64 - بَاب هَلْ يَخُصُّ شَيْئًا مِنْ الْأَيَّامِ ؟ 1987 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَصُّ مِنْ الْأَيَّامِ شَيْئًا ؟ قَالَتْ : لَا ، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً ، وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطِيقُ ؟ ! قَوْلُهُ : ( بَابُ هَلْ يَخُصُّ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ، أَيِ : الْمُكَلَّفُ ( شَيْئًا مِنَ الْأَيَّامِ ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ يُخَصُّ شَيْءٌ بِضَمِّ أَوَّلِ يُخَصُّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ : شَيْءٌ مِنَ الْأَيَّامِ ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ : لَمْ يَجْزِمْ بِالْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ إِدَامَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِبَادَةَ وَمُوَاظَبَتَهُ عَلَى وَظَائِفِهَا ، وَيُعَارِضُهُ مَا صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ نَفْسِهَا مِمَّا يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُدَاوَمَةِ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ جَمِيعًا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ : قَدْ صَامَ . وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ : قَدْ أَفْطَرَ وَتَقَدَّمَ نَحْوُهُ قَرِيبًا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ ، فَأَبْقَى التَّرْجَمَةَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ لِيَتَرَجَّحَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ أَوْ يَتَبَيَّنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ قَوْلَهَا : كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً مَعْنَاهُ أَنَّ اخْتِلَافَ حَالِهِ فِي الْإِكْثَارِ مِنَ الصَّوْمِ ثُمَّ مِنَ الْفِطْرِ كَانَ مُسْتَدَامًا مُسْتَمِرًّا ، وَبِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوَظِّفُ عَلَى نَفْسِهِ الْعِبَادَةَ ، فَرُبَّمَا شَغَلَهُ عَنْ بَعْضِهَا شَاغِلٌ فَيَقْضِيهَا عَلَى التَّوَالِي ، فَيَشْتَبِهُ الْحَالُ عَلَى مَنْ يَرَى ذَلِكَ ، فَقَوْلُ عَائِشَةَ : كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً مُنَزَّلٌ عَلَى التَّوْظِيفِ ، وَقَوْلُهَا : كَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ صَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ مُنَزَّلٌ عَلَى الْحَالِ الثَّانِي ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُ هَذَا فِي بَابِ مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْصِدُ نَفْلًا ابْتِدَاءً فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَيَصُومُهُ ، بَلْ إِذَا صَامَ يَوْمًا بِعَيْنِهِ كَالْخَمِيسِ مَثَلًا دَاوَمَ عَلَى صَوْمِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ الْقَطَّانُ وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ ، وَعَلْقَمَةُ خَالُهُ . وَهَذَا الْإِسْنَادُ مِمَّا يُعَدُّ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ . قَوْلُهُ : ( هَلْ كَانَ يَخْتَصُّ مِنَ الْأَيَّامِ شَيْئًا؟ قَالَتْ : لَا ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى كَرَاهَةِ تَحَرِّي صِيَامِ يَوْمٍ مِنَ الْأُسْبُوعِ ، وَأَجَابَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ السَّائِلَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ إِنَّمَا سَأَلَ عَنْ تَخْصِيصِ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا أَيَّامًا ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ تَخْصِيصُهُ مِنَ الْأَيَّامِ بِالصِّيَامِ فَإِنَّمَا خُصِّصَ لِأَمْرٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ بَقِيَّةُ الْأَيَّامِ كَيَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ وَأَيَّامِ الْبِيضِ ، وَجَمِيعِ مَا عُيِّنَ لِمَعْنًى خَاصٍّ . وَإِنَّمَا سَأَلَ عَنْ تَخْصِيصِ يَوْمٍ لِكَوْنِهِ مَثَلًا يَوْمَ السَّبْتِ ، وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ ، فَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِمَا أَحَادِيثُ وَكَأَنَّهَا لَمْ تَصِحَّ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، فَلِهَذَا أَبْقَى التَّرْجَمَةَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ ، فَإِنْ ثَبَتَ فِيهِمَا مَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُمَا اسْتُثْنِيَ مِنْ عُمُومِ قَوْلِ عَائِشَةَ : لَا . قُلْتُ : وَرَدَ فِي صِيَامِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ ، مِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ رَبِيعَةَ الْجَرْشِيِّ عَنْهَا وَلَفْظُهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَحَرَّى صِيَامَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ . وَحَدِيثُ أُسَامَةَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ ، فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : إِنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، فَعَلَى هَذَا فَالْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ أَنْ يُقَالَ : لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْأَيَّامِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، فَكَأَنَّ السَّائِلُ لَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . وَرَغِبَ فِي أَنَّهَا تَكُونُ أَيَّامَ الْبِيضِ سَأَلَ عَائِشَةَ : هَلْ كَانَ يَخُصُّهَا بِالْبِيضِ؟ فَقَالَتْ : لَا ، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً تَعْنِي : لَوْ جَعَلَهَا الْبِيضَ لَتَعَيَّنَتْ وَدَاوَمَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ دَائِمًا ، لَكِنْ أَرَادَ التَّوَسُّعَةَ بِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا ، فَكَانَ لَا يُبَالِي مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ صَامَهَا كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي بَابِ صِيَامِ الْبِيضِ وَأَنَّ مُسْلِمًا رَوَى مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَمَا يُبَالِي مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ صَامَ . وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ حِبَّانَ حَدِيثَ الْبَابِ وَحَدِيثَ عَائِشَةَ فِي صِيَامِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ ، وَحَدِيثَهَا : كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ : لَا يُفْطِرُ . وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَيْنَهُمَا تَعَارُضًا ، وَلَمْ يُفْصِحْ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ بِذَلِكَ بِفَضْلِهِ . قَوْلُهُ : ( يَخْتَصُّ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ فِي الرِّقَاقِ يَخُصُّ بِغَيْرِ مُثَنَّاةٍ . قَوْلُهُ : ( دِيمَةً ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ : دَائِمَةً ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الدِّيمَةُ مَطَرٌ يَدُومُ أَيَّامًا ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَسْتَمِرُّ . قَوْلُهُ : ( وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ يَسْتَطِيعُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هَلْ يَخُصُّ شَيْئًا مِنْ الْأَيَّامِ · ص 277 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هل يخص شيئا من الأيام · ص 107 باب هل يخص شيئا من الأيام ؟ أي هذا باب يذكر فيه هل يخص الشخص الذي يريد الصوم شيئا من الأيام ، وفي رواية النسفي : هل يخص شيء على صيغة بناء المجهول ، وإنما لم يذكر جواب الاستفهام الذي هو الحكم ؛ لأن ظاهر حديث الباب يدل على عدم التخصيص ، وجاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها ما يقتضي نفي المداومة ، وهو ما رواه مسلم من طريق أبي سلمة . ومن طريق عبد الله بن شقيق جميعا ، عن عائشة أنها سئلت عن صيام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقالت : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصوم حتى نقول : قد صام قد صام ، ويفطر حتى نقول : قد أفطر قد أفطر . فلأجل هذا ذكر الترجمة بالاستفهام ، ولينظر فيه إما بالترجيح أو بالجمع بينهما . 96 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَصُّ مِنْ الْأَيَّامِ شَيْئًا ؟ قَالَتْ : لَا ، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً ، وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطِيقُ . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه جوابا للاستفهام المذكور فيها ، وهو أنه لا يخص شيئا من الأيام ، وإيراد هذا الحديث بهذه الترجمة يدل على أن ترك التخصيص هو المرجح عنده ، ويحيى هو القطان ، وسفيان هو الثوري ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وإبراهيم هو النخعي ، وعلقمة هو ابن قيس النخعي ، وهو خال إبراهيم المذكور ، وعم الأسود بن زيد ، وهذا الإسناد مما يعد من أصح الأسانيد ، ومسدد ويحيى بصريان ، والبقية كوفيون . وفيه رواية الراوي عن خاله . ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الرقاق ، عن عثمان بن أبي شيبة ، عن جرير ، وأخرجه مسلم في الصوم أيضا ، عن إسحاق بن إبراهيم ، وزهير بن حرب ، كلاهما عن جويرية ، وأخرجه أبو داود في الصلاة ، عن عثمان به ، وأخرجه الترمذي في الشمائل ، عن الحسين بن حريث ، عن جويرية به . ذكر معناه : قوله ( هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص من الأيام شيئا ؟ قالت : لا ) معناه أنه كان لا يخص شيئا من الأيام دائما ولا راتبا إلا أنه كان أكثر صيامه في شعبان ، وقد حض على صوم الاثنين والخميس ، لكن كان صومه على حسب نشاطه ، فربما وافق الأيام التي رغب فيها ، وربما لم يوافقها ، وفي أفراد مسلم ، عن معاذة العدوية أنها سألت عائشة : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ؟ قالت : نعم ، فقلت لها : من أي أيام الشهر كان يصوم ؟ قالت : لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم . ونقل ابن التين ، عن بعض أهل العلم أنه يكره أن يتحرى يوما من الأسبوع بصيام ؛ لهذا الحديث . قوله ( يختص ) من باب الافتعال ، وفي رواية جرير ، عن منصور في الرقاق : ( يخص ) بغير تاء مثناة من فوق . قوله ( ديمة ) بكسر الدال وسكون الياء آخر الحروف ، أي : دائما لا ينقطع ، ومن ذلك قيل للمطر الذي يدوم ولا ينقطع أياما الديمة .