4 - بَاب مَنْ قَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمُحْصَرِ بَدَلٌ وَقَالَ رَوْحٌ : عَنْ شِبْلٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : إِنَّمَا الْبَدَلُ عَلَى مَنْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ ، فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُذْرٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَلَا يَرْجِعُ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَهُوَ مُحْصَرٌ نَحَرَهُ إِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ ، وَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ . وَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ : يَنْحَرُ هَدْيَهُ وَيَحْلِقُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا وَحَلَقُوا وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْهَدْيُ إِلَى الْبَيْتِ ، ثُمَّ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا وَلَا يَعُودُوا لَهُ ، وَالْحُدَيْبِيَةُ خَارِجٌ مِنْ الْحَرَمِ . 1813 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ : إِنْ صُدِدْتُ عَنْ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ . ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ : مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ . ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا ، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِئ عَنْهُ ، وَأَهْدَى . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمُحْصَرِ بَدَلٌ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ ، أَيْ : قَضَاءٌ لِمَا أَحُصِرَ فِيهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ رَوْحٌ ) يَعْنِي : ابْنَ عُبَادَةَ ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ رَوْحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُرَادُهُ بِالتَّلَذُّذِ وَهُوَ بِمُعْجَمَتَيْنِ الْجِمَاعُ . وَقَوْلُهُ : حَبَسَهُ عُذْرٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ حَبَسَهُ عَدُوٌّ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفِي آخِرِهِ وَاوٌ . وَقَوْلُهُ : أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ أَيْ : مِنْ مَرَضٍ أَوْ نَفَادِ نَفَقَةٍ . وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ هَذَا بِإِسْنَادٍ آخَرَ . أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ، وَفِيهِ فَإِنْ كَانَتْ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ الْفَرِيضَةِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : وَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ هَذِهِ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ : يَذْبَحُ الْمُحْصَرُ الْهَدْيَ حَيْثُ يَحِلُّ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَذْبَحُهُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ ، وَفَصَّلَ آخَرُونَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ هُنَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ . وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ هَلْ نَحَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ ، وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ : لَمْ يَنْحَرْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَّا فِي الْحَرَمِ ، وَوَافَقَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي : إِنَّمَا نَحَرَ فِي الْحِلِّ . وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ مِنْ طَرِيقِ مُجَمِّعِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ نَحَرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقُوا ، وَبَعَثَ اللَّهُ رِيحًا فَحَمَلَتْ شُعُورَهُمْ فَأَلْقَتْهَا فِي الْحَرَمِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ حَلَقُوا فِي الْحِلِّ . قُلْتُ : وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ مَا حَلَقُوا فِي الْحَرَمِ لِمَنْعِهِمْ مِنْ دُخُولِهِ أَنْ لَا يَكُونُوا أَرْسَلُوا الْهَدْيَ مَعَ مَنْ نَحَرَهُ فِي الْحَرَمِ ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ نَاجِيَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيِّ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ابْعَثْ مَعِي بِالْهَدْيِ حَتَّى أَنْحَرَهُ فِي الْحَرَمِ ، فَفَعَلَ . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ مَجْزَأَةَ بْنِ زَاهِرٍ ، عَنْ نَاجِيَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْرَائِيلَ ، لَكِنْ قَالَ : عَنْ نَاجِيَةَ عَنْ أَبِيهِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ هَذَا وُجُوبُهُ ، بَلْ ظَاهِرُ الْقِصَّةِ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ نَحَرَ فِي مَكَانِهِ وَكَانُوا فِي الْحِلِّ ، وَذَلِكَ دَالٌّ عَلَى الْجَوَازِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ ) هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَفْظُهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَنَحَرُوا الْهَدْيَ وَحَلَقُوا رُءُوسَهُمْ وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْهَدْيُ ، ثُمَّ لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا ، وَلَا أَنْ يَعُودُوا لِشَيْءٍ . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ أَحُصِرَ بِعَدُوٍّ فَقَالَ : يَحِلُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ ، وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ حَيْثُ حُبِسَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ . وَأَمَّا قَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ ، فَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ عَنَى بِهِ الشَّافِعِيَّ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي آخِرِهِ : وَالْحُدَيْبِيَةُ خَارِجُ الْحَرَمِ هُوَ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ ، وَعَنْهُ أَنَّ بَعْضَهَا فِي الْحِلِّ وَبَعْضَهَا فِي الْحَرَمِ ، لَكِنْ إِنَّمَا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحِلِّ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ قَالَ : وَمَحِلُّ الْهَدْيِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ الْحَرَمُ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ صَدُّوهُمْ عَنْ ذَلِكَ . قَالَ : فَحَيْثُمَا أُحْصِرَ ذَبَحَ وَحَلَّ ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً ، وَالَّذِي أَعْقِلُهُ فِي أَخْبَارِ أَهْلِ الْمَغَازِي شَبِيهٌ بِمَا ذَكَرْتُ لِأَنَّا عَلِمْنَا مِنْ مُتَوَاطِئِ أَحَادِيثِهِمْ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ رِجَالٌ مَعْرُوفُونَ ، ثُمَّ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ فَتَخَلَّفَ بَعْضُهُمْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فِي نَفْسٍ وَلَا مَالٍ ، وَلَوْ لَزِمَهُمُ الْقَضَاءُ لَأَمَرَهُمْ بِأَنْ لَا يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ وَالْقَضِيَّةِ لِلْمُقَاضَاةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ قُرَيْشٍ ، لَا عَلَى أَنَّهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ قَضَاءُ تِلْكَ الْعُمْرَةِ ، انْتَهَى . وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ وَغَيْرِهِمَا قَالُوا : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ أَنْ يَعْتَمِرُوا فَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ قُتِلَ بِخَيْبَرَ أَوْ مَاتَ ، وَخَرَجَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مُعْتَمِرِينَ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدِ الْحُدَيْبِيَةَ وَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ أَلْفَيْنِ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا إِنْ صَحَّ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بِأَنَّ الْأَمْرَ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ جَازِمٌ بِأَنَّ جَمَاعَةً تَخَلَّفُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْعُمْرَةُ قَضَاءً ، وَلَكِنْ كَانَ شَرْطًا عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يَعْتَمِرَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قَابِلٍ فِي الشَّهْرِ الَّذِي صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ طَافَ لَهُمَا ) أَيْ : لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ : إِنَّهُ يَجِبُ لَهُمَا طَوَافَانِ . قَوْلُهُ : ( وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ أَنَّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : مُجْزِيًا فَقِيلَ : هُوَ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَنْصِبُ بِـ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ ، أَوْ هِيَ خَبَرُ كَانَ الْمَحْذُوفَةِ . وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ مِنْ خَطَأِ الْكَاتِبِ ، فَإِنَّ أَصْحَابَ الْمُوَطَّأِ اتَّفَقُوا عَلَى رِوَايَتِهِ بِالرَّفْعِ عَلَى الصَّوَابِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمُحْصَرِ بَدَلٌ · ص 14 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من قال ليس على المحصر بدل · ص 148 ( باب من قال : ليس على المحصر بدل ) أي هذا باب في بيان قول من قال : ليس على المحصر بدل ، أي عوض ، أي قضاء لما أحصر فيه من حج أو عمرة . ( وقال روح عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما : إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع ، وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به ، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله ) . مطابقته للترجمة في قوله ( إنما البدل على من نقص حجه ) ، وروح بفتح الراء وسكون الواو ابن عبادة بضم العين وتخفيف الباء الموحدة ، وشبل بكسر الشين المعجمة ابن عباد بفتح العين ، المكي تلميذ ابن كثير في القراءة ، وكان قدريا ، وابن أبي نجيح هو عبد الله بن أبي نجيح بفتح النون ، وقد مر غير مرة . وهذا التعليق وصله إسحاق بن راهويه في تفسيره عن روح بهذا الإسناد ، وهو موقوف على ابن عباس . قوله ( بالتلذذ ) أي بالجماع ؛ قوله ( عذر ) بضم العين وسكون الذال المعجمة ، هكذا وقع في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر "عدو" من العداوة ؛ قال الكرماني : العذر الوصف الطارئ على المكلف المناسب للتسهيل عليه ، ولعله أراد به هاهنا نوعا منه كالمرض ليصح عطف أو غير ذلك عليه نحو نفاد نفقته أو سرقتها ؛ قوله ( ولا يرجع ) أي : ولا يقضي ، وهذا في النفل إذ الفريضة باقية في ذمته كما كانت ، وعليه أن يرجع لأجلها في سنة أخرى ، وقد روي عن ابن عباس نحو هذا رواه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه ، وفيه : " فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها ، وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه " . قال الكرماني : فإن قلت : ما الفرق بين حج النفل الذي يفسد بالجماع فإنه يجب قضاؤه ، والنفل الذي يفوت عنه بسبب الإحصار ؟ قلت : ذلك بتقصيره وهذا بدون تقصيره ، وعند أبي حنيفة إذا تحلل المحصر لزمه القضاء سواء كان نفلا أو فرضا ، وهذه مسألة اختلاف بين الصحابة ومن بعدهم ، فقال الجمهور : يذبح المحصر الهدي حيث يحل سواء كان في الحل أو الحرم ، وقال أبو حنيفة : لا يذبحه إلا في الحرم ، وفصل الآخرون كما قاله ابن عباس هنا . فإن قلت : ما سبب الاختلاف في ذلك ؟ قلت : منشأ الاختلاف فيه هل نحر النبي صلى الله عليه وسلم الهدي بالحديبية في الحل أو في الحرم ، وكان عطاء يقول لم ينحر يوم الحديبية إلا في الحرم ، ووافقه ابن إسحاق ، وقال غيره من أهل المغازي : إنما نحر في الحل ، وأبو حنيفة أخذ بقول عطاء ، وفي الاستذكار قال عطاء وابن إسحاق : لم ينحر صلى الله عليه وسلم هديه يوم الحديبية إلا في الحرم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من قال ليس على المحصر بدل · ص 149 ( وقال مالك وغيره : ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان ، ولا قضاء عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل شيء قبل الطواف ، وقبل أن يصل الهدي إلى البيت ، ثم لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحدا أن يقضوا شيئا ، ولا يعودوا له ، والحديبية خارج الحرم ) . الذي قال مالك مذكور في موطئه ولفظه : " أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل هو وأصحابه بالحديبية ، فنحروا الهدي ، وحلقوا رؤوسهم ، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت ، وقبل أن يصل إليه الهدي " ، ثم لم نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ، ولا أن يعودوا لشيء ؛ قوله ( وغيره ) أي غير مالك ، قال بعضهم : الذي يظهر لي أنه عنى به الشافعي ؛ لأن قوله في آخره : ( والحديبية خارج الحرم ) هو كلام الشافعي في الأم ، انتهى . قلت : قوله ( والحديبية خارج الحرم ) لا يدل على أن المراد من الغير هو الشافعي ؛ لأن الشافعي نقل عنه أيضا أن بعض الحديبية في الحل وبعضها في الحرم ، فإذا كان كذلك كيف يجوز أن يترك الموضع الذي من الحرم من الحديبية وينحر في الحل ؟ والحال أن بلوغ الكعبة صفة للهدي في قوله تعالى : هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ وقد قال ابن أبي شيبة في مصنفه : حدثنا أبو أسامة عن أبي عميس عن عطاء قال : كان منزل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية في الحرم ، فإذا كان منزل النبي صلى الله عليه وسلم في الحرم ، كيف ينحر هديه في الحل ؟ وهذا محال قوله ( في أي موضع كان ) ، ويروى : " في أي المواضع" ، وقال الكرماني : كان أي الحصر لا الحلق . قلت : إنما فسر بهذا لأجل مذهبه ، وليس كذلك ، بل الضمير في كان يرجع إلى الحلق الذي يدل عليه قوله " ويحلق " . قوله ( ولا يعودوا له ) كلمة لا زائدة كقوله تعالى : مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ ؛ قوله ( والحديبية خارج الحرم ) ؛ قال الكرماني : هذه الجملة يحتمل أن تكون من تتمة كلام مالك ، وأن تكون من كلام البخاري ، وغرضه الرد على من قال : لا يجوز النحر حيث أحصر ، بل يجب البعث إلى الحرم ، فلما ألزموا بنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم أجابوا بأن الحديبية إنما هي من الحرم فرد ذلك عليهم ، انتهى . قلت : هذه الجملة سواء كانت من كلام مالك أو من كلام البخاري لا تدل على غرضه ؛ لأن كون الحديبية خارج الحرم ليس مجمعا عليه ، وقد روى الطحاوي من حديث الزهري عن عروة " عن المسور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالحديبية خباؤه في الحل ، ومصلاه في الحرم " ، ولا يجوز في قول أحد من العلماء لمن قدر على دخول شيء من الحرم أن ينحر هديه دون الحرم . وروى البيهقي من حديث يونس عن الزهري عن عروة بن الزبير عن مروان ، والمسور بن مخرمة قالا : " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه " ... الحديث بطوله ، وفيه : " وكان مضطربه في الحل ، وكان يصلي في الحرم " ، انتهى ؛ قلت : المضطرب هو البناء الذي يضرب ويقام على أوتاد مضروبة في الأرض ، والخباء بكسر الخاء بيت من صوف أو وبر ، والجمع أخبية ، وإذا كان من شعر يسمى بيتا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من قال ليس على المحصر بدل · ص 150 389 - ( حدثنا إسماعيل قال : حدثني مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال حين خرج إلى مكة معتمرا في الفتنة : إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأهل بعمرة من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أهل بعمرة عام الحديبية ، ثم إن عبد الله ابن عمر نظر في أمره فقال : ما أمرهما إلا واحد ، فالتفت إلى أصحابه فقال : ما أمرهما إلا واحد ، أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة ، ثم طاف لهما طوافا واحدا ، ورأى أن ذلك مجزيا عنه ، وأهدى ) . قيل : مطابقته للترجمة غير ظاهرة لأنه ليس في لفظه ما يدل على الترجمة . قلت : لما كانت قصة صده صلى الله تعالى عليه وسلم بالحديبية مشهورة وأنهم لم يؤمروا بالقضاء في ذلك ، علم من ذلك أن البدل لا يلزم المحصر ، وهذا القدر كاف في المطابقة ، وهذا الحديث وما فيه من المباحث قد مرا في باب إذا أحصر المعتمر . قوله ( ثم طاف لهما ) أي للحج والعمرة ؛ قوله ( مجزئا عنه ) بضم الميم من الإجزاء ، وهو الأداء الكافي لسقوط التعبد ، ومجزئا بالنصب رواية كريمة ، ووجهه أن يكون خبر كان محذوفا ، وفي رواية أبي ذر وغيره مجزئ بالرفع على أنه خبر أن ، وقال بعضهم : والذي عندي أن النصب من خطأ الكاتب ، فإن أصحاب الموطأ اتفقوا على روايته بالرفع على الصواب . قلت : نسبة الكاتب إلى الخطأ خطأ ، وإنما يكون خطأ لو لم يكن له وجه في العربية ، واتفاق أصحاب الموطأ على الرفع لا يستلزم كون النصب خطأ على أن دعوى اتفاقهم على الرفع لا دليل لها .