1989 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ، أخبرني ابْنُ وَهْبٍ - أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ - قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرٌو ، عَنْ بُكَيْرٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلَابٍ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ . قَوْلُهُ في حديث ميمونة : ( أَخْبَرَنِي عَمْرٌو ) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ ، وَ بُكَيْرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، وَنِصْفُ إِسْنَادِهِ الْأَوَّلُ مِصْرِيُّونَ ، وَالْآخِرُ مَدَنِيُّونَ ، وَقَوْلُهُ : بِحِلَابٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ الْإِنَاءُ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ اللَّبَنُ ، وَقِيلَ : الْحِلَابُ : اللَّبَنُ الْمَحْلُوبُ ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِنَاءِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَبَنٌ . ( تَنْبِيهٌ ) : رَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ حَدِيثَ ابْنِ وَهْبٍ بِثَلَاثَةِ أَسَانِيدَ : أَحَدُهَا : عَنْهُ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ ، وَالثَّانِي : عَنْهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ شَيْخِ مَالِكٍ فِيهِ بِهِ ، وَالثَّالِثُ : عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ بُكَيْرٍ بِهِ ، وَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى أَحَدِ أَسَانِيدِهِ اكْتِفَاءً بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ . وَاسْتَدَلَّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ الْمُجَرَّدَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الِاسْتِحْبَابِ إِذْ قَدْ يَتْرُكُ الشَّيْءَ الْمُسْتَحَبَّ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَيَكُونُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلَ لِمَصْلَحَةِ التَّبْلِيغِ ، نَعَمْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ وَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ بَعْضُ السَّلَفِ ، فَجَاءَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : يَجِبُ فِطْرُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِلْحَاجِّ ، وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَعَائِشَةَ : أَنَّهُمْ كَانُوا يَصُومُونَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ يُعْجِبُ الْحَسَنَ وَيَحْكِيهِ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَنْ قَتَادَةَ مَذْهَبٌ آخَرُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا لَمْ يَضْعُفْ عَنِ الدُّعَاءِ ، وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ، وَاخْتَارَهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَالْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ : يُسْتَحَبُّ فِطْرُهُ ، حَتَّى قَالَ عَطَاءٌ : مَنْ أَفْطَرَهُ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الذِّكْرِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : إِنَّمَا أَفْطَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَفَةَ لِيَدُلَّ عَلَى الِاخْتِيَارِ لِلْحَاجِّ بِمَكَّةَ لِكَيْلا يَضْعُفَ عَنِ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ الْمَطْلُوبِ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا أَفْطَرَ لِمُوَافَقَتِهِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ ، وَقَدْ نَهَى عَنْ إِفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ ، وَيُبْعِدُهُ سِيَاقُ أَوَّلِ الْحَدِيثِ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا كَرِهَ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ لِاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا : يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ مِنًى عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ الْعِيَانَ أَقْطَعُ لِلْحُجَّةِ ، وَأَنَّهُ فَوْقَ الْخَبَرِ ، وَأَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ فِي الْمَحَافِلِ مُبَاحٌ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ، وَفِيهِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِنَ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ مِنْهَا هَلْ هُوَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا أَوْ لَا ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنَ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يَقَعُ فِيهِ الْمُشَاحَحةُ ، قَالَ الْمُهَلَّبُ : وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ احْتِمَالِ أَنَّهُ مِنْ بَيْتِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِيهِ تَأَسِّي النَّاسِ بِأَفْعَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِيهِ الْبَحْثُ وَالِاجْتِهَادُ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْمُنَاظَرَةُ فِي الْعِلْمِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَالتَّحَيُّلُ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِ سُؤَالٍ . وَفِيهِ فَطِنَةُ أُمِّ الْفَضْلِ لِاسْتِكْشَافِهَا عَنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ اللَّطِيفَةِ اللَّائِقَةِ بِالْحَالِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَوْمِ حَرٍّ بَعْدَ الظَّهِيرَةِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاوَلَ فَضْلَهُ أَحَدًا ، فَلَعَلَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا خَصَّتْهُ بِهِ ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَسْأَلَةُ التَّمْلِيكِ الْمُقَيَّدِ . انْتَهَى . وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ اهـ . وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ : فَشَرِبَ مِنْهُ وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ شُرْبَهُ مِنْهُ . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : لَعَلَّ اسْتِبْقَاءَهُ لِمَا فِي الْقَدَحِ كَانَ قَصْدًا لِإِطَالَةِ زَمَنِ الشُّرْبِ حَتَّى يَعُمَّ نَظَرُ النَّاسِ إِلَيْهِ ؛ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْبَيَانِ . وَفِيهِ الرُّكُوبُ فِي حَالِ الْوُقُوفِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ ، وَتَرْجَمَ لَهُ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ فِي الشُّرْبِ فِي الْقَدَحِ وَشُرْبِ الْوَاقِفِ عَلَى الْبَعِيرِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ · ص 279 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب صوم يوم عرفة · ص 109 98 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قال : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرٌو ، عَنْ بُكَيْرٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلَابٍ ، وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ. مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا في وجه مطابقة الحديث الذي قبله . ذكر رجاله ، وهم ستة : الأول : يحيى بن سليمان بن يحيى أبو سعيد الجعفي ، قدم مصر وحدث بها ، وتوفي بها سنة ثمان ، ويقال : سبع وثلاثين ومائتين . الثاني : عبد الله بن وهب . الثالث : عمرو بن الحارث . الرابع : بكير بن عبد الله بن الأشج . الخامس : كريب بن أبي مسلم القرشي مولى عبد الله بن عباس . السادس : ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع . وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه اثنان من الرواة مصغران : بكير ، وكريب . وفيه أن شيخه من أفراده ، وهو كوفي الأصل ، وابن وهب وعمرو مصريان ، والبقية مدنيون . وفيه قوله : أو قرئ عليه ، شك من يحيى في أن الشيخ قرأ أو قرئ على الشيخ . والحديث أخرجه مسلم في الصوم أيضا ، عن هارون بن سعيد الأيلي رحمه الله تعالى . ذكر معناه : قوله ( شكوا ) بتشديد الكاف في صيام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، منهم من قال : إنه صائم ، بناء على عادتهم في الحضر ، ومنهم من قال : إنه غير صائم ؛ لكونه مسافرا ، وقد عرف نهيه عن صوم الفرض في السفر ، فضلا عن النفل . قوله ( بحلاب ) بكسر الحاء المهملة ، وتخفيف اللام ، وهو الإناء الذي يحلب فيه اللبن ، وقيل : الحلاب اللبن المحلوب ، وقد يطلق على الإناء ، ولو لم يكن فيه لبن . ذكر ما يستفاد منه : استدل بهذين الحديثين على استحباب الفطر يوم عرفة بعرفة . وفيه نظر ؛ لأن فعله المجرد لا يدل على نفي الاستحباب إذ قد يترك الشيء المستحب لبيان الجواز ، ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ . نعم يتم الاستدلال بما رواه أبو داود ، والنسائي من طريق عكرمة ، أن أبا هريرة حدثهم : أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة . وصححه ابن خزيمة ، والحاكم ، وأخذ بظاهره بعض السلف ، فنقل عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال : يجب فطر يوم عرفة للحاج ، وقال الطبري : إنما أفطر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعرفة ليدل على الاختيار للحجاج ، لكن بأن لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة ، وقيل : إنما أفطر لموافقته يوم الجمعة ، وقد نهى عن إفراده بالصوم ، وقيل : لأنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه ، ويؤيده ما رواه أصحاب السنن ، عن عقبة بن عامر مرفوعا : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام منى - عيدنا أهل الإسلام . وفيه أن العيان أقطع للحجة ، وأنه فوق الخبر . وفيه أن الأكل والشرب في المحافل مباح ، ولا كراهة فيه للضرورة . وفيه تأسي الناس بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم . وفيه البحث والاجتهاد في حياته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، والمناظرة في العلم بين الرجال والنساء ، والتحيل على الاطلاع على الحكم بغير سؤال . وفيه فطنة ميمونة وأم الفضل أيضا لاستكشافهما عن الحكم الشرعي بهذه الوسيلة اللائقة بالحال ؛ لأن ذلك كان في يوم حر بعد الظهيرة ، قيل : لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم ناول فضله أحدا ، فلعله علم أنها خصته به ، فيؤخذ منه مسألة التمليك المقيد . وفيه نظر ، وقد وقع في حديث ميمونة : ( فشرب منه ) فهذا يدل على أنه لم يستوف شربه ، والله أعلم .