40 - بَاب مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ ؟ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ : لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ يَصُومُهُمَا ، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ إطَعَامًا . وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُطْعِمُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ الْإِطْعَامَ ، إِنَّمَا قَالَ : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ 1950 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ : كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَه إِلَّا فِي شَعْبَانَ قَالَ يَحْيَى : الشُّغْلُ مِنْ النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ : مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ ؟ ) أَيْ : مَتَى تُصَامُ الْأَيَّامُ الَّتِي تُقْضَى عَنْ فَوَاتِ رَمَضَانَ ؟ وَلَيْسَ الْمُرَادُ قَضَاءَ الْقَضَاءِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ ، وَمُرَادُ الِاسْتِفْهَامِ : هَلْ يَتَعَيَّنُ قَضَاؤُهُ مُتَتَابِعًا أَوْ يَجُوزُ مُتَفَرِّقًا ؟ وَهَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ يَجُوزُ عَلَى التَّرَاخِي؟ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : جَعَلَ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ اسْتِفْهَامًا لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ لِصِدْقِ أَيَّامٍ أُخَرَ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَتَابِعَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي التَّتَابُعَ إِلْحَاقًا لِصِفَةِ الْقَضَاءِ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ ، وَظَاهِرُ صَنِيعِ عَائِشَةَ يَقْتَضِي إِيثَارَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْقَضَاءِ لَوْلَا مَا مَنَعَهَا مِنَ الشُّغْلِ ، فَيُشْعِرُ بِأَنَّ مَنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ التَّأْخِيرُ . قُلْتُ : ظَاهِرُ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ يَقْتَضِي جَوَازَ التَّرَاخِي وَالتَّفْرِيقِ لِمَا أَوْدَعَهُ فِي التَّرْجَمَةِ مِنَ الْآثَارِ كَعَادَتِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَائِشَةَ وُجُوبَ التَّتَابُعِ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : يَقْضِيهِ تِبَاعًا . وَعَنْ عَائِشَةَ : نَزَلَتْ : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ فَسَقَطَتْ مُتَتَابِعَاتٍ . وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهَا قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَهَذَا إِنْ صَحَّ يُشْعِرُ بِعَدَمِ وُجُوبِ التَّتَابُعِ ، فَكَأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا وَاجِبًا ثُمَّ نُسِخَ ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمُجِيزُونَ لِلتَّفْرِيقِ أَنَّ التَّتَابُعَ أَوْلَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَصَلَهُ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ اخْتَلَفَا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : يُفَرَّقُ ، وَقَالَ الْآخَرُ : لَا يُفَرَّقُ . هَكَذَا أَخْرَجَهُ مُنْقَطِعًا مُبْهَمًا ، وَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مُعَيَّنًا عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ مِنْ رَمَضَانَ ، قَالَ : يَقْضِيهِ مُفَرَّقًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَعْمَرٍ بِسَنَدِهِ قَالَ : صُمْهُ كَيْفَ شِئْتَ . وَرُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ أَحْمَدَ بْنِ شَبِيبٍ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ : لَا يَضُرُّكَ كَيْفَ قَضَيْتَهَا إِنَّمَا هِيَ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فَأَحْصِهِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ قَالَا : فَرِّقْهُ إِذَا أَحْصَيْتَهُ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، وَكَأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ : إِذَا أَحْصَى الْعِدَّةَ فَلْيَصُمْ كَيْفَ شَاءَ . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجِرَاحِ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ نَحْوُهُ ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ نَحْوَهُ ، وَلَفْظُهُ : لَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ رَمَضَانَ فِي الْعَشْرِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ جَوَازُ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ رَمَضَانَ ، إِلَّا أَنَّ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَصُومَ الدَّيْنَ أَوَّلًا لِقَوْلِهِ : لَا يَصْلُحُ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْإِرْشَادِ إِلَى الْبُدَاءَةِ بِالْأَهَمِّ وَالْآكَدِ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ : إِنَّ عَلَيَّ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ أَفَأَصُومُ الْعَشْرَ تَطَوُّعًا؟ قَالَ : لَا ، ابْدَأْ بِحَقِّ اللَّهِ ثُمَّ تَطَوَّعْ مَا شِئْتَ . وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، قَالَ : وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ نَحْوُهُ عَنِ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ حُجَّةٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ) أَيِ : النَّخَعِيُّ ( إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ يَصُومُهُمَا ، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ إِطْعَامًا ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَتَّى جَازَ بِزَايٍ بَدَلَ الْهَمْزَةِ مِنَ الْجَوَازِ ، وَفِي نُسْخَةٍ حَانَ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ مِنَ الْحَيْنِ ، وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : إِذَا تَتَابَعَ عَلَيْهِ رَمَضَانَانِ صَامَهُمَا فَإِنْ صَحَّ بَيْنَهُمَا فَلَمْ يَقْضِ الْأَوَّلَ فَبِئْسَمَا صَنَعَ ، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَلْيَصُمْ . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُطْعِمُ ) أَمَّا أَثَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَوَجَدْتُهُ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ مَوْصُولًا ، فَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أَيُّ إِنْسَانٍ مَرِضَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ صَحَّ فَلَمْ يَقْضِهِ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ فَلْيَصُمِ الَّذِي حَدَثَ ثُمَّ يَقْضِ الْآخَرَ وَيُطْعِمْ مَعَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا . قُلْتُ لِعَطَاءٍ : كَمْ بَلَغَكَ يُطْعِمُ؟ قَالَ : مُدًّا زَعَمُوا وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ ، وَقَالَ فِيهِ : وَأَطْعِمْ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُطَرِّفٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ نَحْوَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ رَقَبَةَ وَهُوَ ابْنُ مِصْقَلَةَ قَالَ : زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ فِي الْمَرِيضِ يَمْرَضُ وَلَا يَصُومُ رَمَضَانَ ، ثُمَّ يَتْرُكُ حَتَّى يُدْرِكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ قَالَ : يَصُومُ الَّذِي حَضَرَهُ ثُمَّ يَصُومُ الْآخَرَ ، وَيُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ نَحْوُهُ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَنْ فَرَّطَ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ فَلْيَصُمْ هَذَا الَّذِي أَدْرَكَهُ ثُمَّ لْيَصُمْ مَا فَاتَهُ وَيُطْعِمْ مَعَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، كُلُّهُمْ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعَالَى الْإِطْعَامَ ، إِنَّمَا قَالَ : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَالَهُ تَفَقُّهًا ، وَظَنَّ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ أَنَّهُ بَقِيَّةُ كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ؛ فَإِنَّهُ مَفْصُولٌ مِنْ كَلَامِهِ بِأَثَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، لَكِنْ إِنَّمَا يَقْوَى مَا احْتَجَّ بِهِ إِذَا لَمْ يَصِحَّ فِي السُّنَّةِ دَلِيلُ الْإِطْعَامِ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الْكِتَابِ أَنْ لَا يَثْبُتَ بِالسُّنَّةِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ مَرْفُوعٌ ، وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، مِنْهُمْ مَنْ ذُكِرَ وَمِنْهُمْ عُمَرُ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ قَالَ : وَجَدْتُهُ عَنْ سِتَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا أَعْلَمُ لَهُمْ فِيهِ مُخَالِفًا . انْتَهَى . وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَمَالَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فِي ذَلِكَ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِالْإِطْعَامِ ابْنُ عُمَرَ لَكِنَّهُ بَالَغَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : يُطْعِمُ وَلَا يَصُومُ ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : مَنْ تَابَعَهُ رَمَضَانَانِ وَهُوَ مَرِيضٌ لَمْ يَصِحَّ بَيْنَهُمَا قَضَى الْآخِرَ مِنْهَمَا بِصِيَامٍ ، وَقَضَى الْأَوَّلَ مِنْهُمَا بِإِطْعَامِ مُدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَمْ يَصُمْ لَفْظُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ : تَفَرَّدَ ابْنُ عُمَرَ بِذَلِكَ . قُلْتُ : لَكِنْ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : بَلَغَنِي مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ عُمَرَ خِلَافُهُ ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ : مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ وَأَطْعَمَ مِسْكِينًا فَإِنَّهُمَا يَعْدِلَانِ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ قَتَادَةَ ، وَانْفَرَدَ ابْنُ وَهْبٍ بِقَوْلِهِ : مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ صَوْمُ يَوْمَيْنِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ أَبُو خَيْثَمَةَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَوَهَمَ الْكَرْمَانِيُّ تَبَعًا لِابْنِ التِّينِ فَقَالَ : هُوَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، وَغَفَلَ عَمَّا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ فِي نَفْسِ السَّنَدِ : عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هَذَا هُوَ الْأَنْصَارِيُّ وَذَهِلَ مُغَلْطَايْ فَنَقَلَ عَنِ الْحَافِظِ الضِّيَاءِ أَنَّهُ الْقَطَّانُ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ؛ فَإِنَّ الضِّيَاءَ حَكَى قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ثُمَّ رَدَّهُ وَجَزَمَ بِأَنَّهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَلَمْ يَقُلِ الْقَطَّانَ ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْقَطَّانَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا سَلَمَةَ ، وَلَيْسَتْ لِزُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْهُ رِوَايَةٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ يَرْوِي عَنْ زُهَيْرٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ . قَوْلُهُ : ( فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ لَا تَتَطَوَّعُ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّيَامِ لَا فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَلَا فِي عَاشُورَاءَ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَرَى جَوَازَ صِيَامِ التَّطَوُّعِ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ رَمَضَانَ ، وَمِنْ أَيْنَ لِقَائِلِهِ ذَلِكَ ؟ قَوْلُهُ : ( قَالَ يَحْيَى ) أَيِ : الرَّاوِي الْمَذْكُورُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ فَهُوَ مَوْصُولٌ . قَوْلُهُ : ( الشُّغْلُ مِنَ النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ : الْمَانِعُ لَهَا الشُّغْلُ ، أَوْ هُوَ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ تَقْدِيرُهُ : الشُّغْلُ هُوَ الْمَانِعُ لَهَا . وَفِي قَوْلِهِ : قَالَ يَحْيَى هَذَا تَفْصِيلٌ لِكَلَامِ عَائِشَةَ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهَا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةِ مُدْرَجًا لَمْ يَقُلْ فِيهِ قَالَ يَحْيَى فَصَارَ كَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ أَوْ مَنْ رَوَى عَنْهَا ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زُهَيْرٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى مُدْرَجًا أَيْضًا ، وَلَفْظُهُ : وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ يَحْيَى ، فَبَيَّنَ إِدْرَاجَهُ ، وَلَفْظُهُ : فَظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ لِمَكَانِهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْيَى يَقُولُهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَسُفْيَانُ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بِدُونِ الزِّيَادَةِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ ، لَكِنْ فِيهِ مَا يُشْعِرُ بِهَا ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ مَا مَعْنَاهُ : فَمَا أَسْتَطِيعُ قَضَاءَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ الزَّمَانَ أَيْ أنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِزَمَانِهِ . وَلِلتِّرْمِذِيِّ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَهِيِّ عَنْ عَائِشَةَ : مَا قَضَيْتُ شَيْئًا مِمَّا يَكُونُ عَلَيَّ مِنْ رَمَضَانَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الزِّيَادَةِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْسِمُ لِنِسَائِهِ فَيَعْدِلُ ، وَكَانَ يَدْنُو مِنَ الْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ نَوْبَتِهَا فَيُقَبِّلُ وَيَلْمِسُ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ ، فَلَيْسَ فِي شُغْلِهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ الصَّوْمَ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ : إِنَّهَا كَانَتْ لَا تَصُومُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ يَأْذَنُ لِاحْتِمَالِ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهَا ، فَإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ أَذِنَ لَهَا ، وَكَانَ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكْثِرُ الصَّوْمَ فِي شَعْبَانَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ لَا يَتَهَيَّأُ لَهَا الْقَضَاءُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ قَضَاءِ رَمَضَانَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ كَمَا بَيَّنَّاهُ مُدْرَجَةٌ ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَرْفُوعَةً لَكَانَ الْجَوَازُ مُقَيَّدًا بِالضَّرُورَةِ ؛ لِأَنَّ لِلْحَدِيثِ حُكْمَ الرَّفْعِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ مَعَ تَوَفُّرِ دَوَاعِي أَزْوَاجِهِ عَلَى السُّؤَالِ مِنْهُ عَنْ أَمْرِ الشَّرْعِ ، فَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا لَمْ تُوَاظِبْ عَائِشَةُ عَلَيْهِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ حِرْصِهَا عَلَى ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْقَضَاءِ حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَانُ آخَرُ . وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُثْبِتُهُ وَلَا يَنْفِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ · ص 222 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب متى يقضى قضاء رمضان · ص 53 باب متى يقضى قضاء رمضان أي هذا باب بين فيه متى يقضى أي متى يؤدى قضاء رمضان ، والقضاء بمعنى الأداء ، قال تعالى : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ أي فإذا أديت الصلاة ، وليس المراد من الأداء معناه الشرعي ، وهو تسليم عين الواجب ، ولكن المراد معناه اللغوي ، وهو الإيفاء كما يقال : أديت حق فلان ، أي أوفيته ، وفسره بعضهم بقوله متى يصام الأيام التي تقضى عن فوات رمضان ، وليس المراد قضاء القضاء على ما هو ظاهر اللفظ . انتهى . قلت : ظن هذا أن المراد من قوله : متى يقضى ، معناه الشرعي وليس كذلك ، فظنه هذا هو الذي ألجأه إلى ما تعسف فيه ، ثم إنه ذكر كلمة الاستفهام ، ولم يذكر جوابه ؛ لتعارض الأدلة الشرعية والقياسية ؛ فإن ظاهر قوله تعالى فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أعم من أن تكون تلك الأيام متتابعة أو متفرقة ، والقياس يقتضي التتابع ؛ لأن القضاء يحكي الأداء ، وذكر البخاري هذه الآثار في هذا الباب يدل على جواز التراخي والتفريق . . وقال ابن عباس : لا بأس أن يفرق لقول الله تعالى فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ . هذا التعليق وصله مالك ، عن الزهري أن ابن عباس وأبا هريرة اختلفا في قضاء رمضان ؛ فقال أحدهما : يفرق وقال الآخر : لا يفرق ، وهذا منقطع مبهم ؛ لأنه لم يعلم المفرق من غير المفرق ، وقد أوضحه عبد الرزاق ووصله ، عن معمر ، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس فيمن عليه قضاء رمضان قال : يقضيه مفرقا قال الله تعالى فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن معمر بسنده قال : صمه كيف شئت . وقال سعيد بن المسيب في صوم العشر : لا يصلح حتى يبدأ برمضان معنى هذا الكلام أن سعيدا لما سئل عن صوم العشر والحال أن على الذي سأله قضاء رمضان ، فقال : لا يصلح حتى يبدأ أولا بقضاء رمضان ، وهذه العبارة لا تدل على المنع مطلقا ، وإنما تدل على الأولوية ، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة ، عن عبدة ، عن سفيان ، عن قتادة ، عن سعيد أنه كان لا يرى بأسا أن يقضى رمضان في العشر ، وقال بعضهم عقيب ذكر الأثر المذكور عن سعيد وصله ابن أبي شيبة عنه نحوه ، وقال صاحب التلويح : هذا التعليق رواه ابن أبي شيبة ، ثم ذكره نحو ما ذكرنا ، وليس الذي ذكره ابن أبي شيبة عنه أصلا نحو الذي ذكره البخاري عنه ، وهذا ظاهر لا يخفى . وقال إبراهيم : إذا فرط حتى جاء رمضان آخر يصومهما ولم ير عليه طعاما إبراهيم هو النخعي قوله : إذا فرط من التفريط وهو التقصير يعني إذا كان عليه قضاء رمضان ولم يقضه حتى جاء رمضان ثان فعليه أن يصومهما وليس عليه فدية ، قوله : حتى جاء من المجيء ، ووقع في رواية الكشميهني حتى جاز بزاي في آخره من الجواز ، ويروى حتى حان بحاء مهملة ونون من الحين ، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور من طريق يونس عن الحسن ، ومن طريق الحارث العكلي عن إبراهيم قالا : إذا تتابع عليه رمضانان صامهما ، فإن صح بينهما فلم يقض الأول ، فبئس ما صنع فليستغفر الله وليصم . ويذكر عن أبي هريرة مرسلا ، وعن ابن عباس أنه يطعم ، ولم يذكر الله الإطعام إنما قال : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أشار بصيغة التمريض إلى أن الذي روى عن أبي هريرة حال كونه مرسلا فيمن مرض ، ولم يصم رمضان ، ثم صح فلم يقضه ، حتى جاء رمضان آخر ، فإنه يطعم بعد الصوم ، عن رمضانين ، وأخرجه عبد الرزاق موصولا ، عن ابن جريج ، أخبرني عطاء ، عن أبي هريرة قال : أي إنسان مرض رمضان ثم صح فلم يقضه حتى أدركه رمضان آخر فليصم الذي حدث ثم يقضي الآخر ، ويطعم من كل يوم مسكينا . قلت لعطاء : كم بلغك يطعم؟ قال : مدا ، زعموا ، وأخرجه عبد الرزاق أيضا ، عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة نحوه ، وقال فيه وأطعم عن كل يوم نصف صاع من قمح ، وأخرج الدارقطني حديث أبي هريرة مرفوعا من طريق مجاهد ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في رجل أفطر في شهر رمضان ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر قال : يصوم الذي أدركه ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه ويطعم مكان كل يوم مسكينا . وفي إسناده إبراهيم بن نافع وعمر بن موسى بن وجيه. قال الدارقطني : هما ضعيفان ، وقد ذكر البرديجي أن مجاهدا لم يسمع من أبي هريرة ، فلهذا سماه البخاري مرسلا . قوله : وابن عباس ، أي ويروى أيضا عن ابن عباس أنه يطعم ، ووصله سعيد بن منصور ، عن هشيم ، والدارقطني من طريق ابن عيينة ، كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : من فرط في صيام شهر رمضان حتى أدركه رمضان آخر فليصم هذا الذي أدركه ثم ليصم ما فاته ويطعم مع كل يوم مسكينا ، قيل : عطف ابن عباس على أبي هريرة يقتضي أن يكون المذكور عن ابن عباس أيضا مرسلا . وأجيب بالخلاف في أن القيد في المعطوف عليه هل هو قيد في المعطوف أم لا ؟ فقيل : ليس بقيد ، والأصح اشتراكهما ، وكذلك الأصوليون اختلفوا في أن عطف المطلق على المقيد هل هو مقيد للمطلق أم لا ؟ قوله : ولم يذكر الله الإطعام ، إلى آخره من كلام البخاري ، إنما قال ذلك لأن النص ساكت عن الإطعام ، وهو الفدية لتأخير القضاء ، وظن بعضهم أنه بقية كلام إبراهيم النخعي ، وهو وهم ؛ فإنه مفصول من كلامه بأثر أبي هريرة وابن عباس ، ثم إن البخاري استدل فيما قاله بقوله تعالى فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ولا يتم استدلاله بذلك ؛ لأنه لا يلزم من عدم ذكره في الكتاب أن لا يثبت بالسنة ؛ فقد جاء عن جماعة من الصحابة الإطعام ، منهم أبو هريرة وابن عباس ، كما ذكر ، ومنهم عمر بن الخطاب ذكره عبد الرزاق ، ونقل الطحاوي عن يحيى بن أكثم ، قال : وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم فيه مخالفا . انتهى . وهو قول الجمهور ، وخالف في ذلك إبراهيم النخعي ، وأبو حنيفة وأصحابه ، ومال الطحاوي إلى قول الجمهور في ذلك ، وقال البيهقي : وروينا عن ابن عمر وأبي هريرة في الذي لم يصم حتى أدرك رمضان ، يطعم ولا قضاء عليه ، وعن الحسن وطاوس والنخعي : يقضي ولا كفارة عليه . 58 - حدثنا أحمد بن يونس ، قال : حدثنا زهير ، قال : حدثنا يحيى ، عن أبي سلمة قال : سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : كان يكون علي الصوم من رمضان ، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان ، قال : يحيى الشغل من النبي ، أو بالنبي صلى الله عليه وسلم . . مطابقته للترجمة من حيث إنه يفسر الإبهام الذي في الترجمة ؛ لأن الترجمة متى يقضي قضاء رمضان ، والحديث يدل على أنه يقضي في أي وقت كان ، غير أنه إذا أخره حتى دخل رمضان ثان يجب عليه الفدية عند الشافعي ، وقد ذكرنا الخلاف فيه مستقصى ، وعند أصحابنا : لا يجب عليه شيء غير القضاء لإطلاق النص . ذكر رجاله : وهم خمسة الأول : أحمد بن يونس ، وهو أحمد بن عبد الله بن يونس ، أبو عبد الله اليربوعي التميمي . الثاني : زهير بن معاوية ، أبو خيثمة الجعفي . الثالث : يحيى ، قال صاحب التلويح :اختلف في يحيى هذا ؛ فزعم الضياء المقدسي أنه يحيى القطان ، وقال ابن التين : قيل : إنه يحيى بن أبي كثير . قلت : وبه قال : الكرماني وجزم به ، والصحيح أنه يحيى بن سعيد الأنصاري ، نص عليه الحافظ المزي عند ذكر هذا الحديث ، وقال بعضهم منكرا على الكرماني وابن التين في قولهما : إنه يحيى بن أبي كثير ، قال : وغفل الكرماني عما أخرجه مسلم ، عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه فقال في نفس السند عن يحيى بن سعيد . قلت : هو أيضا غفل عن إيضاح ما قاله ؛ لأن المذكور في حديث مسلم يحيى بن سعيد ، ولقائل أن يقول : يحتمل أن يكون يحيى هذا هو يحيى بن سعيد القطان ، كما قاله الضياء ، ولو قال مثل ما قلنا لكان أوضح وأصوب . الرابع : أبو سلمة بن عبد الرحمن . الخامس : أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه السماع ، وفيه يحيى عن أبي سلمة ، وفي رواية الإسماعيلي من طريق أبي خالد ، عن يحيى بن سعيد : سمعت أبا سلمة ، وفيه أن شيخه وزهيرا كوفيان ، وأن يحيى وأبا سلمة مدنيان ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم أيضا في الصوم ، عن أحمد بن يونس به ، وعن محمد بن المثنى ، وعن عمرو الناقد ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعن محمد بن رافع ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي ، عن مالك وأخرجه النسائي فيه ، عن عمرو ، عن علي ، عن يحيى بن سعيد القطان ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن المنذر . ذكر معناه : قوله : كان يكون ، وفي الأطراف للمزي إن كان يكون ، وفائدة اجتماع كان مع يكون يذكر أحدهما بصيغة الماضي والآخر بصيغة المستقبل تحقيق القضية وتعظيمها ، وتقديره وكان الشأن يكون كذا ، وأما تغيير الأسلوب فلإرادة الاستمرار ، وتكرر الفعل ، وقيل : لفظة يكون زائدة كما قال : الشاعر . وجيران لنا كانوا كرام . وأما رواية أن كان فإن كلمة أن تكون مخفقة من المثقلة . قوله : أن أقضي ، أي ما فاتها من رمضان . قوله قال : يحيى أي يحيى المذكور في سند الحديث المذكور إليه ، فهو موصول قوله : الشعل من النبي صلى الله عليه وسلم ، مقول يحيى ، وارتفاع الشغل يجوز أن يكون على أنه فاعل فعل محذوف تقديره قالت : يمنعني الشغل ، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر ، أي قال يحيى : الشغل هو المانع لها ، والمراد من الشغل أنها كانت مهيئة نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم مترصدة لاستمتاعه في جميع أوقاتها إن أراد ذلك ، وأما في شعبان فإنه صلى الله عليه وسلم كان يصومه فتتفرغ عائشة لقضاء صومها . قال الكرماني فإن قلت : شغل منه بمعنى فرغ عنه ، وهو عكس المقصود ؛ إذ الفرض أن الاشتغال برسول الله صلى الله عليه وسلم هو المانع من القضاء لا الفراغ منه . قلت : المراد الشغل الحاصل من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقع في رواية مسلم ، عن أحمد بن يونس شيخ البخاري قال يحيى : الشغل ، إلى آخره ، ووقع في روايته ، عن إسحاق بن إبراهيم قال يحيى بن سعيد بهذا الإسناد غير أنه قال : وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية عن محمد بن رافع قال : فظننت أن ذلك لمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم . يحيى يقوله . وفي روايته ، عن عمرو الناقد : لم يذكر في الحديث الشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم وروايته ، عن يونس بدون ذكر يحيى يدل على أن قوله الشغل من رسول الله أو برسول الله صلى الله عليه وسلم من كلام عائشة أو من كلام من روى عنها ، وأخرجه أبو داود من طريق مالك والنسائي من طريق يحيى القطان بدون هذه الزيادة ، وكذلك في رواية مسلم في روايته ، عن عمرو الناقد ، كما ذكرناه ، وقال بعضهم : وأخرجه مسلم من طريق محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أبي سلمة بدون الزيادة ، لكن فيه ما يشعر بها ؛ فإنه قال فيه : فما أستطيع قضاءها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى . قلت : ليس متن حديث هذا الطريق مثل الذي ذكره ، وإنما قال مسلم : حدثني محمد بن أبي عمر المكي قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة أنها قالت : إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما تستطيع أن تقضيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتي شعبان ، وروى الترمذي وابن خزيمة من طريق عبد الله البهي ، عن عائشة ما قضيت شيئا مما يكون علي من رمضان إلا في شعبان حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قيل : مما يدل على ضعف الزيادة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقسم لنسائه ، فيعدل ، وكان يدنو من المرأة في غير نوبتها فيقبل ويلمس من غير جماع ، فليس في شغلها بشيء من ذلك مما يمنع الصوم ، اللهم إلا أن يقال : كانت لا تصوم إلا بإذنه ، ولم يكن يأذن لاحتمال حاجته إليها ، فإذا ضاق الوقت أذن لها ، وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يكثر الصوم في شعبان ، فلذلك كانت لا يتهيأ لها القضاء إلا في شعبان . قلت : وكانت كل واحدة من نسائه صلى الله تعالى عليه وسلم مهيئة نفسها لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لاستمتاعه من جميع أوقاته إن أراد ذلك ، ولا تدري متى يريده ولا تستأذنه في الصوم مخافة أن يأذن ، وقد يكون له حاجة فيها فتفوتها عليه ، وهذا من عادتهن ، وقد اتفق العلماء على أن المرأة يحرم عليها صوم التطوع وبعلها حاضر إلا بإذنه لحديث أبي هريرة الثابت في مسلم : ولا تصوم إلا بإذنه وقال الباجي : والظاهر أنه ليس للزوج جبرها على تأخير القضاء إلى شعبان بخلاف صوم التطوع ، ونقل القرطبي عن بعض أشياخه أن لها أن تقضي بغير إذنه ؛ لأنه واجب ، ويحمل الحديث على التطوع . ومما يستفاد من هذا الحديث أن القضاء موسع ويصير في شعبان مضيقا ، ويؤخذ من حرصها على القضاء في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان ، فإن دخل فالقضاء واجب أيضا ، فلا يسقط ، وأما الإطعام فليس في الحديث له ذكر لا بالنفي ولا بالإثبات ، وقد تقدم بيان الخلاف فيه ، وفيه أن حق الزوج من العشرة والخدمة يقدم على سائر الحقوق ما لم يكن فرضا محصورا في الوقت ، وقيل : قول عائشة : فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان يدل على أنها كانت لا تتطوع بشيء من الصيام لا في عشر ذي الحجة ولا في عاشوراء ولا في غيرهما ، وهو مبني على أنها ما كانت ترى جواز صيام التطوع لمن عليه دين من رمضان ، ولكن من أين ذلك لمن يقول به والحديث ساكت ، عن هذا .