62 - بَاب الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ 1983 - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ ، عَنْ غَيْلَانَ . وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَأَلَهُ - أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ - فَقَالَ : يَا أَبَا فُلَانٍ ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ ؟ قَالَ : أَظُنُّهُ قَالَ يَعْنِي رَمَضَانَ ، قَالَ الرَّجُلُ : لَا ، يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ ، لَمْ يَقُلْ الصَّلْتُ : أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : وَقَالَ ثَابِتٌ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عِمْرَانَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : أَطْلَقَ الشَّهْرَ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَتَحَرَّرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَهْرٌ مُقَيَّدٌ وَهُوَ شَعْبَانُ ؛ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِشَعْبَانَ ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ النَّدْبُ إِلَى صِيَامِ أَوَاخِرِ كُلِّ شَهْرٍ لِيَكُونَ عَادَةً لِلْمُكَلَّفِ فَلَا يُعَارِضُهُ النَّهْيُ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِقَوْلِهِ فِيهِ : إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ ، بَصْرِيٌّ مَشْهُورٌ ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ رِوَايَةَ أَبِي النُّعْمَانِ وَهُوَ عَارِمٌ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ تَصْرِيحِ مَهْدِيٍّ بِالتَّحْدِيثِ مِنْ غَيْلَانَ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مُطَرِّفٍ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ سَأَلَهُ أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ ) هَذَا شَكٌّ مِنْ مُطَرِّفٍ فَإِنَّ ثَابِتًا رَوَاهُ عَنْهُ بِنَحْوِهِ عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ مُطَرِّفٍ بِدُونِ شَكٍّ عَلَى الْإِبْهَامِ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ زَادَ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ : مِنْ أَصْحَابِهِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهِ قَالَ لِعِمْرَانَ بِغَيْرِ شَكٍّ . قَوْلُهُ : ( يَا فُلَانُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ يَا أَبَا فُلَانٍ بِأَدَاةِ الْكُنْيَةِ . قَوْلُهُ : ( أَمَا صُمْتَ سُرَرَ هَذَا الشَّهْرِ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ مَهْدِيٍّ سُرِّهِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَعْدَهَا هَاءٌ ، قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِابْنِ قُرْقُولٍ : كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ . انْتَهَى . وَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ يَاسِرٍ الْجَيَّانِيِّ وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ كَبَاقِي الرِّوَايَاتِ ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ شَيْئًا؟ قَالَ : لَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ : أَظُنُّهُ قَالَ : يَعْنِي رَمَضَانَ ) هَذَا الظَّنُّ مِنْ أَبِي النُّعْمَانِ ، لِتَصْرِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي آخِرِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي الصَّلْتِ ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ أَبِي النُّعْمَانِ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ السُّلَمِيِّ ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ بِدُونِ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَنَقَلَ الْحُمَيْدِيُّ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ شَعْبَانَ أَصَحُّ ، وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي الصَّحِيحِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : ذِكْرُ رَمَضَانَ هُنَا وَهَمٌ ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ يَتَعَيَّنُ صَوْمُ جَمِيعِهِ ، وَكَذَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي مُطَرِّفٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ بِلَفْظِ : هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا يَعْنِي : شَعْبَانَ ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ هُدْبَةَ وَلَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ وَلَا قُطْرِ بْنِ حَمَّادٍ وَلَا عَفَّانَ وَلَا عَبْدِ الصَّمَدِ وَلَا غَيْرِهِمْ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَمُسْلِمٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَلَا فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ رَمَضَانَ فِي قَوْلِهِ : يَعْنِي : رَمَضَانَ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ الصَّادِرِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا لِصِيَامِ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ ، فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ مُطَرِّفٍ فَإِنَّ فِيهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ لَهُ : فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ثَابِتٌ . . . إِلَخْ ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْهُ كَذَلِكَ ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ هُنَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَشَعْبَانُ أَصَحُّ وَ السَّرَرُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَضَمُّهَا جَمْعُ سُرَّةٍ وَيُقَالُ أَيْضًا : سَرَارٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهِ ، وَرَجَّحَ الْفَرَّاءُ الْفَتْحَ ، وَهُوَ مِنَ الِاسْتِسْرَارِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْجُمْهُورُ : الْمُرَادُ بِالسُّرَرِ هُنَا آخِرُ الشَّهْرِ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِسْرَارِ الْقَمَرِ فِيهَا وَهِيَ لَيْلَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ . وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ سُرَرُهُ أَوَّلُهُ ، وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ كَالْجُمْهُورِ ، وَقِيلَ : السُّرَرُ وَسَطُ الشَّهْرِ . حَكَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ السُّرَرَ جَمْعُ سُرَّةٍ وَسُرَّةُ الشَّيْءِ وَسَطُهُ ، وَيُؤَيِّدُهُ النَّدْبُ إِلَى صِيَامِ الْبِيضِ ، وَهِيَ وَسَطُ الشَّهْرِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي صِيَامِ آخِرِ الشَّهْرِ نَدْبٌ ، بَلْ وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ خَاصٌّ وَهُوَ آخِرُ شَعْبَانَ لِمَنْ صَامَهُ لِأَجْلِ رَمَضَانَ ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ مُسْلِمًا أَفْرَدَ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا سُرَّةُ هَذَا الشَّهْرِ عَنْ بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ وَأَرْدَفَ بِهَا الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا الْحَضُّ عَلَى صِيَامِ الْبِيضِ ، وَهِيَ وَسَطُ الشَّهْرِ كَمَا تَقَدَّمَ ، لَكِنْ لَمْ أَرَهُ فِي جَمِيعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ سُرَّةٌ بَلْ هُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهَيْنِ بِلَفْظِ : سِرَارٍ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي بَعْضِهَا سُرَرٌ وَفِي بَعْضِهَا سِرَارٌ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ آخِرُ الشَّهْرِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : سُؤَالُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ سُؤَالُ زَجْرٍ وَإِنْكَارٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَهَى أَنْ يُسْتَقْبَلَ الشَّهْرُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِقَضَاءِ ذَلِكَ ، وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ وَأَنْ يَقْضِي ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : قَوْلُهُ : سُؤَالُ إِنْكَارٍ فِيهِ تَكَلُّفٌ ، وَيَدْفَعُ فِي صَدْرِهِ قَوْلُ الْمَسْئُولِ : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَوْ كَانَ سُؤَالَ إِنْكَارٍ لَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَامَ ، والْفَرْضُ أَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَصُمْ ، فَكَيْفَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ فِعْلَ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ كَانَتْ لَهُ عَادَةً بِصِيَامِ آخِرِ الشَّهْرِ ، فَلَمَّا سَمِعَ نَهْيَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ الِاسْتِثْنَاءُ تَرَكَ صِيَامَ مَا كَانَ اعْتَادَهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهُ بِقَضَائِهَا لِتَسْتَمِرَّ مُحَافَظَتُهُ عَلَى مَا وَظَّفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْعِبَادَةِ ؛ لِأَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَلَامًا جَرَى مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَابًا لِكَلَامٍ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا ا هـ . وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْمَأْخَذِ . وَقَالَ آخَرُونَ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَقْصِدُ بِهِ التَّحَرِّيَ لِأَجْلِ رَمَضَانَ ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ اعْتَادَهُ ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ حَدِيثِ النَّهْيِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ إِلَّا مَنْ كَانَتْ لَهُ عَادَةٌ ، وَأَشَارَ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى أَنَّ الْحَامِلَ لِمَنْ حَمَلَ سُرَرَ الشَّهْرِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ - وَهُوَ آخِرُ الشَّهْرِ - الْفِرَارُ مِنَ الْمُعَارَضَةِ ؛ لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ ، وَقَالَ : الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُمْكِنٌ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى مَنْ لَيْسَتْ لَهُ عَادَةٌ بِذَلِكَ ، وَحَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى مَنْ لَهُ عَادَةٌ حَمْلًا لِلْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ عَلَى مُلَازَمَةِ عَادَةِ الْخَيْرِ حَتَّى لَا يُقْطَعُ ، قَالَ : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى فَضِيلَةِ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ ، وَأَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْهُ يَعْدِلُ صَوْمَ يَوْمَيْنِ فِي غَيْرِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ يَعْنِي : مَكَانَ الْيَوْمِ الَّذِي فَوَّتَّهُ مِنْ صِيَامِ شَعْبَانَ . قُلْتُ : وَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا إِنْ كَانَتْ عَادَةُ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ أَنْ يَصُومَ مِنْ شَعْبَانَ يَوْمًا وَاحِدًا ، وَإِلَّا فَقَوْلُهُ : هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَادَتُهُ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ ، نَعَمْ وَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ : فَصُمْ مَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمِ يَوْمَيْنِ وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ قَضَاءِ التَّطَوُّعِ ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ قَضَاءُ الْفَرْضِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ · ص 270 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصوم آخر الشهر · ص 101 باب الصوم آخر الشهر أي هذا باب في بيان فضل الصوم في آخر الشهر ، وفي بعض النسخ : من آخر الشهر ، وقوله هذا يطلق على آخر كل شهر من الأشهر ، ومع هذا الحديث مقيد بشهر شعبان ، والوجه إطلاقه إشارة إلى أن ذلك لا يختص بشعبان بل يؤخذ من الحديث الندب إلى صيام أواخر كل شهر ليكون عادة للمكلف . فإن قلت : يعارض هذا النهي بتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين . قلت : لا معارضة لقوله في حديث النهي : إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه . 91 - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قال : حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ ، عَنْ غَيْلَانَ وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قال : حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ قال : حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَأَلَهُ ، أَوْ سَأَلَ رَجُلًا ، وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ ، فَقَالَ : يَا أَبَا فُلَانٍ ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ ، قَالَ : أَظُنُّهُ قَالَ : يَعْنِي رَمَضَانَ ، قَالَ الرَّجُلُ : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ لَمْ يَقُلْ الصَّلْتُ : أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ . مطابقته للترجمة تؤخذ مما ذكرنا الآن في أول الباب . ذكر رجاله ، وهم ستة : الأول : الصلت بفتح الصاد المهملة ، وسكون اللام ، وفي آخره تاء مثناة من فوق ، ابن محمد بن عبد الرحمن أبو همام الخاركي . الثاني : مهدي بفتح الميم وكسر الدال المهملة ، ابن ميمون المعولي الأزدي . الثالث : غيلان بفتح الغين المعجمة ، وسكون الياء آخر الحروف ، ابن جرير المعولي الأزدي . الرابع : أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي . الخامس : مطرف بلفظ اسم الفاعل من التطريف بإهمال الطاء ، ابن عبد الله بن الشخير الحرشي العامري . السادس : عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في خمسة مواضع . وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه أن رواته كلهم بصريون . وفيه إضافة رواية أبي النعمان إلى الصلت لما وقع فيها من تصريح مهدي بالتحديث من غيلان . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم في الصوم أيضا عن هدبة بن خالد ، وأخرجه أبو داود فيه عن موسى بن إسماعيل ، وأخرجه النسائي فيه عن زكريا بن يحيى ، عن عبد الأعلى بن حماد . ذكر معناه : قوله ( أنه سأل ) أي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عمران أو سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا . قوله ( أو سأل رجلا ) شك من مطرف ، وثابت رواه عنه بنحوه على الشك أيضا ، وأخرجه مسلم كذلك ، وأخرجه مسلم أيضا من وجهين آخرين عن مطرف بدون شك على الإبهام أنه قال لرجل ، وزاد أبو عوانة في ( مستخرجه ) : من أصحابه ، ورواه أحمد من طريق سليمان التيمي به ، قال لعمران بغير شك . قوله ( وعمران يسمع ) جملة اسمية وقعت حالا . قوله ( فقال : يا أبا فلان ) بالكنية في رواية أبي ذر ، وفي رواية الأكثرين : يا فلان . قوله ( سرر هذا الشهر ) بالسين المهملة ، وفتحها وفتح الراء ، وقال النووي : ضبطوه بفتح السين وكسرها ، وحكي ضمها ، ويقال أيضا سرار بكسر السين وفتحها ، وكله من الاستسرار ، وقال الجمهور : المراد به آخر الشهر لاستسرار القمر فيه ، وقال بعضهم : هو وسط الشهر ، وسرر كل شيء وسطه ، والسرة الوسط ، وهي الأيام البيض . وروى أبو داود ، عن الأوزاعي : أن سرره أوله ، وقال ابن قرقول : سرر بفتح السين عند الكافة ، وعند العذري : سرر بضم السين ، وقال أبو عبيد : سرار الشهر آخره حيث يستتر الهلال ، وسرره أيضا ، وأنكره غيره ، وقال : لم يأت في صوم آخر الشهر حض ، وسرار كل شيء وسطه وأفضله ، فكأنه يريد الأيام الغر من وسط الشهر ، وقال عبد الملك ابن حبيب : السرر آخر الشهر حين يستسر الهلال لثمان وعشرين ولتسع وعشرين ، وإن كان تاما فليلة ثلاثين ، وتبويب البخاري يدل على أنه عنده آخر الشهر ، وقال الخطابي : يتأول أمره إياه بصوم السرر على أن الرجل كان أوجبه على نفسه نذرا ، فأمره بالوفاء أو أنه كان اعتاده ، فأمره بالمحافظة عليه ، وإنما تأولناه للنهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين . فائدة : أسماء ليالي الشهر عشرة ، لكل ثلاث منها اسم ، فالثلاث الأولى غرر ؛ لأن غرة كل شيء أوله ، والثانية نفل على وزن صرد ونغر لزيادتها على الغرر ، والنفل الزيادة ، وثلاث تسع إذ آخرها تاسع ، وثلاث عشر لأن أولها عاشر ، وزنهما وزن زحل ، وثلاث تبع ، وثلاث درع ، ووزنهما كزحل أيضا لاسوداد أوائلها وابيضاض أواخرها ، وثلاث ظلم لإظلامها ، وثلاث حنادس لشدة سوادها ، وثلاث دآدئ كسلالم لأنها بقايا ، وثلاث محاق بضم الميم لانمحاق القمر أول الشهر ، والمحق المحو ، ويقال لهما سرر أيضا عند الجمهور كما ذكرنا . قوله ( أظنه ) يعني هذه اللفظة غير محفوظة ، وهذا الظن من أبي النعمان لتصريح البخاري في آخره بأن ذلك لم يقع في رواية الصلت ، وكان ذلك وقع من أبي النعمان لما حدث به البخاري ، وإلا فقد رواه الجوزقي من طريق أحمد بن يوسف السلمي ، عن أبي النعمان بدون ذلك ، وهو الصواب ، ونقل الحميدي ، عن البخاري أنه قال : شعبان أصح ، وقيل : إن ذلك ثابت في بعض الروايات في ( الصحيح ) ، وقال الخطابي : ذكر رمضان هنا وهم ؛ لأن رمضان يتعين صوم جميعه ، وكذا قال الداودي ، وابن الجوزي . فإن قلت : روى مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شعبة قال : حدثنا يزيد بن هارون ، عن الجريري ، عن العلاء ، عن مطرف ، عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل : هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا ؟ قال : لا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه . قلت : روى مسلم أيضا من حديث هداب بن خالد ، عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال له أو لآخر : أصمت من سرر شعبان ؟ قال : لا ، قال : فإذا أفطرت فصم يومين . فهذا يدل على أن المراد من قوله في رواية البخاري : أما صمت سرر هذا الشهر ؟ - أنه شعبان ، وقول أبي النعمان : أظنه يعني رمضان - وهم كما ذكرنا ، وقيل : يحتمل أن يكون قوله رمضان في قوله رمضان ظرفا للقول الصادر منه صلى الله تعالى عليه وسلم لا لصيام المخاطب بذلك ، فيوافق رواية الجريري عن العلاء ، عن مطرف ، وقد ذكرناه الآن . قلت : التحقيق فيه أن المراد من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : أصمت سرر هذا الشهر ؟ في رواية البخاري - أنه شعبان ، يؤيده ويوضحه رواية مسلم من حديث هداب عن عمران ، وكذلك يوضح حديث هداب رواية مسلم من حديث مطرف ، فإنه ليس فيها ذكر شعبان ، والأحاديث يفسر بعضها بعضا ، وبقي الكلام في قوله : فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين . فنقول : هذا ابتداء كلام معناه أنك إذا تركت السرر من رمضان الذي هو فرض ، فصم يومين عوضه ؛ لأن السرر يومان من آخر الشهر ، كما ذكرناه بخلاف سرر شعبان فإنه ليس بمتعين عليه ، فلذلك لم يأمره بالقضاء بعد قول الرجل : يا رسول الله ، يعني ما صمت سرر هذا الشهر الذي هو شعبان . فإن قلت : كيف قال : فصم يومين ، في رواية مسلم بعد قوله ( فإذا فطرت رمضان ) ، والذي يفطر رمضان هل يكتفي في قضائه بيومين ؟ قلت : تقديره من رمضان ، وحذفت لفظة من ، وهي مرادة كما في الرواية الأخرى ، وهو من قبيل قوله تعالى : وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ أي : من قومه ، وهذا هو تحرير هذا الموضع الذي لم أر أحدا من شراح البخاري ، ومن شراح مسلم حرر هذا الموضع كما ينبغي ، ولا سيما من يدعي في هذا الفن بدعاوى عريضة بمقدمات ليس لها نتيجة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصوم آخر الشهر · ص 102 قال أبو عبد الله : وقال ثابت ، عن مطرف ، عن عمران ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : من سرر شعبان . أبو عبد الله هو البخاري ، وليس في بعض النسخ هذا ، وأراد بالتعليق أن المراد من قوله : أصمت سرر هذا الشهر - هو سرر شعبان ، وليس هو برمضان ، كما ظنه أبو النعمان ، وقد وصل هذا التعليق مسلم ، حدثنا هداب بن خالد قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، ولم أفهم مطرفا من هداب ، عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أو لآخر .. الحديث ، وقد ذكرناه عن قريب ، والله أعلم .