5 - بَاب مَنْ رَغِبَ عَنْ الْمَدِينَةِ 1874 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : تتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ ، لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِ يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ ، وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا ، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ رَغِبَ عَنِ الْمَدِينَةِ ) أَيْ : فَهُوَ مَذْمُومٌ ، أَوْ بَابُ حُكْمِ مَنْ رَغِبَ عَنْهَا . قَوْلُهُ : ( تَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَاءِ الْخِطَابِ ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ غَيْرُ الْمُخَاطَبِينَ ، لَكِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ أَوْ مِنْ نَسْلِ الْمُخَاطَبِينَ أَوْ مِنْ نَوْعِهِمْ ، وَرُوِيَ يَتْرُكُونَ بِتَحْتَانِيَّةٍ ، وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ ) أَيْ : عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ : وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ حَيْثُ صَارَتْ مَعْدِنَ الْخِلَافَةِ وَمَقْصِدَ النَّاسِ وَمَلْجَأَهُمْ ، وَحُمِلَتْ إِلَيْهَا خَيْرَاتُ الْأَرْضِ وَصَارَتْ مِنْ أَعْمَرِ الْبِلَادِ ، فَلَمَّا انْتَقَلَتِ الْخِلَافَةُ عَنْهَا إِلَى الشَّامِ ثُمَّ إِلَى الْعِرَاقِ وَتَغَلَّبَتْ عَلَيْهَا الْأَعْرَابُ تَعَاوَرَتْهَا الْفِتَنُ وَخَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا فَقَصَدَتْهَا عَوَافِي الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ . وَالْعَوَافِي جَمْعُ عَافِيَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَطْلُبُ أَقْوَاتِهَا ، وَيُقَالُ لِلذَّكَرِ عَافٍ . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : اجْتَمَعَ فِي الْعَوَافِي شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهَا طَالِبَةٌ لِأَقْوَاتِهَا مِنْ قَوْلِكَ عَفَوْتُ فُلَانًا أَعْفُوهُ فَأَنَا عَافٍ ، وَالْجَمْعُ عُفَاةٌ ، أَيْ : أَتَيْتُ أَطْلُبُ مَعْرُوفَهُ ، وَالثَّانِي مِنَ الْعَفَاءِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْخَالِي الَّذِي لَا أَنِيسَ بِهِ ، فَإِنَّ الطَّيْرَ وَالْوَحْشَ تَقْصِدُهُ لِأَمْنِهَا عَلَى نَفْسِهَا فِيهِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُخْتَارُ أَنَّ هَذَا التَّرْكَ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ الرَّاعِيَيْنِ ، فَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : ثُمَّ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُمَا آخِرُ مَنْ يُحْشَرُ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ حَمَاسٍ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَتَخْفِيفٍ ، عَنْ عَمِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : لَتَتْرُكُنَّ الْمَدِينَةَ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ حَتَّى يَدْخُلَ الذِّئْبُ فَيَعْوِيَ عَلَى بَعْضِ سَوَارِي الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى الْمِنْبَرِ . قَالُوا : فَلِمَنْ تَكُونُ ثِمَارُهَا؟ قَالَ : لِلْعَوَافِي : الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ . أَخْرَجَهُ مَعْنُ بْنُ عِيسَى فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا مَا رَوَى أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَاجَةٍ ، ثُمَّ لَقِيَنِي وَأَنَا خَارِجٌ مِنْ بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ ، فَأَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَتَيْنَا أُحُدًا ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ : وَيْلَ أُمِّهَا قَرْيَةٌ يَوْمَ يَدَعُهَا أَهْلُهَا كَأَيْنَعِ مَا يَكُونُ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ يَأْكُلُ ثِمَارَهَا؟ قَالَ : عَافِيَةُ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ . وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْجِدَ ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا فَقَالَ : أَمَا وَاللَّهِ لَيَدَعَنَّهَا أَهْلُهَا مُذَلَّلَةً أَرْبَعِينَ عَامًا لِلْعَوَافِي ، أَتَدْرُونَ مَا الْعَوَافِي؟ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ . قُلْتُ : وَهَذَا لَمْ يَقَعْ قَطْعًا . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَدِينَةَ تُسْكَنُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنْ خَلَتْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِقَصْدِ الرَّاعِيَيْنِ بِغَنَمِهِمَا إِلَى الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ : ( وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ ) هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثًا آخَرَ مُسْتَقِلًّا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالَّذِي قَبْلَهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَتِمَّةِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَعَلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ يَتَرَتَّبُ الِاخْتِلَافُ الَّذِي حَكَيْتُهُ عَنِ الْقُرْطُبِيِّ ، وَالنَّوَوِيِّ ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ . قَوْلُهُ : ( يَنْعِقَانِ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا قَافٌ ، النَّعِيقُ زَجْرُ الْغَنَمِ ، يُقَالُ نَعَقَ يَنْعِقُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا نَعِيقًا وَنُعَاقًا وَنَعَقَانًا إِذَا صَاحَ بِالْغَنَمِ ، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : مَعْنَاهُ يَطْلُبُ الْكَلَأَ ، وَكَأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالْمَقْصُودِ مِنَ الزَّجْرِ ؛ لِأَنَّهُ يَزْجُرُهَا عَنِ الْمَرْعَى الْوَبِيلِ إِلَى الْمَرْعَى الْوَسِيمِ . قَوْلُهُ : ( فَيَجِدَانِهَا وُحُوشًا ) أَوْ يَجِدَانِهَا ذَاتَ وَحْشٍ ، أَوْ يَجِدَانِ أَهْلَهَا قَدْ صَارُوا وُحُوشًا ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ : يَجِدَانِهَا خَالِيَةً ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا ، أَيْ : خَالِيَةً لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ ، وَالْوَحْشُ مِنَ الْأَرْضِ الْخَلَاءُ ، أَوْ كَثْرَةُ الْوَحْشِ لَمَّا خَلَتْ مِنْ سُكَّانِهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ يَجِدَانِهَا ذَاتَ وُحُوشٍ ، قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ وَحْشًا بِمَعْنَى وُحُوشٍ ، وَأَصْلُ الْوَحْشِ كُلُّ شَيْءٍ تَوَحَّشَ مِنَ الْحَيَوَانِ وَجَمْعُهُ وُحُوشٌ ، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِوَاحِدِهِ عَنْ جَمْعِهِ . وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْمُرَابِطِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ غَنَمَ الرَّاعِيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ تَصِيرُ وُحُوشًا ، إِمَّا بِأَنْ تَنْقَلِبَ ذَاتُهَا ، وَإِمَّا أَنْ تَتَوَحَّشَ وَتَنْفِرَ مِنْهُمَا ، وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي يَجِدَانِهَا يَعُودُ عَلَى الْغَنَمِ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّوَابُ الْأَوَّلُ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْقُدْرَةُ صَالِحَةٌ لِذَلِكَ . انْتَهَى . وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا يَخِرَّانِ عَلَى وُجُوهِهِمَا إِذَا وَصَلَا إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ ، وَذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِهِمَا الْمَدِينَةَ بِلَا شَكٍّ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا وَجَدَا التَّوَحُّشَ الْمَذْكُورَ قَبْلَ دُخُولِ الْمَدِينَةِ فَيَقْوَى أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى غَنَمِهِمَا ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ قِيَامِ السَّاعَةِ . وَيُوَضِّحُ هَذَا رِوَايَةُ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَشْجَعَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا قَالَ : آخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَجُلَانِ : رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَآخَرُ مِنْ جُهَيْنَةَ ، فَيَقُولَانِ : أَيْنَ النَّاسُ؟ فَيَأْتِيَانِ الْمَدِينَةَ فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا الثَّعَالِبَ ، فَيَنْزِلُ إِلَيْهِمَا مَلَكَانِ فَيَسْحَبَانِهِمَا عَلَى وُجُوهِهِمَا حَتَّى يُلْحِقَاهُمَا بِالنَّاسِ . قَوْلُهُ : وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ حَشْرَهُمَا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُقَدِّمَتَهُ ؛ لِأَنَّ الْحَشْرَ إِنَّمَا يَقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَذَكَرَ سَبَبَ مَوْتِهِمَا وَالْحَشْرُ يَعْقُبُهُ . وَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا : خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا أَيْ : سَقَطَا مَيِّتَيْنِ ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا أَيْ : سَقَطَا بِمَنْ أَسْقَطَهُمَا ، وَهُوَ الْمَلَكُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْعُقَيْلِيِّ : أَنَّهُمَا كَانَا يَنْزِلَانِ بِجَبَلِ وَرْقَانَ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ : أَنَّهُمَا يَفْقِدَانِ النَّاسَ فَيَقُولَانِ : نَنْطَلِقُ إِلَى بَنِي فُلَانٍ ، فَيَأْتِيَانِهِمْ فَلَا يَجِدَانِ أَحَدًا فَيَقُولَانِ : نَنْطَلِقُ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَيَنْطَلِقَانِ فَلَا يَجِدَانِ بِهَا أَحَدًا ، فَيَنْطَلِقَانِ إِلَى الْبَقِيعِ فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا السِّبَاعَ وَالثَّعَالِبَ وَهَذَا يُوَضِّحُ أَحَدَ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ آخِرُ قَرْيَةٍ فِي الْإِسْلَامِ خَرَابًا الْمَدِينَةُ وَهُوَ يُنَاسِبُ كَوْنَ آخِرِ مَنْ يُحْشَرُ يَكُونُ مِنْهَا . ( تَنْبِيهٌ ) : أَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ تَعْبِيرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ : خَيْرِ مَا كَانَتْ وَقَالَ : إِنَّ الصَّوَابَ أَعْمَرِ مَا كَانَتْ ، أَخْرَجَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ مُسَاحِقِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ لَهُ : لِمَ تَرُدُّ عَلَيَّ حَدِيثِي؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِي بَيْتٍ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْرُجُ مِنْهَا أَهْلُهَا خَيْرَ مَا كَانَتْ . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَجَلْ وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ : خَيْرَ مَا كَانَتْ ، إِنَّمَا قَالَ : أَعْمَرَ مَا كَانَتْ ، وَلَوْ قَالَ : خَيْرَ مَا كَانَتْ لَكَانَ ذَلِكَ وَهُوَ حَيٌّ وَأَصْحَابُهُ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : صَدَقْتَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّنْ يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَلِعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قِيلَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَنْ يُخْرِجُهُمْ؟ قَالَ : أُمَرَاءُ السُّوءِ
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ رَغِبَ عَنْ الْمَدِينَةِ · ص 107 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من رغب عن المدينة · ص 236 ( باب من رغب عن المدينة ) أي : هذا باب في بيان حال من رغب : أي أعرض عن المدينة ، وجواب من محذوف تقديره فهو مذموم ونحوه . 446 - حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العواف ، يريد عوافي السباع والطير ، وآخر من يحشر راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشا حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما . مطابقته للترجمة في قوله : " تتركون المدينة " فإن تركهم رغبة عنها . ورجاله قد ذكروا غير مرة وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن حمزة الحمصي ، والزهري محمد بن مسلم . والحديث أخرجه مسلم من طريق يونس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " للمدينة ليتركنها أهلها على خير ما كانت مذللة للعواف " ، يعني السباع ، والطير ، ومن رواية عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب أنه قال : أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " تتركون المدينة " إلى آخره نحو رواية البخاري غير أنها في روايته " ثم يخرج راعيان من مزينة ينعقان بغنمها " ، قوله : " تتركون " بتاء المخاطب في رواية الأكثرين ، والمراد بذلك غير المخاطبين لكنهم من أهل البلد ، ومن نسل المخاطبين ، وقيل نوع المخاطبين من أهل المدينة ، ويروى يتركون بياء الغيبة ، ورجحه القرطبي . قوله : " على خير ما كانت " : أي على أحسن حالة كانت عليه من قبل ، يعني أعمرها وأكثرها ثمارا ، قوله : " لا يغشاها " : أي لا يقربها ولا يأتيها إلا العواف جمع عافية ، وهي طلاب الرزق من الدواب والطير ، وقال ابن سيده : العافية والعفاة والعفاء الأضياف وطلاب المعروف ، وقيل : هم الذين يعفونك : أي يأتونك يطلبون ما عندك ، والعافي أيضا الرائد والوارد ؛ لأن ذلك كله طلب . قوله : " يريد عوافي الطير والسباع " تفسير لقوله : العواف ، وقال ابن الجوزي : اجتمع في العوافي شيئان : أحدهما أنها طالبة لأقواتها من قولك : عفوت فلانا أعفوه ، فأنا عاف ، والجمع عفاة : أي أتيت أطلب معروفه ، والثاني : من العفاء وهو الموضع الخالي الذي لا أنيس به ، فإن الطير والوحش تقصده لأمنها على نفسها فيه ، وقال عياض : وقد وجد ذلك حيث صارت : أي المدينة معدن الخلافة ، ومقصد الناس ، وملجأهم ، وحملت إليها خيرات الأرض ، وصارت من أعمر البلاد ، فلما انتقلت الخلافة منها إلى الشام ، ثم إلى العراق ، وتغلبت عليها الأعراب ، وتعاورتها الفتن ، وخلت من أهلها فقصدتها عوافي الطير والسباع ، وذكر الإخباريون أنها خلت من أهلها في بعض الفتن التي جرت بالمدينة ، وبقيت ثمارها للعوافي كما قال - صلى الله عليه وسلم - : وخلت مدة ، ثم تراجع الناس إليها ، وفي حال خلوها عدت الكلاب على سواري المسجد ، وعن مالك حتى يدخل الكلب أو الذئب فيعوي على بعض سواري المسجد ، وقال عياض : هذا مما جرى في العصر الأول وانقضى ، وهذا من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - وقال النووي : المختار أن هذا الترك يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة ، ويوضحه قصة الراعيين فقد وقع عند مسلم بلفظ : " ثم يحشر راعيان " ، وفي البخاري أنهما آخر من يحشر ، ويؤيد هذا ما رواه أحمد والحاكم وغيرهما من حديث محجن بن الأدرع الأسلمي قال : " بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - لحاجة ثم لقيني وأنا خارج من بعض طرق المدينة ، فأخذ بيدي حتى أتينا أحدا ، ثم أقبل على المدينة فقال : ويل أمها قرية يوم يدعها أهلها كأينع ما يكون ، قلت : يا رسول الله ، من يأكل ثمرها ؟ قال : عافية الطير والسباع " . وروى عمر بن شبة بإسناد صحيح : " عن عوف بن مالك قال : دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد ، ثم نظر إلينا ، فقال : أما والله لتدعنها مذللة أربعين عاما للعوافي أتدرون ما العوافي ؟ الطير والسباع " ، انتهى ، وهذا لم يقع قطعا قال المهلب في هذا الحديث أن المدينة تسكن إلى يوم القيامة ، وإن خلت في بعض الأوقات يقصد الراعيان بغنمهما إلى المدينة ، قوله : " وآخر من يحشر راعيان " : أي يساق ويجلى من الوطن ، قوله : " من مزينة " بضم الميم وفتح الزاي قبيلة من مضر ، وفي التلويح : ( فإن قيل ) : فما معنى قوله : " آخر من يحشر راعيان " ، ولم يذكر حشرهما ، وإنما قال : " يخران على وجوههما أمواتا " ، فالجواب أنه لا يحشر أحد إلا بعد الموت ، فهما آخر من يموت بالمدينة ، وآخر من يحشر بعد ذلك ، وفي أخبار المدينة لأبي زيد بن عمر بن شبة ، عن أبي هريرة قال : " آخر من يحشر رجلان : رجل من مزينة ، وآخر من جهينة ، فيقولان : أين الناس ؟ فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعالب ، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس " ، قوله : " ينعقان بغنمهما " من النعق وهو دعاء الراعي الشاء ، قاله الأزهري عن الفراء وغيره يقال : أنعق بضأنك : أي ادعها وقد نعق الراعي بها نعيقا ، وفي الموعب نعيقا ونعاقا إذا صاح بها الراعي زجرا ونعقا ونعقانا ، وقد نعق ينعق من باب علم يعلم ، وأغرب الداودي فقال : معناه يطلب الكلأ ، فكأنه فسره بالمقصود من الزجر ؛ لأنه يزجرها عن المرعى الوبيل إلى المرعى الوسيم ، قوله : " فيجدانها وحوشا " : أي يجدان أهلها وحوشا جمع وحش ، أو يجدان المدينة ذات وحوش ، ويروى وحوشا بفتح الواو : أي يجدانها خالية ليس بها أحد ، وقال الجربي : الوحش من الأرض هو الخلاء ، وأصل الوحش كل شيء توحش من الحيوان ، وقد يعبر بواحد عن جمعه ، وعن ابن المرابط معناه أن غنمها تصير وحوشا إما أن تنقلب ذاتها ، فتصير وحوشا ، وإما أنها تنفر وتتوحش من أصواتهما ، وأنكر عياض هذا ، واختار أن يعود الضمير إلى المدينة ، وفي رواية مسلم : فيجدانها وحشا : أي خالية ليس بها أحد ، قوله : " ثنية الوداع " هي عقبة عند حرم المدينة ، سميت بذلك ؛ لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها ، قوله : " خرا " بتشديد الراء : أي سقطا ميتين أو سقطا بمن أسقطهما وهو الملك .