4 - بَاب مَا يُتَنَزَّهُ مِنْ الشُّبُهَاتِ 2055 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ فَقَالَ : لَوْلَا أَنْ تَكُونَ صَدَقَةٍ لَأَكَلْتُهَا . وَقَالَ هَمَّامٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَجِدُ تَمْرَةً سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُتَنَزَّهُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ : يُجْتَنَبُ ( مِنَ الشُّبُهَاتِ ) . ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ يُكْرَهُ بَدَلَ يُتَنَزَّهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ ، وَطَلْحَةُ هُوَ ابْنُ مُطَرِّفٍ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا الصَّحَابِيَّ فَإِنَّهُ سَكَنَ الْبَصْرَةَ وَقَدْ دَخَلَ الْكُوفَةَ مِرَارًا ، وَصَرَّحَ يَحْيَى الْقَطَّانُ بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ مَنْصُورٍ ، وَسُفْيَانَ كَمَا سَيَأْتِي فِي اللُّقَطَةِ . قَوْلُهُ : ( مَسْقُوطَةٍ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ . وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : مُسْقَطَةٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْقَافِ ، قَالَ ابْنُ التَّيْمِيِّ قَوْلُهُ : مَسْقُوطَةٍ كَلِمَةٌ غَرِيبَةٌ ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ سَقَطَ لَازِمٌ ، وَالْعَرَبُ قَدْ تَذْكُرُ الْفَاعِلَ بِلَفْظِ الْمَفْعُولِ; وَاسْتَشْهَدَ لَهُ الْخَطَّابِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا أَيْ : آتَيَا وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : مَسْقُوطَةٌ بِمَعْنَى سَاقِطَةٍ كَقَوْلِهِ حِجَابًا مَسْتُورًا أَيْ : سَاتِرًا . وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي الشَّوَاهِدِ : قَوْلُهُ مَسْقُوطَةٍ بِمَعْنَى مُسْقَطَةٍ وَلَا فِعْلَ لَهُ ، وَنَظِيرُهُ مَرْقُوقٌ بِمَعْنَى مُرَقٍّ أَيْ : مُسْتَرَقٍّ عَنِ ابْنِ جِنِّي ، قَالَ : وَكَمَا جَاءَ مَفْعُولٌ وَلَا فِعْلَ لَهُ جَاءَ فِعْلٌ وَلَا مَفْعُولَ لَهُ ، كَقِرَاءَةِ النَّخَعِيِّ : ( عُمُوا وَصُمُّوا ) بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا وَلَمْ يَجِئْ مَصْمُومٌ اكْتِفَاءً بِأَصَمَّ . قُلْتُ : وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَبِيصَةَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ : مَطْرُوحَةٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَبِيصَةَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ : بِتَمْرَةٍ وَلَمْ يَقُلْ مَسْقُوطَةٍ وَلَا مُسْقَطَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ هَمَّامٌ . . . إِلَخْ ) وَصَلَهُ فِي اللُّقَطَةِ بِتَمَامِهِ وَلَفْظُهُ : إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيَهَا . قُلْتُ : وَلَمْ يَسْتَحْضِرِ الْكَرْمَانِيُّ لَفْظَ رِوَايَةِ هَمَّامٍ فَقَالَ : تَمَامُ الْحَدِيثِ غَيْرُ مَذْكُورٍ ، وَهُوَ لَوْلَا أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لَأَكَلْتُهَا . قُلْتُ : وَالنُّكْتَةُ فِي ذِكْرِهِ هُنَا مَا فِيهِ مِنْ تَعْيِينِ الْمَحَلِّ الَّذِي رَأَى فِيهِ التَّمْرَةَ وَهُوَ فِرَاشُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَأْكُلْهَا وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْوَرَعِ . قَالَ الْمُهَلَّبُ : لَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ فَيَعْلَقُ بِثَوْبِهِ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ شَيْءٌ فَيَقَعُ فِي فِرَاشِهِ ، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أَكْلِهِ مِنَ اللَّحْمِ الَّذِي تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ . قُلْتُ : وَلَمْ يَنْحَصِرْ وُجُودُ شَيْءٍ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فِي غَيْرِ بَيْتِهِ حَتَّى يُحْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّمْرُ حُمِلَ إِلَى بَعْضِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ مِمَّنْ هُوَ فِي بَيْتِهِ وَتَأَخَّرَ تَسْلِيمُ ذَلِكَ لَهُ ، أَوْ حُمِلَ إِلَى بَيْتِهِ فَقَسَمَهُ فَبَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ . وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : تَضَوَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَقِيلَ لَهُ : مَا أَسْهَرَكَ؟ قَالَ : إِنِّي وَجَدْتُ تَمْرَةً سَاقِطَةً فَأَكَلْتُهَا ، ثُمَّ ذَكَرْتُ تَمْرًا كَانَ عِنْدَنَا مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَمَا أَدْرِي أَمِنْ ذَلِكَ كَانَتِ التَّمْرَةُ أَوْ مِنْ تَمْرِ أَهْلِي ، فَذَلِكَ أَسْهَرَنِي وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعَدُّدِ ، وَأَنَّهُ لَمَّا اتَّفَقَ لَهُ أَكْلُ التَّمْرَةِ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَأَقْلَقَهُ ذَلِكَ صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا وَجَدَ مِثْلَهَا مِمَّا يُدْخِلُ التَّرَدُّدَ تَرَكَهُ احْتِيَاطًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي حَالَةِ أَكْلِهِ إِيَّاهَا كَانَ فِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ وَفِي حَالِ تَرْكِهِ كَانَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : إِنَّمَا تَرَكَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَرُّعًا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَيْتِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَفِيهِ تَحْرِيمُ قَلِيلِ الصَّدَقَةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَحْرِيمُ كَثِيرِهَا مِنْ بَابِ أَوْلَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُتَنَزَّهُ مِنْ الشُّبُهَاتِ · ص 343 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يتنزه من الشبهات · ص 170 باب ما يتنزه من الشبهات أي : هذا باب في بيان ما يتنزه من التنزه يقال : تنزه تنزها إذا بعد وأصله من نزه نزاهة ، ومنه تنزيه الله وهو تبعيده عما لا يجوز عليه من النقائص . قوله : من الشبهات بضم الشين والباء وهو جمع شبهة . 9 - حدثنا قبيصة قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن طلحة ، عن أنس رضي الله عنه قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة مسقطة فقال : لولا أن تكون صدقة لأكلتها . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه التنزه عن الشبهة وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يتنزه من أكل مثل هذه التمرة الساقطة لأجل الشبهة ، وهو احتمال كونها من الصدقة . ورجاله خمسة : قبيصة بفتح القاف وكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة ابن عقبة بن عامر السوائي العامري الكوفي ، وسفيان الثوري ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وطلحة هو ابن مصرف على وزن اسم الفاعل من التصريف اليامي بالياء آخر الحروف الكوفي ، كان يقال له سيد القراء ، مات سنة ثنتي عشرة ومائة ، وأخرجه البخاري أيضا في المظالم عن محمد بن يوسف ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن يحيى بن يحيى ، وعن أبي كريب ، وأخرجه النسائي في اللقطة عن محمود بن غيلان . قوله : مسقطة على صيغة المفعول من الإسقاط ، والقياس أن يقال ساقطة لكنه قد يجعل اللازم كالمتعدي بتأويل كقراءة من قرأ فعموا وصموا بلفظ المجهول ، وقال التيمي : هو كلمة غريبة ؛ لأن المشهور إن سقط لازم على أن العرب قد تذكر الفاعل بلفظ المفعول ، وبالعكس إذا كان المعنى مفهوما ، ويجوز أن يقال جاء سقط متعديا أيضا بدليل قوله تعالى : سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وقال الخطابي : يأتي المفعول بمعنى الفاعل كقوله تعالى: كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا أي : أتيا ، وقال المهلب : إنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم أكل التمرة تنزها عنها لجواز أن تكون من تمر الصدقة وليس على غيره بواجب أن يتبع الجوازات ؛ لأن الأشياء مباحة حتى يقوم الدليل على الحظر ، فالتنزه عن الشبهات لا يكون إلا فيما أشكل أمره ولا يدرى أحلال هو أم حرام ، واحتمل المعنيين ولا دليل على أحدهما ، ولا يجوز أن يحكم على من أخذ مثل ذلك أنه أخذ حراما لاحتمال أن يكون حلالا ، غير أنا نستحب من باب الورع أن نقتدي بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل في التمرة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم لوابصة بن معبد : البر ما اطمأنت إليه نفسك والإثم ما حاك في الصدر وقال أبو عمر : لا يبلغ أحد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدور ، وقال أبو الحسن القابسي : إن قال قائل : إذا وجد التمرة في بيته فقد بلغت محلها ، وليست من الصدقة ، قيل له : يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الصدقة ثم ينقلب إلى أهله ، فربما علقت تلك التمرة بثوبه فسقطت على فراشه فصارت شبهة انتهى . وقيل : في هذا الحديث تحريم قليل الصدقة وكثيرها على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه : أن أموال المسلمين لا يحرم منها إلا ما له قيمة ويتشاح في مثله ، وأما التمرة واللبابة من الخبز أو التينة أو الزبيبة وما أشبهها ، فقد أجمعوا على أخذها ورفعها من الأرض وإكرامها بالأكل دون تعريفها استدلالا بقوله : لأكلتها وأنها مخالفة لحكم اللقطة ، وقال الخطابي : وفيه أنه لا يجب على آخذها التصدق بها ؛ لأنه لو كان سبيلها التصدق لم يقل لأكلتها ، وفي المدونة : يتصدق بالطعام تافها كان أو غير تافه أعجب إلي إذا خشي عليه بالفساد بوطء أو شبهة ، وعن مطرف : إذا أكله غرمه وإن كان تافها ، وهذا الحديث حجة عليه قال : وإن تصدق به فلا شيء عليه . وقال همام : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أجد تمرة ساقطة على فراشي . همام على وزن فعال بالتشديد هو ابن منبه بن كامل يكنى أبا عتبة الأنباري الصنعاني أخو وهب بن منبه ، وهذا التعليق ذكره البخاري مسندا في كتاب اللقطة عن محمد بن مقاتل ، أنبأنا عبد الله ، أنبأنا معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة يرفعه : إني لأنقلب إلى أهلي فأجد تمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها . قوله : أجد ذكر بلفظ المضارع استحضارا للصورة الماضية ، وقال الكرماني : فإن قلت : ما تعلقه بهذا الباب ؟ قلت : تمام الحديث غير مذكور وهو : لولا أن تكون صدقة لأكلتها ، ارتاب صلى الله عليه وسلم في تلك التمرة فتركها تنزها انتهى ، قلت : لم يقف الكرماني على تمام الحديث في اللقطة ولو وقف لما احتاج إلى هذا التكلف ولا ذكر بقية الحديث على غير ما هي في رواية البخاري .