باب التعجيل إلى الوقوف قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّعْجِيلِ إِلَى الْمَوْقِفِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ بِغَيْرِ حَدِيثٍ وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ أَصْلًا ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ هُنَا مَا لَفْظُهُ يَدْخُلُ فِي الْبَابِ حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ - يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ عَنْ سَالِمٍ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا - وَلَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُدْخِلَ فِيهِ غَيْرَ مُعَادٍ يَعْنِي حَدِيثًا لَا يَكُونُ تَكَرَّرَ كُلُّهُ سَنَدًا وَمَتْنًا . قُلْتُ : وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ أَصْلَ قَصْدِهِ أَنْ لَا يُكَرَّرَ ، فَيُحْمَلَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ تَكْرَارِ الْأَحَادِيثِ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَكُونُ هُنَاكَ مُغَايَرَةٌ إِمَّا فِي السَّنَدِ وَإِمَّا فِي الْمَتْنِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَنْ شَيْخَيْنِ حَدَّثَاهُ بِهِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مُعَادًا وَلَا مُكَرَّرًا ، وَكَذَا لَوْ أَخْرَجَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ لَكِنِ اخْتَصَرَ مِنَ الْمَتْنِ شَيْئًا أَوْ أَوْرَدَهُ فِي مَوْضِعٍ مَوْصُولًا وَفِي مَوْضِعٍ مُعَلَّقًا ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ لَمْ يُخَالِفْهَا إِلَّا فِي مَوَاضِعَ يَسِيرَةٍ مَعَ طُولِ الْكِتَابِ إِذَا بَعُدَ مَا بَيْنَ الْبَابَيْنِ بُعْدًا شَدِيدًا . وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَقِبَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْمُصَنِّفَ : يُزَادُ فِي هَذَا الْبَابِ هَمْ حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنِ شِهَابٍ وَلَكِنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أُدْخِلَ فِيهِ مُعَادًا أَيْ مُكَرَّرًا . قُلْتُ : كَأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ حِينَئِذٍ طَرِيقٌ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ الطَّرِيقَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعِيدُ حَدِيثًا إِلَّا لِفَائِدَةٍ إِسْنَادِيَّةٍ أَوْ مَتْنِيَّةٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ الَّتِي نَقَلَهَا الْكِرْمَانِيُّ هَمْ فَهِيَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : قِيلَ : إِنَّهَا فَارِسِيَّةٌ وَقِيلَ عَرَبِيَّةٌ وَمَعْنَاهَا قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى أَيْضًا . قُلْتُ : صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ بِبَغْدَادَ بِأَنَّهَا لَفْظَةٌ اصْطَلَحَ عَلَيْهَا أَهْلُ بَغْدَادَ وَلَيْسَتْ بِفَارِسِيَّةٍ وَلَا هِيَ عَرَبِيَّةٌ قَطْعًا ، وَقَدْ دَلَّ كَلَامُ الصَّغَانِيِّ فِي نُسْخَتِهِ الَّتِي أَتْقَنَهَا وَحَرَّرَهَا - وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ - خُلُوَّ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ . 91 - بَاب الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ 1664 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ : كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي . . . وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو وسَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ : أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ فَقُلْتُ : هَذَا وَاللَّهِ مِنْ الْحُمْسِ فَمَا شَأْنُهُ هَاهُنَا ؟ قَوْلُهُ : ( بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ) أَيْ دُونَ غَيْرِهَا فِيمَا دُونَهَا أَوْ فَوْقَهَا . وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ : الْأَوَّلُ : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ . قَوْلُهُ : ( أَضْلَلْتُ بَعِيرًا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لِي كَمَا فِي الْأُولَى . قَوْلُهُ : ( فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي يَوْمَ عَرَفَةَ فَخَرَجْتُ أَطْلُبُهُ بِعَرَفَةَ فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ يَتَعَلَّقُ بِأَضْلَلْتُ ، فَإِنَّ جُبَيْرًا إِنَّمَا جَاءَ إِلَى عَرَفَةَ لِيَطْلُبَ بِعِيرَهُ لَا لِيَقِفَ بِهَا . قَوْلُهُ : ( مِنَ الْحُمْسِ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ سَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ . قَوْلُهُ : ( فَمَا شَأْنُهُ هَاهنا ؟ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ فَمَا لَهُ خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ بَعْدَ قَوْلِهِ فَمَا شَأْنُهُ هَاهُنَا : وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَدُّ مِنَ الْحُمْسِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تُوهِمُ أَنَّهَا مِنْ أَصْلِ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مِنْ قَوْلِ سُفْيَانَ ، بَيَّنَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ مَا شَأْنُهُ هَاهُنَا ، قَالَ سُفْيَانُ وَالْأَحْمَسُ الشَّدِيدُ عَلَى دِينِهِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمَّى الْحُمْسَ وَكَانَ الشَّيْطَانُ قَدِ اسْتَهْوَاهُمْ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّكُمْ إِنْ عَظَّمْتُمْ غَيْرَ حَرَمِكُمُ اسْتَخَفَّ النَّاسُ بِحَرَمِكُمْ فَكَانُوا لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْحَرَمِ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَمَا لَهُ خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ قَالَ سُفْيَانُ الْحُمْسُ يَعْنِي قُرَيْشًا وَكَانَتْ تُسَمَّى الْحُمْسَ وَكَانَتْ لَا تُجَاوِزُ الْحَرَمَ وَيَقُولُونَ نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ لَا نَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ وَكَانَ سَائِرُ النَّاسِ يَقِفُ بِعَرَفَةَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ . انْتَهَى . وَعُرِفَ بِهَاتَيْنِ الزِّيَادَتَيْنِ مَعْنَى حَدِيثِ جُبَيْرٍ وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهُمَا اسْتِغْنَاءً بِالرِّوَايَةِ عَنْ عُرْوَةَ لَكِنَّ فِي سِيَاقِ سُفْيَانَ فَوَائِدَ زَائِدَةً . وَقَدْ رَوَى بَعْضَ ذَلِكَ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَمِّهِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَتْ قُرَيْشٌ إِنَّمَا تَدْفَعُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْحُمْسُ فَلَا نَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ وَقَدْ تَرَكُوا الْمَوْقِفَ بِعَرَفَةَ ، قَالَ : فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقِفُ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ ثُمَّ يُصْبِحُ مَعَ قَوْمِهِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَيَقِفُ مَعَهُمْ وَيَدْفَعُ إِذَا دَفَعُوا . وَلَفْظُ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي مُخْتَصَرًا وَفِيهِ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ لَهُ . وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ أَيْضًا عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ قَالَ : أَضْلَلْتُ حِمَارًا لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَوَجَدْتُهُ بِعَرَفَةَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا بِعَرَفَاتٍ مَعَ النَّاسِ ، فَلَمَّا أَسْلَمْتُ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ وَفَّقَهُ لِذَلِكَ . وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْحُمْسِ فَرَوَى إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي : غَرِيبِ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَنْ كَانَ يَأْخُذُ مَأْخَذَهَا مِنَ الْقَبَائِلِ كَالْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَخُزَاعَةَ وَثَقِيفٍ وَغَزْوَانَ وَبَنِي عَامِرٍ وَبَنِي صَعْصَعَةَ وَبَنِي كِنَانَةَ إِلَّا بَنِي بَكْرٍ وَالْأَحْمَسُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الشَّدِيدُ وَسُمُّوا بِذَلِكَ لَمَّا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَكَانُوا إِذَا أَهَلُّوا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَا يَأْكُلُونَ لَحْمًا وَلَا يَضْرِبُونَ وَبَرًا وَلَا شَعْرًا وَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ وَضَعُوا ثِيَابَهُمُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ . وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَدَنِيِّ قَالَ : سُمُّوا حُمْسًا بِالْكَعْبَةِ لِأَنَّهَا حَمْسَاءُ حَجَرُهَا أَبْيَضُ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ . انْتَهَى . وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ وَأَنَّهُ مِنَ التَّحَمُّسِ وَهُوَ التَّشَدُّدُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى : تَحَمَّسَ تَشَدَّدَ وَمِنْهُ حَمِسَ الْوَغَى إِذَا اشْتَدَّ وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ . وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ رِوَايَةَ جُبَيْرٍ لَهُ لِذَلِكَ كَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ جُبَيْرٌ وَهُوَ نَظِيرُ رِوَايَتِهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ جُبَيْرٌ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ التَّعَقُّبَ عَلَى السُّهَيْلِيِّ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ رِوَايَةَ جُبَيْرٍ لِذَلِكَ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ : انْظُرْ كَيْفَ أَنْكَرَ جُبَيْرٌ هَذَا وَقَدْ حَجَّ بِالنَّاسِ عَتَّابٌ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَبُو بَكْرٍ سَنَةَ تِسْعٍ ثُمَّ قَالَ : إِمَّا أَنْ يَكُونَا وَقَفَا بِجَمْعٍ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جُبَيْرٌ لَمْ يَشْهَدْ مَعَهُمَا الْمَوْسِمَ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَقْفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ كَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ وَكَانَ جُبَيْرٌ حِينَئِذٍ مُسْلِمًا لِأَنَّهُ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَإِنْ كَانَ سُؤَالُهُ عَنْ ذَلِكَ إِنْكَارًا أَوْ تَعَجُّبًا فَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ نُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَإِنْ كَانَ لِلِاسْتِفْهَامِ عَنْ حِكْمَةِ الْمُخَالَفَةِ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ الْحُمْسُ فَلَا إِشْكَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْفَةٌ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا بَيَّنْتُهُ قَبْلُ بِدَلَائِلِهِ وَكَأَنَّهُ تَبِعَ السُّهَيْلِيَّ فِي ظَنِّهِ أَنَّهَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ أَوْ وَقَعَ لَهُ اتِّفَاقًا . وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ الْإِفَاضَةُ مِنْ عَرَفَةَ ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْآيَةِ أَنَّهَا الْإِفَاضَةُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ بِلَفْظَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَمْرِ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ . وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ الَّتِي سِيقَتْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ لِمَا وَرَدَ مِنْهُ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي تُشْرَعُ الْإِفَاضَةُ مِنْهُ فَالتَّقْدِيرُ فَإِذَا أَفَضْتُمُ اذْكُرُوا ثُمَّ لِتَكُنْ إِفَاضَتُكُمْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ لَا مِنْ حَيْثُ كَانَ الْحُمْسُ يُفِيضُونَ أَوِ التَّقْدِيرُ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَهُ وَلْتَكُنْ إِفَاضَتُكُمْ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يُفِيضُ فِيهِ النَّاسُ غَيْرُ الْحُمْسِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب التَّعْجِيلِ إِلَى الوقوف · ص 601 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب التعجيل إلى الموقف · ص 305 باب التعجيل إلى الموقف هكذا وقع هذا الباب بهذه الترجمة عند الأكثرين بغير حديث فيه ، وسقط من رواية أبي ذر أصلا ، وقال الكرماني : واعلم أنه وقع في بعض النسخ هنا زيادة ، وهو باب التعجيل إلى الموقف ، وقال أبو عبد الله : يزاد في هذا الباب هم هذا الحديث حديث مالك عن ابن شهاب ، ولكني لا أريد أن أدخل فيه معادا ، أقول هذا تصريح من البخاري بأنه لم يعد حديثا في هذا الجامع ولم يكرر شيئا منه ، وما اشتهر أن نصفه تقريبا مكرر فهو قول إقناعي على سبيل المسامحة ، وأما عند التحقيق فهو لا يخلو إما من تقييد أو إهمال أو زيادة أو نقصان أو تفاوت في الإسناد ونحوه ، وكلمة هم بفتح الهاء وسكون الميم قيل إنها فارسية وقيل عربية ، ومعناها قريب من معنى لفظ أيضا انتهى ، قلت : أراد بقوله : وقال أبو عبد الله البخاري نفسه ؛ لأن كنيته أبو عبد الله . قوله : هذا الحديث أراد به حديث مالك الذي رواه عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وهو الذي رواه البخاري من طريقين : أحدهما طريق عبد الله بن يوسف ، والآخر طريق عبد الله بن مسلمة ، كلاهما عن مالك ، وقوله معادا أي مكررا ، وحاصل هذا الكلام أنه قال زيادة الحديث المذكور ، وكانت مناسبة أن تدخل في هذا الباب ، أعني باب التعجيل إلى الموقف ؛ ولكني ما أدخلته فيه لأني لا أدخل فيه مكررا ، وكأنه لم يظفر بطريق آخر فيه غير الطريقين المذكورين ، فلذلك لم يدخله ، وهذا يدل على أنه لا يعيد حديثا ولا يكرره في هذا الكتاب إلا لفائدة من جهة الإسناد أو من جهة المتن ، قال : وإن وقع شيء خارج من ذلك يكون اتفاقيا لا قصدا ، ومع ذلك فهو نادر قليل الوقوع ، وأما قول الكرماني وكلمة هم إلى آخره فهو تصرف من عنده تصرف فيها حين وقف على النسخة التي قال فيها وقع في بعض النسخ ، ونقل عنها أنه قال : هم هذا الحديث ، والظاهر أنه وقع منه هذه اللفظة في كلامه من غير قصد ، فنقل منه على هذا الوجه ، وأن هذه اللفظة فارسية وليست بعربية ، والله تعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الوقوف بعرفة · ص 305 بسم الله الرحمن الرحيم ( باب الوقوف بعرفة ) أي هذا باب في بيان أن الوقوف إنما يكون بعرفة دون غيرها من المواضع ، وذلك أن قريشا كانوا يقولون : نحن أهل الله ، فلا نخرج من الحرم ، وكان غيرهم يقفون بعرفة ، وعرفة خارج الحرم ، فبين الله تعالى في قوله : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ أن الإفاضة إنما تكون من موقف عرفة الذي كان يقف فيه سائر الناس دون غيره من موقف قريش عند المشعر الحرام ، وكانوا يقولون : عزتنا بالحرم وسكنانا فيه ونحن جيران الله ، فلا نرى الخروج عنه إلى الحل عند وقوفنا في الحج ، فلا نفارق عزنا ، وما حرم الله تعالى به أموالنا ودماءنا ، وكانت طوائف العرب يقفون في موقف إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - من عرفة ، وكان وقوف النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضا في موقف إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - قبل أن ينزل عليه الوحي توفيقا من الله تعالى له على ذلك . 248 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه قال : كنت أطلب بعيرا لي ح . وحدثنا مسدد قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو سمع محمد بن جبير ، عن أبيه جبير بن مطعم قال : أضللت بعيرا لي فذهبت أطلبه يوم عرفة ، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - واقفا بعرفة . فقلت : هذا والله من الحمس فما شأنه هاهنا . مطابقته للترجمة في قوله : فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - واقفا بعرفة . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة ؛ الأول : علي بن عبد الله المعروف بابن المديني . الثاني : سفيان بن عيينة . الثالث : عمرو بن دينار . الرابع : محمد بن جبير بن مطعم . الخامس : جبير بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره راء ابن مطعم بضم الميم اسم فاعل من الإطعام ابن عدي بن نوفل القرشي النوفلي الصحابي - رضي الله تعالى عنه - . السادس : مسدد بن مسرهد والكل قد ذكروا . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه إسنادان ؛ أحدهما عن علي بن عبد الله ، وفيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، والآخر عن مسدد فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه السماع وفيه القول . ( ذكر من أخرجه غيره ) : أخرجه مسلم في الحج ، عن أبي بكر وعمرو الناقد ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة . ( ذكر معناه ) : قوله : أضللت بعيرا لي هكذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : أضللت بعيرا بدون كلمة لي ، يقال : أضله إذا أضاعه ، وقال ابن السكيت : أضللت بعيري إذا ذهب منك . قوله : يوم عرفة ، أي : في يوم عرفة ، ( فإن قلت ) : إضلاله بعيره كان في يوم عرفة أو طلبه . ( قلت ) : طلبه كان في يوم عرفة ، فإن جبير بن مطعم إنما جاء إلى عرفة ليطلب بعيره لا ليقف بها ، ويؤيد هذا ما رواه الحميدي في مسنده : أضللت بعيرا لي يوم عرفة فخرجت أطلبه بعرفة ، ومن طريقه رواه أبو نعيم . قوله : فقلت قائله جبير وأشار بقوله هذا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رآه واقفا بعرفة فقال : هذا والله من الحمس ، يعني هو من الحمس بضم الحاء المهملة وسكون الميم ، وفي آخره سين مهملة جمع الأحمس ، وفي اللغة الأحمس الشديد ، والمشدد على نفسه في الدين يسمى أحمس ، والحماسة الشدة في كل شيء ، قاله ابن سيده ، ويقال له المتحمس أيضا . وفي الصحاح : حمس بالكسر فهو حمس وأحمس بين الحمس . وفي الموعب عن ابن دريد : الحمس بالفتح التشدد في الأمر وبه سميت قريش وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة وقوم من كنانة ، وقال غيره : الحمس قريش ومن ولدت من غيرها ، وقيل : قريش ومن ولدت وأحلافها ، وقيل : قريش ومن ولدت من قريش وكنانة وجديلة قيس ، وكانوا إذا أنكحوا امرأة منهم غريبا اشترطوا عليه أن ولدها على دينهم ، ودخل في هذا الاسم من غير قريش ثقيف وليث بن بكر وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة . وقال ابن إسحاق : وكانت قريش - لا أدري قبل الفيل أو بعده - ابتدعت أمر الحمس رأيا رأوه ، فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها ، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج إلا أنهم قالوا : نحن أهل الحرم نحن الحمس ، والحمس أهل الحرم ، قالوا : ولا ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط ولا يسلوا السمن وهم حرم ، ولا يدخلوا بيتا من شعر ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرما ، ثم قالوا : لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم إذا جاءوا حجاجا أو عمارا ، ولا يطوفون بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس . وقال السهيلي : كانوا ذهبوا في ذلك مذهب الترهب والتأله ، فكانت نساؤهم لا ينسجن الشعر ولا الوبر . وعن إبراهيم الحربي في غريب الحديث : كانوا - أي قريش - إذا أهلوا بحج أو عمرة لا يأكلون لحما ، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم . وروي عنه أيضا : سموا الكعبة بحمساء ؛ لأنها حمساء حجرها أبيض يضرب إلى السواد . قوله : فما شأنه هذا تعجب من جبير بن مطعم وإنكار منه لما رأى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - واقفا بعرفة ، فقال : هو من الحمس فما باله يقف بعرفة ؟ والحمس لا يقفون بها ؛ لأنهم لا يخرجون من الحرم . وقال الكرماني : وقفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفة كانت سنة عشر ، وجبير بن مطعم كان مسلما ؛ لأنه أسلم يوم الفتح بل عام خيبر ، فما وجه سؤاله إنكارا أو تعجبا ، ثم أجاب بقوله : لعله لم يبلغ إليه في ذلك الوقت قوله تعالى : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ أولم يكن السؤال ناشئا عن الإنكار والتعجب ، بل أراد به السؤال عن حكمة المخالفة عما كانت الحمس عليه ، أو كان لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقفة بها قبل الهجرة ، انتهى . ( قلت ) : حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة وبعدها غير مرة ، وأما بعد الهجرة فلم يحج إلا مرة واحدة . وروى ابن خزيمة وإسحاق بن راهويه من طريق ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر ، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن عمه نافع بن جبير ، عن أبيه قال : كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة ويقولون : نحن الحمس فلا نخرج من الحرم ، وقد تركوا الموقف بعرفة ، قال : فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له ، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا . ولفظ يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق في المغازي مختصرا ، وفيه : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما مع الناس قبل أن ينزل عليه الوحي توفيقا من الله تعالى له ، وأخرجه إسحاق أيضا ، عن الفضل بن موسى ، عن عثمان بن الأسود ، عن عطاء ، عن جبير بن مطعم قال : أضللت حمارا لي في الجاهلية فوجدته بعرفة ، فرأيت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - واقفا بعرفات مع الناس ، فلما أسلمت عرفت أن الله وفقه لذلك .