45 - بَاب إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ 2112 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، وَكَانَا جَمِيعًا ، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ ) أَيْ : وَقَبْلَ التَّفَرُّقِ ( فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ ) أَيْ : وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا . أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، أَيْ : فَيَنْقَطِعُ الْخِيَارُ ، وَقَوْلُهُ : وَكَانَا جَمِيعًا تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ : أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَيْ : فَيَنْقَطِعُ الْخِيَارُ ، وَقَوْلُهُ : فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ أَيْ : وَبَطَلَ الْخِيَارُ ، وَقَوْلُهُ : وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا ، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ أَيْ : لَمْ يَفْسَخْهُ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ أَيْ : بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا فِي انْفِسَاخِ الْبَيْعِ بِفَسْخِ أَحَدِهِمَا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا أَوْضَحُ شَيْءٍ فِي ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ ، وَهُوَ مُبْطِلٌ لِكُلِّ تَأْوِيلٍ مُخَالِفٍ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ : وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا ، فِيهِ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ أَنَّ التَّفَرُّقَ بِالْبَدَنِ هُوَ الْقَاطِعُ لِلْخِيَارِ ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ التَّفَرُّقَ بِالْقَوْلِ لَخَلَا الْحَدِيثُ عَنْ فَائِدَةٍ . انْتَهَى . وَقَدْ أَقْدَمَ الدَّاوُدِيُّ عَلَى رَدِّ هَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ بِمَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فَقَالَ : قَوْلُ اللَّيْثِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَكَانَا جَمِيعًا إِلَخْ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ ؛ لِأَنَّ مَقَامَ اللَّيْثِ فِي نَافِعٍ لَيْسَ كَمَقَامِ مَالِكٍ وَنَظَرَاتِهِ . انْتَهَى . وَهُوَ رَدٌّ لِمَا اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى ثُبُوتِهِ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ ، وَأَيُّ لَوْمٍ عَلَى مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ مُفَسِّرًا لِأَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ حَافِظًا مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ غَيْرُهُ مَعَ وُقُوعِ تَعَدُّدِ الْمَجْلِسِ ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ شَيْخَهُمْ حَدَّثَهُمْ بِهِ تَارَةً مُفَسَّرًا وَتَارَةً مُخْتَصَرًا ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ : وَبِهِ جَزَمَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ امْتِدَادِ الْخِيَارِ إِلَى التَّفَرُّقِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمَا إِنِ اخْتَارَا إِمْضَاءَ الْبَيْعِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لَزِمَ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ وَبَطَلَ اعْتِبَارُ التَّفَرُّقِ ، فَالتَّقْدِيرُ إِلَّا الْبَيْعَ الَّذِي جَرَى فِيهِ التَّخَايُرُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى تَرْجِيحِ هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَأَبْطَلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مَا سِوَاهُ وَغَلَّطُوا قَائِلَهُ . انْتَهَى . وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ ظَاهِرَةٌ جِدًّا فِي تَرْجِيحِهِ ، وَقِيلَ : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنِ انْقِطَاعِ الْخِيَارِ بِالتَّفَرُّقِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : أَوْ يُفَرِّقُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَيْ : فَيَشْتَرِطُ الْخِيَارَ مُدَّةً مُعَيَّنَةً فَلَا يَنْقَضِي الْخِيَارُ بِالتَّفَرُّقِ بَلْ يَبْقَى حَتَّى تَمْضِيَ الْمُدَّةُ ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ أَبِي ثَوْرٍ ، وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ بِأَنَّهُ أَقَلُّ فِي الْإِضْمَارِ ، وَتُعَيِّنُهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ - قِيلَ : هُوَ ابْنُ أُمَيَّةَ وَقِيلَ : غَيْرُهُ - عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ كَانَ عَنْ خِيَارٍ فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ وَجَبَ الْبَيْعُ ، وَقِيلَ : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ إِثْبَاتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ ، وَالْمَعْنَى أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَيَخْتَارُ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ فَيَنْتَفِي الْخِيَارُ . وَهَذَا أَضْعَفُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ ، وَقِيلَ : قَوْلُهُ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْعَ خِيَارٍ أَيْ : هُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَنْ يَتَخَايَرَا ، وَلَوْ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، وَلَوْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، وَهُوَ قَوْلٌ يَجْمَعُ التَّأْوِيلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ : إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ أَوْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ : اخْتَرْ إِنْ حَمَلْنَا أَوْ عَلَى التَّقْسِيمِ لَا عَلَى الشَّكِّ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُهُ : أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ مِنْ يُخَيِّرْ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَيَحْتَمِلُ نَصْبَ الرَّاءِ عَلَى أَنَّ أَوْ بِمَعْنَى إِلَّا أَنْ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ : أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : اخْتَرْ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ · ص 389 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع · ص 228 ( باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع ) أي هذا باب يذكر فيه إذا خير أحد المتابعين صاحبه بعد البيع قبل التفرق فقد وجب البيع أي لزم . 64 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ، ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع . مطابقته للترجمة في قوله : " أن يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع " . وأخرجه مسلم أيضا في البيوع ، عن قتيبة ، عن الليث ، عن نافع إلى آخره نحو رواية البخاري سندا ومتنا . وأخرجه النسائي فيه وفي الشروط . وأخرجه ابن ماجه في التجارات جميعا بإسناده الذي قبله . قوله : " إذا تبايع " تفاعل ، وباب التفاعل يأتي بمعنى المفاعلة ، " وكانا جميعا " تأكيد لما قبله . قوله : " أو يخير أحدهما الآخر " قال بعضهم : يخير بإسكان الراء عطفا على قوله : " ما لم يتفرقا " ، ويحتمل نصب الراء على أن أو بمعنى إلا أن . انتهى . ( قلت ) : قد ذكرت عن قريب أن هذا القائل ظن أن أو حرف العطف ، وليس كذلك بل هو بمعنى إلا ، وتضمر أن بعدها ، والمعنى إلا أن يخير أحدهما الآخر . قال النووي : معنى " أو يخير أحدهما الآخر " يقول له : اختر أي إمضاء البيع ، فإذا اختار وجب البيع أي لزم وانبرم ، فإن خير أحدهما الآخر فسكت لم ينقطع خيار الساكت ، وفي انقطاع خيار القائل وجهان لأصحابنا ، أصحهما : الانقطاع ؛ لظاهر لفظ الحديث ، وقال الخطابي : هذا أوضح شيء في ثبوت خيار المجلس ، وهو مبطل لكل تأويل مخالف لظاهر الأحاديث ، وكذلك قوله في آخره : " وإن تفرقا بعد أن تبايعا " فيه البيان الواضح أن التفرق بالبدن هو القاطع للخيار ، ولو كان معناه التفرق بالقول لخلا الحديث عن فائدة . انتهى . ( قلت ) : قوله : أوضح شيء في ثبوت خيار المجلس فيما إذا أوجب أحد المتبايعين ، والآخر مخير إن شاء قبله ، وإن شاء رده ، وأما إذا حصل الإيجاب والقبول في الطرفين فقد تم العقد ، فلا خيار بعد ذلك ، إلا بشرط شرط فيه أو خيار العيب ، والدليل عليه حديث سمرة أخرجه النسائي ، ولفظه : " أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ويأخذ كل واحد منهما من البيع ما هوى ويتخيران ثلاث مرات " قال الطحاوي : قوله في هذا الحديث : " ويأخذ كل منهما ما هوى " يدل على أن الخيار الذي للمتبايعين إنما هو قبل انعقاد البيع بينهما فيكون العقد بينه وبين صاحبه فيما يرضاه منه لا فيما سواه مما لا يرضاه ؛ إذ لا خلاف بين القائلين في هذا الباب بأن الافتراق المذكور في الحديث هو بعد البيع بالأبدان أنه ليس للمبتاع أن يأخذ ما رضي به من المبيع ويترك بقيته ، وإنما له عنده أن يأخذه كله أو يدعه كله . انتهى . ( قلت ) : فدل هذا أن التفرق بالقول لا بالأبدان ، وقول الخطابي : وهو مبطل لكل تأويل إلى آخره - غير مسلَّم ؛ لأن التأويلين إذا تقابلا وقف الحديث ويعمل بالقياس ، وهو أن تقاس العقود من البيع ونحوها التي تكون بالمنافع كالإجارات - على ما كان يملك من الإبضاع كالأنكحة ، فكما لا تشترط فيها الفرقة بالأبدان بعد العقد فكذلك لا تشترط في عقود البيع ، والجامع كون كل منهما عقدا يتم بالإيجاب والقبول ، وقال مالك : ليس لفرقتهما حد معروف ، ولا وقت معلوم ، وهذه جهالة وقف البيع عليها ، كبيع الملامسة ، والمنابذة ، وكبيع بخيار إلى أجل مجهول ، وما كان كذلك فهو فاسد قطعا .