13 - بَاب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْبَرَازِ 146 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ - وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ - فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْجُبْ نِسَاءَكَ ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي عِشَاءً ، وَكَانَتْ امْرَأَةً طَوِيلَةً ، فَنَادَاهَا عُمَرُ : أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْبَرَازِ ) أَيِ الْفَضَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ رَاءٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ زَايٌ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَقُولُونَهُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ، وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ الْبِرَازَ بِالْكَسْرِ هُوَ الْمُبَارَزَةُ فِي الْحَرْبِ . قُلْتُ : بَلْ هُوَ مُوَجَّهٌ لِأَنْ يُطْلَقُ بِالْكَسْرِ عَلَى نَفْسِ الْخَارِجِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْبِرَازُ الْمُبَارَزَةُ فِي الْحَرْبِ ، وَالْبِرَازُ أَيْضًا كِنَايَةٌ عَنْ تُفْلِ الْغِذَاءِ وَهُوَ الْغَائِطٌ ، وَالْبَرَازُ بِالْفَتْحِ الْفَضَاءُ الْوَاسِعُ . انْتَهَى . فَعَلَى هَذَا مَنْ فَتَحَ أَرَادَ الْفَضَاءَ ، فَإِنْ أَطْلَقَهُ عَلَى الْخَارِجِ فَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي الْغَائِطِ ، وَمَنْ كَسَرَ أَرَادَ نَفْسَ الْخَارِجِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ) تَقَدَّمَ هَذَا الْإِسْنَادُ بِرُمَّتِهِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ ، وَفِيهِ تَابِعِيَّانِ عُرْوَةُ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَقَرِينَانِ اللَّيْثُ ، وَعَقِيلٌ . قَوْلُهُ : ( الْمَنَاصِعُ ) بِالنُّونِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ جَمْعُ مَنْصَعٍ بِوَزْنِ مَقْعَدٍ وَهِيَ أَمَاكِنُ مَعْرُوفَةٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَقِيعِ ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْصَعُ فِيهَا أَيْ : يَخْلُصُ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّفْسِيرَ مَقُولُ عَائِشَةَ . وَالْأَفْيَحُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُتَّسِعُ . قَوْلُهُ : ( احْجُبْ ) أَيْ امْنَعْهُنَّ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ; بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ قَالَ لِسَوْدَةَ مَا قَالَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَوَّلًا الْأَمْرَ بِسَتْرِ وُجُوهِهِنَّ ، فَلَمَّا وَقَعَ الْأَمْرُ بِوَفْقِ مَا أَرَادَ أَحَبَّ أَيْضًا أَنْ يَحْجُبَ أَشْخَاصَهُنَّ مُبَالَغَةً فِي التَّسَتُّرِ فَلَمْ يُجَبْ ؛ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ ، وَهَذَا أَظْهَرُ الِاحْتِمَالَيْنِ . وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَعُدُّ نُزُولَ آيَةِ الْحِجَابِ مِنْ مُوَافَقَاتِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ كَانَ لَهُنَّ فِي التَّسَتُّرِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ حَالَاتٌ : أَوَّلُهَا بِالظُّلْمَةِ لِأَنَّهُنَّ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ فَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ ، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا ، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ ، انْتَهَى . ثُمَّ نَزَلَ الْحِجَابُ فَتَسَتَّرْنَ بِالثِّيَابِ ، لَكِنْ كَانَتْ أَشْخَاصُهُنَّ رُبَّمَا تَتَمَيَّزُ ; وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ لِسَوْدَةَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ نُزُولِ الْحِجَابِ : أَمَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا ، ثُمَّ اتُّخِذَتِ الْكُنُفُ فِي الْبُيُوتِ فَتَسَتَّرْنَ بِهَا كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ أَيْضًا ؛ فَإِنَّ فِيهَا وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُتَّخَذَ الْكُنُفُ ، وَكَانَ قِصَّةُ الْإِفْكِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْحِجَابَ ) وَلِلْمُسْتَمْلِي آيَةَ الْحِجَابِ . زَادَ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْحِجَابَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ الْآيَةَ ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا قِصَّةُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ لَمَّا أَوْلَمَ عَلَيْهَا وَتَأَخَّرَ النَّفَرُ الثَّلَاثَةُ فِي الْبَيْتِ وَاسْتَحْيَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالْخُرُوجِ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ ، وَسَيَأْتِي أَيْضًا حَدِيثُ عُمَرَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ نِسَاءَكَ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ، فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ أَنْ يَحْتَجِبْنَ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : بَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ وَمَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَعَائِشَةُ تَأْكُلُ مَعَهُمْ إِذْ أَصَابَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَدَهَا ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ . وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُا أَنَّ أَسْبَابَ نُزُولِ الْحِجَابِ تَعَدَّدَتْ ، وَكَانَتْ قِصَّةُ زَيْنَبَ آخِرَهَا ؛ لِلنَّصِّ عَلَى قِصَّتِهَا فِي الْآيَةِ ، وَالْمُرَادُ بِآيَةِ الْحِجَابِ فِي بَعْضِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْبَرَازِ · ص 299 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْبَرَازِ · ص 300 147 - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِي حَاجَتِكُنَّ . قَالَ هِشَامٌ يَعْنِي الْبَرَازَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا ) هُوَ ابْنُ يَحْيَى . وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ هَذَا فِي التَّفْسِيرِ مُطَوَّلًا ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ سَوْدَةَ خَرَجَتْ بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا - وَكَانَتْ عَظِيمَةَ الْجِسْمِ - فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ : يَا سَوْدَةُ ، أَمَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ . فَرَجَعَتْ فَشَكَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَتَعَشَّى ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِقْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ التَّصَرُّفُ فِيمَا لَهُنَّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ مَصَالِحِهِنَّ ، وَفِيهِ مُرَاجَعَةُ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى فِيمَا يَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّهُ الصَّوَابُ وَحَيْثُ لَا يَقْصِدُ التَّعَنُّتَ ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِعُمَرَ ، وَفِيهِ جَوَازُ كَلَامِ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطُّرُقِ لِلضَّرُورَةِ ، وَجَوَازُ الْإِغْلَاظِ فِي الْقَوْلِ لِمَنْ يَقْصِدُ الْخَيْرَ ، وَفِيهِ جَوَازُ وَعْظِ الرَّجُلِ أُمَّهُ فِي الدِّينِ لِأَنَّ سَوْدَةَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُنَّ بِالْحِجَابِ مَعَ وُضُوحِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ ، وَكَذَا فِي إِذْنِهِ لَهُنَّ بِالْخُرُوجِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب خروج النساء إلى البراز · ص 282 باب خروج النساء إلى البراز . أي : هذا باب في بيان خروج النساء إلى البراز ، وهو بفتح الباء الموحدة اسم للفضاء الواسع من الأرض ويكنى به عن الحاجة ، وقال الخطابي : وأكثر الرواة يقولون بكسر الباء ، وهو غلط ؛ لأن البراز بالكسر مصدر بارزت الرجل مبارزة وبرازا ، وقال بعضهم : قلت : بل هو موجه ؛ لأنه يطلق بالكسر على نفس الخارج ، قال الجوهري : البراز المبارزة في الحرب ، والبراز أيضا كناية عن ثفل الغذاء ، وهو الغائط والبراز بالفتح الفضاء الواسع ، انتهى . فعلى هذا من فتح أراد الفضاء ، وهو من إطلاق اسم المحل على الحال ، كما تقدم مثله في الغائط ، ومن كسر أراد نفس الخارج ، انتهى . قلت : الذي قاله غير موجه والتوجيه مع الخطابي ، قال في العباب : قال ابن الأعرابي : برز ، بكسر الراء إذا ظهر بعد خمول ، وبرز بفتحها إذا خرج إلى البراز للغائط ، وهو الفضاء الواسع . قال الفراء : هو الموضع الذي ليس فيه خمر من شجر ولا غيره ، والبراز الحاجة سميت باسم الصحراء ، كما سميت بالغائط ، ومنه حديث النبي - عليه الصلاة والسلام - : اتقوا الملاعن الثلاث : البراز في الموارد ، وقارعة الطريق ، والظل . والمناسبة بين البابين ظاهرة ؛ لأن في الأول حكم التبرز وهنا حكم البراز . 12 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث قال : حدثني عقيل عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع ، وهو صعيد أفيح ، فكان عمر يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - : احجب نساءك ، فلم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة من الليالي عشاء ، وكانت امرأة طويلة ، فناداها عمر : ألا قد عرفناك يا سودة ، حرصا على أن ينزل الحجاب ، فأنزل الله آية الحجاب . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : « إذا تبرزن إلى المناصع » وأشار البخاري بهذا الباب إلى أن تبرز النساء إلى البراز كان أولا لعدم الكنف في البيوت ، وكان رخصة لهن ، ثم لما اتخذت الكنف في البيوت منعن عن الخروج منها إلا عند الضرورة ، وعقد على ذلك الباب الذي يأتي عقيب هذا الباب . ( بيان رجاله ) وهم ستة ، تقدم ذكرهم بهذا الترتيب في كتاب الوحي ، وعقيل بضم العين وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري . ( بيان لطائف إسناده ) . منها أن فيه صيغة التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة ، ومنها أن فيه تابعيين ابن شهاب وعروة ، وقرينين الليث وعقيل ، ومنها أن رواته ما بين مصري ومدني ، ومنها أن هذا الإسناد على شرط الستة إلا يحيى ؛ فإنه على شرط البخاري ومسلم . ( بيان من أخرجه غيره ) . أخرجه مسلم أيضا في الاستئذان عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد عن أبيه عن جده به . ( بيان اللغات ) قوله : « إذا تبرزن » أي : إذا خرجن إلى البراز للبول والغائط ، فأصله من تبرز ، بفتح عين الفعل إذا خرج إلى البراز للغائط ، وهو الفضاء الواسع ، قوله : « إلى المناصع » جمع منصع مفعل من النصوع ، وهو الخلوص ، والناصع الخالص من كل شيء ، يقال : نصع ينصع نصاعة ونصوعا ، ويقال : أبيض ناصع وأصفر ناصع ، قال الأصمعي : كل ثور خالص البياض أو الصفرة أو الحمرة فهو ناصع ، وفي العباب : المناصع المجالس فيما يقال ، وقال أبو سعيد : المناصع المواضع التي يتخلى فيها لبول أو لغائط ، الواحد منصع ، بفتح الصاد . وقال الأزهري : أراها مواضع خارج المدينة ، وقال ابن الجوزي : هي المواضع التي يتخلى فيها للحاجة ، وكان صعيدا أفيح خارج المدينة يقال له المناصع ، والصعيد وجه الأرض ، وقد فسره في الحديث بقوله : « وهو صعيد أفيح » والأفيح بالفاء وبالحاء المهملة الواسع ، وزاد فيحا ، أي : وسعة ، وقال الصغاني : بحر أفيح بين الفيح ، أي : واسع ، وبحر فياح أيضا بالتشديد ، وقال الأصمعي : إنه لجواد فياح وفياض بمعنى واحد . قلت : كأنه سمي بالمناصع لخلوصه عن الأبنية والأماكن . ( بيان الإعراب ) . قوله : « كن » جملة في محل الرفع على أنها خبر أن ، قوله : « يخرجن » جملة في محل النصب على أنها خبر كان ، والباء في بالليل ظرفية ، وكلمة إذا ظرفية ، قوله : « إلى المناصع » جار ومجرور يتعلق بقوله يخرجن ، قال الكرماني : ويحتمل أن يتعلق بقوله تبرزن . قلت : احتمال بعيد ، قوله : « وهو » مبتدأ ، وقوله : « صعيد أفيح » صفة وموصوف خبره ، قوله : « يقول » جملة في محل النصب أيضا ؛ لأنها خبر كان ، قوله : « احجب نساءك » مقول القول ، قوله : « يفعلوا » جملة في محل النصب أيضا ؛ لأنها خبر كان ، قوله : « بنت زمعة » كلام إضافي مرفوع ؛ لأنه صفة لسودة . وقوله : « زوج النبي - عليه الصلاة والسلام - » كلام إضافي أيضا مرفوع ؛ لأنه صفة أخرى لسودة ، قوله : « ليلة » نصب على الظرف ، قوله : « عشاء » هو بكسر العين وبالمد نصب على أنه بدل من قوله : « ليلة » قوله : « ألا » بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف استفتاح ينبه بها على تحقق ما بعدها ، قوله : « يا سودة » منادى مفرد معرفة ، ولهذا يبنى على الضم ، قوله : « حرصا » نصب على أنه مفعول له والعامل فيه قوله : « فناداها » قوله : « على أن ينزل » على صيغة المجهول ، وأن مصدرية . ( بيان المعاني ) قوله : « وهو صعيد أفيح » تفسير لقوله : « إلى المناصع » وقال بعضهم : الظاهر أن التفسير مقول عائشة رضي الله عنها . قلت : لا دليل على الظاهر ، وإنما هو يحتمل أن يكون منها أو من عروة أو ممن دونه من الرواة ، قوله : « احجب نساءك » أي : امنعهن من الخروج من البيوت ، وسياق الكلام يدل على هذا المعنى ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون أراد أولا الأمر بستر وجوههن ، فلما وقع الأمر بوفق ما أراد أحب أيضا أن يحجب أشخاصهن مبالغة في التستر ، فلم يجب لأجل الضرورة ، وهذا أظهر الاحتمالين . قلت : ليس الأظهر إلا ما قلنا بشهادة سياق الكلام ، والاحتمال الذي ذكره لا يدل عليه هذا الحديث ، وإنما الذي يدل عليه هو حديث آخر ، وذلك لأن الحجب ثلاثة ، الأول : الأمر بستر وجوههن يدل عليه قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ الآية . قال القاضي عياض : والحجاب الذي خص به خلاف أمهات المؤمنين هو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين ، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا لغيرها ، الثاني : هو الأمر بإرخاء الحجاب بينهن وبين الناس يدل عليه قوله تعالى وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ الثالث : هو الأمر بمنعهن من الخروج من البيوت إلا لضرورة شرعية ؛ فإذا خرجن لا يظهرن شخصهن ، كما فعلت حفصة يوم مات أبوها ، سترت شخصها حين خرجت ، وزينب عملت لها قبة لما توفيت ، وكان لهن في التستر عند قضاء الحاجة ثلاث حالات ، الأولى بالظلمة ؛ لأنهن كن يخرجن بالليل دون النهار ، كما قالت عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث كن يخرجن بالليل ، وسيأتي في حديث عائشة في قصة الإفك فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع ، وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلا الحديث ، ثم نزل الحجاب فتسترن بالثياب ؛ لكن ربما كانت أشخاصهن تتميز ، ولهذا قال عمر رضي الله تعالى عنه : قد عرفناك يا سودة ، وهذه هي الحالة الثانية ، ثم لما اتخذت الكنف في البيوت منعن عن الخروج منها ، وهي الحالة الثالثة ، فدل عليه حديث عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك ، فإن فيها وذلك قبل أن تتخذ الكنف ، وكانت قصة الإفك قبل نزول آية الحجاب . والله أعلم . قوله : « سودة بنت زمعة » بالزاي والميم والعين المهملة المفتوحتين ، وقال ابن الأثير : وأكثر ما سمعنا من أهل الحديث والفقهاء يقولونه بسكون الميم ، ابن قيس القريشية العامرية ، أسلمت قديما وبايعت ، وكانت تحت ابن عم لها يقال له السكران بن عمرو ، أسلم معها وهاجرا جميعا إلى الحبشة ، فلما قدم مكة مات زوجها فتزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ودخل بها بمكة ، وذلك بعد موت خديجة قبل عائشة رضي الله عنهما ، وهاجرت إلى المدينة ، فلما كبرت أراد طلاقها ، فسألته أن لا يفعل ، وجعلت يومها لعائشة فأمسكها ، روى لها خمسة أحاديث ، أخرج البخاري منها حديثين ، توفيت آخر خلافة عمر رضي الله عنه ، وقيل : زمن معاوية سنة أربع وخمسين بالمدينة . قوله : « فأنزل الله الحجاب » وفي رواية المستملي فأنزل الله آية الحجاب وزاد أبو عوانة في صحيحه من طريق الزبيدي عن ابن شهاب فأنزل الله الحجاب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ الآية ، وقال الكرماني : الحجاب ، أي : حكم الحجاب ، يعني حجاب النساء عن الرجال ، فأنزل الله آية الحجاب ، ويحتمل أن يراد بآية الحجاب الجنس فيتناول الآيات الثلاث ، قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ الآية ، وقوله تعالى وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وقوله تعالى وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ الآية ، وأن يراد به العهد من واحدة من هذه الثلاث . قلت : رواية أبي عوانة المذكورة فسرت المراد من آية الحجاب صريحا ، كما ذكرنا ، وسبب نزولها قصة زينب بنت جحش ، لما أولم عليها وتأخر النفر الثلاثة في البيت ، واستحيى النبي - عليه الصلاة والسلام - أن يأمرهم بالخروج ، فنزلت آية الحجاب ، وسيأتي في تفسير الأحزاب ، وسيأتي أيضا حديث عمر رضي الله تعالى عنه . قلت : يا رسول الله ، إن نساءك يدخلن عليهن البر والفاجر ، فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب ، وروى ابن جرير في تفسيره من طريق مجاهد قال : بينا النبي - عليه الصلاة والسلام - يأكل ومعه بعض أصحابه وعائشة تأكل معهم إذ أصابت يد رجل منهم يدها ، فكره النبي - عليه الصلاة والسلام - ذلك ، فنزلت آية الحجاب . فإن قلت : ما طريقة الجمع بين هذه ؟ قلت : أسباب نزول الحجاب تعددت ، وكانت قصة زينب آخرها للنص على قصتها في الآية ، وقال التيمي : الحجاب هنا استتارهن بالثياب حتى لا يرى منهن شيء عند خروجهن ، وأما الحجاب الثاني فهو إرخاؤهن الحجاب بينهن وبين الناس . قلت : رواية أبي عوانة تخدش هذا الكلام على ما لا يخفى ، ثم اعلم أن الحجاب كان في السنة الخامسة في قول قتادة ، وقال أبو عبيد : في الثالثة ، وقال ابن إسحاق : بعد أم سلمة ، وعند ابن سعيد في الرابعة في ذي القعدة . ( بيان استنباط الأحكام ) : الأول : قال ابن بطال : فيه مراجعة الأدون للأعلى في الشيء الذي يتبين له . الثاني : فيه فضل المراجعة إذا لم يقصد بها التعنت ؛ فإنه قد يتبين فيها من العلم ما خفي ؛ فإن نزول الآية ، وهي قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الآية كان سببه المراجعة . الثالث : فيه فضل عمر رضي الله تعالى عنه ؛ فإن الله تعالى أيد به الدين ، وقال الكرماني : وهذه من إحدى الثلاث التي وافق فيها نزول القرآن . قلت : هذه إحدى ما وافق فيها ربه ، والثانية في قوله عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ والثالثة وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وهذه الثلاثة ثابتة في الصحيح ، والرابعة موافقة في أسرى بدر ، والخامسة في منع الصلاة على المنافقين ، وهاتان في صحيح مسلم ، والسادسة موافقته في آية المؤمنين ، وروى أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث علي بن زيد : وافقت ربي لما نزلت ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فقلت أنا : تبارك الله أحسن الخالقين ، فنزلت ، والسابعة موافقته في تحريم الخمر ، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى ، والثامنة موافقته في قوله مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ الآية ، ذكره الزمخشري ، وقال ابن العربي : قدمنا في الكتاب الكبير أنه وافق ربه تعالى تلاوة ومعنى في أحد عشر موضعا ، وفي جامع الترمذي مصححا عن ابن عمر رضي الله عنهما : ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال عمر فيه إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر رضي الله عنه . الرابع : فيه كلام الرجال مع النساء في الطرق . الخامس : فيه جواز وعظ الإنسان أمه في البر ؛ لأن سودة من أمهات المؤمنين . السادس : فيه جواز الإغلاظ في القول والعتاب إذا كان قصده الخير ؛ فإن عمر رضي الله عنه قال : قد عرفناك يا سودة ، وكان شديد الغيرة ، لا سيما في أمهات المؤمنين . السابع : في التزام النصيحة لله ولرسوله ، في قول عمر رضي الله عنه : احجب نساءك ، وكان عليه الصلاة والسلام يعلم أن حجبهن خير من غيره ، لكنه كان يترقب الوحي ، بدليل أنه لم يوافق عمر رضي الله عنه حين أشار بذلك ، وكان ذلك من عادة العرب . الثامن : فيه جواز تصرف النساء فيما لهن حاجة إليه ؛ لأن الله تعالى أذن لهن في الخروج إلى البراز بعد نزول الحجاب ، فلما جاز ذلك لهن جاز لهن الخروج إلى غيره من مصالحهن ، وقد أمر النبي - عليه الصلاة والسلام - بالخروج إلى العيدين ، ولكن في هذا الزمان لما كثر الفساد ولا يؤمن عليهن من الفتنة ينبغي أن يمنعن من الخروج إلا عند الضرورة الشرعية ، والله تعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب خروج النساء إلى البراز · ص 285 13 - حدثنا زكرياء ، قال : حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قد أذن أن تخرجن في حاجتكن . قال هشام : يعني البراز . مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة ؛ لأن الباب معقود في خروجهن إلى البراز ، وفي هذا الحديث بيان أن الله تعالى قد أذن لهن بالخروج عن بيوتهن إلى البراز ، كما يجيء هذا الحديث في التفسير مطولا أن سودة خرجت بعدما ضرب الحجاب لحاجتها ، وكانت عظيمة الجسم ، فرآها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : يا سودة ، أما والله ما تخفين علينا ، فانظري كيف تخرجين ، فرجعت فشكت ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام وهو يتعشى ، فأوحي إليه فقال : إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن . ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : زكريا بن يحيى بن صالح اللؤلؤي ، أبو يحيى البلخي ، الحافظ الفقيه المصنف في السنة ، مات ببغداد ، ودفن عند قتيبة بن سعيد سنة ثلاثين ومائتين . الثاني : أبو أسامة حماد بن أسامة الكوفي ، وقد مر . الثالث : هشام بن عروة . الرابع : أبو عروة بن الزبير بن العوام . الخامس : عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها . ( بيان لطائف إسناده ) : منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته ما بين بلخي وكوفي ومدني ، ومنها أن فيه رواية الابن عن الأب . ( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن زكريا بن يحيى المذكور ، وأخرجه مسلم في الاستئذان عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب كلاهما عن أبي أسامة به . ( بيان ما فيه من الإعراب والمعنى ) . قوله : « قد أذن » مقول القول ، وفي بعض النسخ أذن بلا لفظة قد ، وهو على صيغة المجهول ، والآذن هو الله تعالى ، وبني الفعل على صيغة المجهول للعلم بالفاعل ، قوله : « أن تخرجن » أصله بأن تخرجن ، وأن مصدرية ، والتقدير : بخروجكن ، وكلمة في متعلق به ، قوله : « قال هشام » يعني ابن عروة المذكور ، وهو إما تعليق من البخاري ، وإما من مقول أبي أسامة . قال الكرماني : قلت : لم لا يجوز أن يكون مقول هشام أو عروة ، قوله : « تعني البراز » مقول القول ، والضمير في تعني يرجع إلى عائشة رضي الله تعالى عنها ، أراد أن عائشة تقصد من قولها تخرجن في حاجتكن البراز ، الخروج إلى البراز ، وانتصابه بقوله تعني ، وقال الداودي : قوله : « قد أذن أن تخرجن » دال على أنه لم يرد هنا حجاب البيوت ؛ فإن ذلك وجه آخر ، إنما أراد أن يستترن بالجلباب حتى لا يبدو منهن إلا العين ، قالت عائشة : كنا نتأذى بالكنف وكنا نخرج إلى المناصع .