8- بَاب مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ 1903- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ : مَنْ لَمْ يَدَعْ ) أَيْ : يَتْرُكْ ( قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ) زَادَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ : فِي الصَّوْمِ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : حَذَفَ الْجَوَابَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَصَّ عَلَى مَا فِي الْخَبَرِ لَطَالَتِ التَّرْجَمَةُ ، أَوْ لَوْ عَبَّرَ عَنْهُ بِحُكْمٍ مُعَيَّنٍ لَوَقَعَ فِي عُهْدَتِهِ فَكَانَ الْإِيجَازُ مَا صَنَعَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَعْيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ : رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْهُ مِثْلَ الْجَمَاعَةِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ السَّرَّاجِ عَنْهُ فَلَمْ يَقُلْ : عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِإِسْقَاطِهِ أَيْضًا ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ بِالْإِسْقَاطٍ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِثْبَاتِهِ ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ ، وَيُونُسَ بْنَ يَحْيَى رَوَيَاهُ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِالْإِسْقَاطِ أَيْضًا ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَزِيدَ فَقَالَ فِيهِ : عَنْ أَبِيهِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ كَانَ تَارَةً لَا يَقُولُ عَنْ أَبِيهِ وَفِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ يَقُولُهَا ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو قَتَادَةَ الْحَرَّانِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ فَقَالَ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ شَاذٌّ وَالْمَحْفُوظُ الْأَوَّلُ . قَوْلُهُ : ( قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَالْجَهْلَ وَكَذَا لِأَحْمَدَ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَالْجَهْلَ فِي الصَّوْمِ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْجَهْلَ وَالْعَمَلَ بِهِ جَعَلَ الضَّمِيرَ فِي بِهِ يُعُودُ عَلَى الْجَهْلِ ، وَالْأَوَّلُ جَعَلَهُ يَعُودُ عَلَى قَوْلِ الزُّورِ ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ ، وَلَمَّا رَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا قَالَ : وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ . قُلْتُ : وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ : مَنْ لَمْ يَدَعِ الْخَنَا وَالْكَذِبَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ الزُّورِ : الْكَذِبُ ، وَالْجَهْلِ : السَّفَهُ ، وَالْعَمَلِ بِهِ أَيْ : بِمُقْتَضَاهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُؤْمَرَ بِأَنْ يَدَعَ صِيَامَهُ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّحْذِيرُ مِنْ قَوْلِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ : مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ أَيْ : يَذْبَحُهَا ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِذَبْحِهَا ، وَلَكِنَّهُ عَلَى التَّحْذِيرِ وَالتَّعْظِيمِ لِإِثْمِ بَائِعِ الْخَمْرِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ فَلَيْسَ لِلَّهِ إِرَادَةٌ فِي صِيَامِهِ فَوَضَعَ ، الْحَاجَةَ مَوْضِعَ الْإِرَادَةِ ، وَقَدْ سَبَقَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ ، كَمَا يَقُولُ الْمُغْضَبُ لِمَنْ رَدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا طَلَبَهُ مِنْهُ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ : لَا حَاجَةَ لِي بِكَذَا . فَالْمُرَادُ رَدُّ الصَّوْمِ الْمُتَلَبِّسِ بِالزُّورِ وَقَبُولُ السَّالِمِ مِنْهُ ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ فَإِنَّ مَعْنَاهُ : لَنْ يُصِيبَ رِضَاهُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْقَبُولُ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَا ذُكِرَ لَا يُثَابُ عَلَى صِيَامِهِ ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّ ثَوَابَ الصِّيَامِ لَا يَقُومُ فِي الْمُوَازَنَةِ بِإِثْمِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِيَّةِ الصَّوْمِ نَفْسَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ ، بَلْ مَا يَتْبَعُهُ مِنْ كَسْرِ الشَّهَوَاتِ وَتَطْوِيعِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ لِلنَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ نَظَرَ الْقَبُولِ ، فَقَوْلُهُ : لَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ مَجَازٌ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ ، فَنَفَى السَّبَبَ وَأَرَادَ الْمُسَبِّبَ ، وَاللَّهَ أَعْلَمُ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ تَنْقُصُ الصَّوْمَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا صَغَائِرُ تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ . وَأَجَابَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ بِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَالَّذِي مَضَى فِي أَوَّلِ الصَّوْمِ دَلَالَةً قَوِيَّةً لِلْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الرَّفَثَ وَالصَّخَبَ وَقَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ مِمَّا عُلِمَ النَّهْيُ عَنْهُ مُطْلَقًا ، وَالصَّوْمُ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ إِذَا حَصَلَتْ فِيهِ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِهَا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهَا فِيهِ مَشْرُوطَةً فِيهِ مَعْنًى يَفْهَمُهُ ، فَلَمَّا ذُكِرَتْ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ نَبَّهَتْنَا عَلَى أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : زِيَادَةُ قُبْحِهَا فِي الصَّوْمِ عَلَى غَيْرِهَا ، وَالثَّانِي : الْبَحْثُ عَلَى سَلَامَةِ الصَّوْمِ عَنْهَا ، وَأَنَّ سَلَامَتَهُ مِنْهَا صِفَةُ كَمَالٍ فِيهِ ، وَقُوَّةُ الْكَلَامِ تَقْتَضِي أَنْ يُقَبَّحَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الصَّوْمِ ، فَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّوْمَ يَكْمُلُ بِالسَّلَامَةِ عَنْهَا . قَالَ : فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ عَنْهَا نَقَصَ . ثُمَّ قَالَ : وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّكَالِيفَ قَدْ تَرِدُ بِأَشْيَاءَ وَيُنَبَّهُ بِهَا عَلَى أُخْرَى بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الصَّوْمِ الْعَدَمَ الْمَحْضَ كَمَا فِي الْمَنْهِيَّاتِ ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلَعَلَّ الْقَصْدَ بِهِ فِي الْأَصْلِ الْإِمْسَاكُ عَنْ جَمِيعِ الْمُخَالَفَاتِ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَشُقُّ خَفَّفَ اللَّهُ وَأَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ ، وَنَبَّهَ الْغَافِلَ بِذَلِكَ عَلَى الْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُخَالَفَاتِ ، وَأَرْشَدَ إِلَى ذَلِكَ مَا تَضَمَّنَتْهُ أَحَادِيثُ الْمُبَيِّنِ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ ، فَيَكُونُ اجْتِنَابُ الْمُفْطِرَاتِ وَاجِبًا ، وَاجْتِنَابُ مَا عَدَاهَا مِنَ الْمُخَالَفَاتِ مِنَ الْمُكَمِّلَاتِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : لَمَّا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ تَرْجَمَ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ ، وَهُوَ مُشْكِلٌ ؛ لِأَنَّ الْغَيْبَةَ لَيْسَتْ قَوْلَ الزُّورِ ، وَلَا الْعَمَلَ بِهِ ؛ لِأَنَّهَا أَنْ يَذْكُرَ غَيْرَهُ بِمَا يَكْرَهُ ، وَقَوْلُ الزُّورِ هُوَ الْكَذِبُ ، وَقَدْ وَافَقَ التِّرْمِذِيَّ بَقِيَّةُ أَصْحَابِ السُّنَنِ فَتَرْجَمُوا بِالْغِيبَةِ ، وَذَكَرُوا هَذَا الْحَدِيثَ ، وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ ذِكْرِ قَوْلِ الزُّورِ وَالْعَمَلِ بِهِ الْأَمْرَ بِحِفْظِ النُّطْقِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَهِيَ الْجَهْلُ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمَعَاصِي . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَالْعَمَلَ بِهِ فَيَعُودُ عَلَى الزُّورِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ أَيْضًا عَلَى الْجَهْلِ أَيْ : وَالْعَمَلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا . ( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُهُ : فَلَيْسَ لِلَّهِ وَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَلَيْسَ بِهِ بِمُوَحَّدَةٍ وَهَاءٍ ضَمِيرٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْرِيفًا فَالضَّمِيرُ لِلصَّائِمِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ · ص 139 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم · ص 275 ( باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم ) أي هذا باب في بيان حال من لم يدع ، أي لم يترك قول الزور وهو الكذب والميل عن الحق والعمل بالباطل والتهمة ، قوله : " والعمل به " أي بمقتضاه مما نهى الله عنه ، وإنما حذف الجواب اكتفاء بما في الحديث ، وهكذا دأبه في غالب المواضع ، وقيل : لو نص ما في الخبر لطالت الترجمة ، أو لو عبر عنه بحكم معين لوقع في عهدته . 13 - ( حدثنا آدم بن أبي إياس قال : حدثنا ابن أبي ذئب قال : حدثنا سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) . مطابقته للترجمة من حيث أن الترجمة نصف حديث الباب ، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، وهو يروي عن سعيد المقبري عن أبيه كيسان الليثي عن أبي هريرة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن أحمد بن يونس عن ابن أبي ذئب به ، وأخرجه أبو داود أيضا عن أحمد بن يونس ، وأخرجه الترمذي في الصوم عن محمد بن المثنى ، وأخرجه النسائي فيه عن سويد بن نصر وعن الربيع بن سليمان ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن عمرو بن رافع عن ابن المبارك ، الكل عن ابن أبي ذئب ، وفي أكثر الروايات عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه ، وقد رواه ابن وهب عن ابن أبي ذئب ، فاختلف عليه ، رواه الربيع عنه مثل الجماعة ، ورواه ابن السرح عنه فلم يقل عن أبيه ، وأخرجهما النسائي ، وأخرجه الإسماعيلي من طريق حماد بن خالد عن ابن أبي ذئب بإسقاطه أيضا ، واختلف فيه علي ابن المبارك فأخرجه ابن حبان من طريقه بالإسقاط ، وأخرجه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة بإثباته ، وكذلك اختلف على أحمد بن يونس ، فرواه أبو داود في ( سننه ) عنه عن ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه كرواية الأصل ، ورواه البخاري في كتاب الأدب عن أحمد بن يونس عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ، هكذا هو في أكثر روايات البخاري ، وفي رواية أبي ذر زيادة ذكر أبيه ، وقد اختلف فيه على ابن أبي ذئب اختلاف آخر ، فرواه يونس بن يحيى بن سابه عن ابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير ، عن أبي هريرة ، رواه النسائي في ( سننه الكبرى ) كذلك ، وقال - فيما حكاه عنه المزي في ( الأطراف ) - : هذا حديث منكر ، لا أعلم من رواه عن الزهري غير ابن أبي ذئب ، إن كان يونس بن يحيى حفظه عنه ، ولم أر كلام النسائي في نسختي ، ولأبي هريرة حديث آخر ، رواه ابن حبان في ( صحيحه ) والبيهقي في ( سننه ) من رواية الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن عمه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ليس الصيام من الأكل والشرب فقط ، إنما الصيام من اللغو والرفث ، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل : إني صائم " . ( ذكر معناه ) قوله : " من لم يدع قول الزور " أي من لم يترك ، وقد ذكرنا تفسير الزور عن قريب ، وقال شيخنا : قوله هذا يحتمل أن يراد من لم يدع ذلك مطلقا غير مقيد بصوم ، ويكون معناه أن من لم يدع قول الزور والعمل به الذي هو من أكبر الكبائر ، وهو متلبس به فماذا يصنع بصومه ، وذلك كما يقال أفعال البر يفعلها البر والفاجر ولا يجتنب النواهي إلا صديق ، ويحتمل أن يكون المراد : من لم يدع ذلك في حال تلبسه بالصوم ، وهو الظاهر ، وقد صرح به في بعض طرق النسائي " من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل في الصوم " . وقد بوب الترمذي على هذا الحديث بقوله : باب ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم ، وقال شيخنا : فيه إشكال من حيث أن الحديث فيه قول الزور والعمل به ، والغيبة ليست قول الزور ولا العمل به ، إذ حد الغيبة على ما هو المشهور ذكرك أخاك بما فيه مما يكرهه ، وقول الزور : هو الكذب والبهتان ، وقد فسر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قول الزور في قوله في سورة الحج بشهادة الزور فقال : " عدلت شهادة الزور الإشراك بالله " وهكذا بوب أبو داود على الحديث الغيبة للصائم ، وبوب عليه النسائي في ( الكبرى ) : ما ينهى عنه الصائم من قول الزور والغيبة ، وبوب عليه ابن ماجه : باب ما جاء في الغيبة والرفث للصائم ، وكأنهم - والله أعلم - فهموا من الحديث حفظ المنطق عن المحرمات ومن جملتها الغيبة ؛ ولهذا بوب عليه ابن حبان في ( صحيحه ) ذكر الخبر الدال على أن الصيام إنما يتم باجتناب المحظورات ، لا بمجانبة الطعام والشراب والجمع فقط ، وفي بعض ألفاظ الحديث " من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل " فيحتمل أن يراد بالجهل جميع المعاصي ، وهذه اللفظة عند البخاري في كتاب الأدب ، وعند النسائي أيضا ، وابن حبان في ( صحيحه ) ، ورواه ابن ماجه ولفظه " من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به " قال شيخنا : الضمير في به يحتمل أن يعود إلى الزور فقط وإن كان أبعد في الذكر ؛ لاتفاق الروايات عليه ، ويحتمل أن يعود على الجهل فقط لكونه أقرب مذكور ، وعلى هذا فالغيبة عمل بالجهل ، ويحتمل عود الضمير عليهما أعني الزور والجهل ، وإنما أفرد الضمير لاشتراكهما في تنقيص الصوم ، انتهى ( قلت ) يجوز أن يعود إليهما باعتبار كل واحد . واختلف العلماء في أن الغيبة والنميمة والكذب هل يفطر الصائم ؟ فذهب الجمهور من الأئمة إلى أنه لا يفسد الصوم بذلك ، وإنما التنزه عن ذلك من تمام الصوم ، وعن الثوري : إن الغيبة تفسد الصوم ، ذكره الغزالي في ( الإحياء ) ، وقال : رواه بشر بن الحارث عنه ، قال : وروى ليث عن مجاهد " خصلتان تفسدان الصوم الغيبة والكذب " هكذا ذكره الغزالي بهذا اللفظ ، والمعروف عن مجاهد " خصلتان من حفظهما سلم له صومه الغيبة والكذب " هكذا رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد ، وروى ابن أبي الدنيا عن أحمد بن إبراهيم ، عن يعلى بن عبيد ، عن الأعمش ، عن إبراهيم قال : كانوا يقولون إن الكذب يفطر الصائم ، وروى أيضا عن يحيى بن يوسف عن يحيى بن سليم ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة السلماني قالوا : اتقوا المفطرين الكذب والغيبة . قوله : " فليس لله حاجة " هذا مجاز عن عدم الالتفات والقبول ، فنفى السبب وأراد المسبب ، قال ابن بطال : وضع الحاجة موضع الإرادة ، إذ الله لا يحتاج إلى شيء ، يعني ليس لله إرادة في صيامه ، وقال أبو عمر : ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه ، وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه ، وهو مثل قوله : " من باع الخمر فليشقص الخنازير " أي يذبحها ، ولم يأمره بذبحها ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر ، قال : فكذلك من اغتاب أو شهد زورا أو منكرا لم يؤمر بأن يدع صيامه ، ولكنه يؤمر باجتناب ذلك ليتم له أجر صومه ، ثم قوله " فليس لله حاجة " هكذا لفظ ( الصحيح ) وكتب السنن وغيرها من الكتب المشهورة ، وفي بعض طرقه " فليس به حاجة " يعني بالذي يصوم بهذا الوصف ، رواه بهذا اللفظ البيهقي في ( شعب الإيمان ) من رواية يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري من غير ذكر أبيه ، وإسناده صحيح ، ويزيد بن هارون من أئمة المسلمين .