16 - بَاب مَنْ حُمِلَ مَعَهُ الْمَاءُ لِطُهُورِهِ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : أَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالطَّهُورِ وَالْوِسَادِ . 151 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ هُوَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلَامٌ مِنَّا مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ حَمَلَ مَعَهُ الْمَاءَ لِطُهُورِهِ ) هُوَ بِالضَّمِّ أَيْ : لِيَتَطَهَّرَ بِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ أَلَيْسَ فِيكُمْ ) هَذَا الْخِطَابُ لِعَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ ، وَالْمُرَادُ بِصَاحِبِ النَّعْلَيْنِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَوَلَّى خِدْمَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ ، وَصَاحِبُ النَّعْلَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ مَجَازًا ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ يَحْمِلُهُمَا ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ مَوْصُولًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَنَاقِبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَإِيرَادُ الْمُصَنِّفِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَعَ هَذَا الطَّرَفِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءَ يُشْعِرُ إِشْعَارًا قَوِيًّا بِأَنَّ الْغُلَامَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ لَفْظَ الْغُلَامِ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الصَّغِيرِ مَجَازًا ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ مَسْعُودٍ بِمَكَّةَ وَهُوَ يَرْعَى الْغَنَمَ : إِنَّكَ لَغُلَامٌ مُعَلَّمٌ ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ أَنَسٍ وَغُلَامٌ مِنَّا أَيْ : مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ مِنْ خَدَمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَأَمَّا رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الَّتِي فِيهَا مِنَ الْأَنْصَارِ فَلَعَلَّهَا مِنْ تَصَرُّفِ الرَّاوِي حَيْثُ رَأَى فِي الرِّوَايَةِ مِنَّا فَحَمَلَهَا عَلَى الْقَبَلِيَّةِ فَرَوَاهَا بِالْمَعْنَى فَقَالَ مِنَ الْأَنْصَارِ ، أَوْ إِطْلَاقُ الْأَنْصَارِ عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ سَائِغٌ وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ خَصَّهُ بِالْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فِي رَكْوَةٍ فَاسْتَنْجَى فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ الْغُلَامُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي ذِكْرِ الْجِنِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِدَاوَةَ لِوُضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ أَنَّ أَنَسًا وَصَفَهُ بِالصِّغَرِ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ ، فَيَبْعُدُ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَصْغَرُنَا أَيْ : فِي الْحَالِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ . وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ الَّذِي فِي آخِرِ الْكِتَابِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَاتَّبَعَهُ جَابِرٌ بِإِدَاوَةٍ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ الْمُبْهَمُ ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ فَأَتْبَعُهُ وَأَنَا غُلَامٌ بِتَقْدِيمِ الْوَاوِ فَتَكُونُ حَالِيَّةً ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَا وَغُلَامٌ أَيْ : بِوَاوِ الْعَطْفِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ حُمِلَ مَعَهُ الْمَاءُ لِطُهُورِهِ · ص 302 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من حمل معه الماء لطهوره · ص 290 باب من حمل معه الماء لطهوره أي : هذا باب في بيان من حمل معه الماء لأن يتطهر به ، والطهور هاهنا بضم الطاء ؛ لأن المراد به هو الفعل الذي هو المصدر ، وأما الطهور ، بفتح الطاء فهو اسم للماء الذي يتطهر به ، وقد حكي الفتح فيهما ، وكذا حكي الضم فيهما ولكن بالضم هاهنا ، كما ذكرنا على اللغة المشهورة ، وفي بعض النسخ لطهور بدون الضمير في آخره ، والطهارة في اللغة النظافة والتنزه ، وجه المناسبة بين البابين ظاهر لا يخفى . وقال أبو الدرداء : أليس فيكم صاحب النعلين والطهور والوساد هذا تعليق أخرجه موصولا في المناقب : حدثنا موسى عن أبي عوانة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، دخلت الشام فصليت ركعتين ، فقلت : اللهم يسر لي جليسا صالحا ، فرأيت شيخا مقبلا ، فلما دنا قلت : أرجو أن يكون استجاب ، قال : ممن أنت . قلت : من أهل الكوفة ، قال : أفلم يكن فيكم صاحب النعلين والوساد والمطهرة ، الحديث ، وأراد بإخراج طرف هذا الحديث هاهنا مع حديث أنس رضي الله عنه التنبيه على ما ترجم عليه من حمل الماء إلى الكنيف لأجل التطهر ، وأبو الدرداء اسمه عويمر بن مالك بن عبد الله بن قيس ويقال : عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري ، من أفاضل الصحابة ، وفرض له عمر رضي الله عنه رزقا فألحقه بالبدريين لجلالته ، وولي قضاء دمشق في خلافة عثمان رضي الله عنه ، مات سنة إحدى أو اثنين وثلاثين ، وقبره بالباب الصغير بدمشق . قوله : « أليس فيكم » الخطاب فيه لأهل العراق ، ويدخل فيه علقمة بن قيس قال لهم حين كانوا يسألونه مسائل وأبو الدرداء كان يكون بالشام ، أي : لم لا تسألون من عبد الله بن مسعود هو في العراق وبينكم لا يحتاج العراقيون مع وجوده إلى أهل الشام وإلى مثلي ، قوله : « صاحب النعلين » أي : صاحب نعلي رسول الله - عليه الصلاة والسلام - ؛ لأن عبد الله كان يلبسهما إياه إذا قام ؛ فإذا جلس أدخلهما في ذراعيه ، وإسناد النعلين إليه مجاز لأجل الملابسة ، وفي الحقيقة صاحب النعلين هو رسول الله - عليه الصلاة والسلام - . قوله : « والطهور » هو بفتح الطاء لا غير قطعا ؛ إذ المراد صاحب الماء الذي يتطهر به رسول الله - عليه الصلاة والسلام - ، قوله : « والوساد » بكسر الواو وبالسين المهملة ، وفي آخره دال ، وفي المطالع قوله : « صاحب الوساد والمطهرة » يعني عبد الله بن مسعود ، كذا في البخاري من غير خلاف في كتاب الطهارة ، وفي رواية مالك بن إسماعيل ، ويروى الوسادة أو السواد ، بكسر السين ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يمشي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث انصرف ويخدمه ويحمل مطهرته وسواكه ونعليه وما يحتاج إليه ، فلعله أيضا كان يحمل وسادة إذا احتاج إليه ، وأما أبو عمر ؛ فإنه يقول كان يعرف بصاحب السواد ، أي : صاحب السر لقوله آذنك على أن ترفع الحجاب وتسمع سوادي انتهى كلامه . وقال الكرماني : ولعل السواد والوسادة هما بمعنى واحد ، وكأنهما من باب القلب ، والمقصود منه أنه رضي الله عنه صاحب الأسرار يقال ، ساودته مساودة وسوادا ، أي : ساررته ، وأصله إدناء سوادك من سواده ، وهو الشخص ، ويحتمل أن يحمل على معنى المخدة لكنه لم يثبت . قلت : تصرف اللفظ على احتمال معاني لا يحتاج إلى الثبوت ، وقال الصغاني : ساودت الرجل ، أي : ساررته ، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود رضي الله عنه آذنك على أن ترفع الحجاب وتسمع سوادي حتى أنهاك ، أي : سراري ، وهو من إدناء السواد من السواد ، أي : الشخص من الشخص ، وقال : والوساد والوسادة المخدة ، والجمع وسد ووسائد .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من حمل معه الماء لطهوره · ص 291 17 - حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا شعبة ، عن أبي معاذ ، هو عطاء بن أبي ميمونة قال : سمعت أنسا يقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام منا معنا إداوة من ماء . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) وهم أربعة ذكروا جميعا ، وحرب ، بفتح الحاء المهملة وسكون الراء ، وفي آخره باء موحدة . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع ، ومنها أن رواته كلهم بصريون ، ومنها أنه من رباعيات البخاري ، وقد ذكرنا في الباب السابق تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره . ( بيان اللغات والإعراب والمعنى ) . قوله : « تبعته » قال ابن سيده : تبع الشيء تبعا وتباعا ، وأتبعه واتبعه وتبعه قفاه ، وقيل : اتبع الرجل سبقه فلحقه ، وتبعه تبعا وأتبعه مر به فمضى معه ، وفي التنزيل ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ومعناه تبع ، وقرأ أبو عمرو ( ثم اتبع سببا ) أي لحق وأدرك ، واستتبعه طلب إليه أن يتبعه ، والجمع تبع وتباع وتبعة ، وحكى القزاز أن أبا عمرو قرأ ( ثم اتبع سببا ) ، والكسائي ( ثم اتبع سببا ) يريد الحق وأدرك ، وذكر أن تبعه واتبعه بمعنى واحد ، وكذا ذكر في الغريبين ، وفي الأفعال لابن طريف المشهور : تبعته سرت في أثره ، واتبعته لحقته ، وكذلك فسر في التنزيل فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ أي : لحقوهم ، وفي الصحاح : تبعت القوم تباعا وتباعا وتباعة بالفتح إذا مشيت أو مروا بك فمضيت معهم ، وقال الأخفش : تبعته واتبعته بمعنى ، مثل ردفته وأردفته ، قوله : « يقول » جملة في محل النصب على الحال ، وإنما ذكر بلفظ المضارع مع أن حق الظاهر أن يكون بلفظ الماضي لإرادة استحضار صورة القول تحقيقا وتأكيدا له ، كأنه يبصر الحاضرين ذلك ، قوله : « إذا خرج » أي : من بيته أو من بين الناس لحاجته ، أي : للبول أو الغائط . فإن قلت : إذا للاستقبال ، وإن دخل للمضي ، فكيف يصح هاهنا ؟ إذ الخروج مضى ووقع . قلت : هو هاهنا لمجرد الظرفية ، فيكون معناه تبعته حين خرج أو هو حكاية للحال الماضية ، قوله : « تبعته » جملة في محل النصب على أنها خبر كان ، وقد مر الكلام في بقية الإعراب في الباب السابق ، قوله : « منا » أي : من الأنصار ، وبه صرح في رواية الإسماعيلي ، وقال الكرماني : أي : من قومنا أو من خواص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو من جملة المسلمين . قلت : الكل بمعنى واحد ؛ لأن قوم أنس هم الأنصار ، وهم من خواص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومن جملة المسلمين ، وقال بعضهم : وإيراد المصنف لحديث أنس مع هذا الطرف من حديث أبي الدرداء يشعر إشعارا قويا بأن الغلام المذكور في حديث أنس هو ابن مسعود ، ولفظ الغلام يطلق على غير الصغير مجازا ، وعلى هذا قول أنس وغلام منا ، أي : من الصحابة أو من خدم النبي - صلى الله عليه وسلم - . قلت : فيما قاله محذوران ، أحدهما : ارتكاب المجاز من غير داع ، والآخر : مخالفته لما ثبت في صريح رواية الإسماعيلي ، ومن أقوى ما يرد كلامه أن أنسا رضي الله تعالى عنه وصف الغلام بالصغر في رواية أخرى ، فكيف يصح أن يكون المراد هو ابن مسعود ؟ ولكن روى أبو داود من حديث أبي هريرة قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة ، فاستنجى ، فيحتمل أن يفسر به الغلام المذكور في حديث أنس رضي الله تعالى عنه ، ومع هذا هو احتمال بعيد لمخالفته رواية الإسماعيلي ؛ لأنه نص فيها أنه من الأنصار ، وأبو هريرة ليس منهم ، ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق عاصم بن علي عن شعبة فأتبعه وأنا غلام بصورة الجملة الاسمية الواقعة حالا بالواو ، ولكن الصحيح أنا وغلام بواو العطف . والله أعلم .