف في ذلك أيضا العلماء ، فروي عن ابن عباس أنه كره أن يذكر الله تعالى عند الخلاء ، وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي ، وقال عكرمة : لا يذكر الله فيه بلسانه ؛ بل بقلبه ، وأجاز ذلك جماعة من العلماء ، وروى ابن وهب أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يذكر الله تعالى في المرحاض ، وقال العرزمي : قلت للشعبي : أعطس وأنا في الخلاء ، أحمد الله ؟ قال : لا حتى تخرج ، فأتيت النخعي ، فسألته عن ذلك ، فقال لي : احمد الله ، فأخبرته بقول الشعبي ، فقال النخعي : الحمد يصعد ولا يهبط ، وهو قول ابن سيرين ومالك ، وقال ابن بطال ، وهذا الحديث حجة لمن أجاز ذلك . قلت : فيه نظر لا يخفى . وذكر البخاري في كتاب خلق الله تعالى أفعال العباد عن عطاء - رحمه الله - الخاتم فيه ذكر الله لا بأس أن يدخل به الإنسان الكنيف أو يلم بأهله وهو في يده لا بأس به ، وهو قول الحسن ، وذكر وكيع عن سعيد بن المسيب مثله ، قال البخاري : وقال طاوس في المنطقة يكون على الرجل فيها الدراهم يقضي حاجته : لا بأس بذلك ، وقال إبراهيم : لا بد للناس من نفقاتهم ، وأحب بعض الناس أن لا يدخل الخلاء بالخاتم فيه ذكر الله تعالى ، قال البخاري : وهذا من غير تحريم يصح ، وأما حديث بئر جمل فهو على الاختيار ، والأخذ بالاحتياط والفضل لأنه ليس من شرط رد السلام أن يكون على وضوء ، قاله الطحاوي . وقال الطبري : إن ذلك منه كان على وجه التأديب للمسلم عليه أن لا يسلم بعضهم على بعض على الحدث ، وذلك نظير نهيه ، وهم كذلك أن يحدث بعضهم بعضا بقوله لا يتحدث المتغوطان على طوفهما ، يعني حاجتهما ؛ فإن الله يمقت على ذلك ، وروى أبو عبيدة الباجي عن الحسن عن البراء رضي الله تعالى عنه أنه سلم على النبي - عليه الصلاة والسلام - وهو يتوضأ فلم يرد عليه شيئا حتى فرغ . الثالث : فيه أن لفظ الاستعاذة أن يقول : اللهم إني أعوذ بك ، وقد اختلف فيه ألفاظ الرواة . ففي رواية عن شعبة أعوذ بالله ، وفي رواية وهب فليتعوذ بالله ، وهو يشمل كل ما يأتي به من أنواع الاستعاذة من قوله أعوذ بك ، أستعيذ بك ، أعوذ بالله ، أستعيذ بالله ، اللهم إني أعوذ بك ، ونحو ذلك من أشباه ذلك . الرابع : فيه أن الاستعاذة من النبي - عليه الصلاة والسلام - إظهار للعبودية وتعليم للأمة وإلا فهو عليه الصلاة والسلام محفوظ من الجن والإنس ، وقد ربط عفريتا على سارية من سواري المسجد ، قالوا : ويستحب أن يقول باسم الله مع التعوذ ، وقد روى المعمري الحديث المذكور من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب إذا دخلتم الخلاء فقولوا باسم الله ، أعوذ بالله من الخبث والخبائث وإسناده على شرط مسلم ، وعن ابن عرعرة عن شعبة ، وقال غندر عن شعبة : إذا أتى الخلاء ، وقال موسى عن حماد : إذا دخل ، وقال سعيد بن زيد في كتاب ابن عدي : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الكنيف قال باسم الله ، ثم يقول : اللهم إني أعوذ بك قال رواه أبو معشر ، وهو ضعيف عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس ، وفي أفراد الدارقطني رواه عدي بن أبي عمارة عن قتادة عن أنس قال : وهو غريب من حديث قتادة ، تفرد به عدي عنه ، ورواه الطبراني في الأوسط من حديث صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عنه ، قال : لم يروه عن الزهري إلا صالح ، تفرد به إبراهيم بن حميد الطويل .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يقول عند الخلاء · ص 272 تابعه ابن عرعرة عن شعبة قال غندر عن شعبة : إذا أتى الخلاء ، وقال موسى عن حماد : إذا دخل ، وقال سعيد بن زيد : حدثنا عبد العزيز : إذا أراد أن يدخل . أي تابع آدم بن أبي إياس محمد بن عرعرة في روايته هذا الحديث عن شعبة ، كما رواه آدم والحاصل أن محمد بن عرعرة روى هذا الحديث عن شعبة ، كما رواه آدم عن شعبة ، وهذه هي المتابعة التامة ، وفائدتها التقوية ، وحديث محمد بن عرعرة عن شعبة أخرجه البخاري في الدعوات ، وقال : حدثنا محمد بن عرعرة ، حدثنا شعبة عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الخلاء قال : اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث . قوله : « وقال غندر عن شعبة » هذا التعليق وصله البزار في مسنده عن محمد بن بشار بندار عن غندر عن شعبة عنه بلفظه ، ورواه أحمد عن غندر بلفظ إذا دخل ، وغندر ، بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة على المشهور ، وبالراء ، ومعناه المشغب ، وهو لقب محمد بن جعفر البصري ربيب شعبة ، وقد مر في باب ظلم دون ظلم . قوله : « وقال موسى عن حماد إذا دخل » هذا التعليق وصله البيهقي باللفظ المذكور ، وموسى هو ابن إسماعيل التبوذكي ، وقد مر غير مرة ، وحماد هو ابن سلمة بن دينار أبو سلمة الربعي ، وكان يعد من الأبدال ، وعلامة الأبدال أن لا يولد لهم ، تزوج سبعين امرأة فلم يولد له ، وقيل : فضل حماد بن سلمة بن دينار على حماد بن زيد بن درهم كفضل الدينار على الدرهم ، مات سنة سبع وستين ومائة ، روى له الجماعة والبخاري متابعة ، وهذه المتابعة ناقصة لا تامة . قوله : « وقال سعيد بن زيد » إلى آخره هذا التعليق وصله البخاري في الأدب المفرد ، قال : حدثنا أبو النعمان قال : حدثنا سعيد بن زيد قال : حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال : حدثني أنس قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يدخل الخلاء قال : فذكر مثل حديث الباب ، وسعيد بن زيد بن درهم أبو الحسن الجهضمي البصري أخو حماد بن زيد بن درهم ، وبعضهم يضعفه ، روى له البخاري استشهادا ، مات سنة وفاة ابن سلمة . وهذا كما ترى اختلفت فيه ألفاظ الرواة ، والمعنى فيها متقارب يرجع إلى معنى واحد ، وهو أن التقدير : كان يقول هذا الذكر عند إرادة الدخول في الخلاء لا بعده ، وجاء لفظ الغائط مع موضع الخلاء على ما روى الإسماعيلي في معجمه بسند جيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل الغائط قال : أعوذ بالله من الخبث والخبائث ، وكذا جاء لفظ الكنيف ولفظ المرفق ، فالأول في حديث علي رضي الله تعالى عنه بسند صحيح ، وإن كان أبو عيسى قال : إسناده ليس بالقوى مرفوعا ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول باسم الله والثاني : في حديث أبي أمامة عند ابن ماجه مرفوعا لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول : اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ، وسنده ضعيف . فإن قلت : هل جاء شيء فيما يقول إذا خرج من الخلاء . قلت : ليس فيه شيء على شرط البخاري ، وروي عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من الغائط قال : غفرانك أخرجه ابن حبان وابن خزيمة وابن الجارود والحاكم في صحيحهم ، وقال أبو حاتم الرازي : هو أصح شيء في هذا الباب . فإن قلت : لما أخرجه الترمذي وأبو علي الطوسي قال : هذا حديث غريب حسن لا يعرف إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة ، ولا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة رضي الله تعالى عنها . قلت : قوله غريب مردود بما ذكرنا من تصحيحه ، ويمكن أن تكون الغرابة بالنسبة إلى الراوي لا إلى الحديث ؛ إذ الغرابة والحسن في المتن لا يجتمعان . فإن قلت : غرابة السند بتفرد إسرائيل ، وغرابة المتن لكونه لا يعرف غيره . قلت : إسرائيل متفق على إخراج حديثه عند الشيخين ، والثقة إذا انفرد بحديث ولم يتابع عليه لا ينقص عن درجة الحسن ، وإن لم يرتق إلى درجة الصحة ، وقولهما : لا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة ليس كذلك ؛ فإن فيه أحاديث وإن كانت ضعيفة ، منها حديث أنس رضي الله تعالى عنه ، رواه ابن ماجه ، قال : كان - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من الخلاء قال : الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ، ومنها حديث أبي ذر رضي الله عنه مثله ، أخرجه النسائي ، ومنها حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، أخرجه الدارقطني مرفوعا الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني ، وأمسك علي ما ينفعني ، ومنها حديث سهل بن أبي خيثمة نحوه ، وذكره ابن الجوزي في العلل ، ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا ، أخرجه الدارقطني الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى علي قوته وأذهب عني أذاه . فإن قلت : ما الحكمة في قول غفرانك إذا خرج من الخلاء . قلت : قد ذكروا فيه أوجها ، وأحسنها أنه إنما يستغفر من تركه ذكر الله تعالى مدة مكثه في الخلاء ، ويقرب منه ما قيل : إنه لشكر النعمة التي أنعم عليه بها إذا طعمه وهضمه ، فحق على من خرج سالما مما استعاذه منه أن يؤدي شكر النعمة في إعاذته وإجابة سؤاله وأن يستغفر الله تعالى خوفا أن لا يؤدي شكر تلك النعم .