باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع
( باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع ) 64 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن رسول الله ج١١ / ص٢٢٩- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ، ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع . مطابقته للترجمة في قوله : " أن يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع " .
وأخرجه مسلم أيضا في البيوع ، عن قتيبة ، عن الليث ، عن نافع إلى آخره نحو رواية البخاري سندا ومتنا . وأخرجه النسائي فيه وفي الشروط . وأخرجه ابن ماجه في التجارات جميعا بإسناده الذي قبله .
قوله : " إذا تبايع " تفاعل ، وباب التفاعل يأتي بمعنى المفاعلة ، " وكانا جميعا " تأكيد لما قبله . قوله : " أو يخير أحدهما الآخر " قال بعضهم : يخير بإسكان الراء عطفا على قوله : " ما لم يتفرقا " ، ويحتمل نصب الراء على أن أو بمعنى إلا أن . انتهى .
( قلت ) : قد ذكرت عن قريب أن هذا القائل ظن أن أو حرف العطف ، وليس كذلك بل هو بمعنى إلا ، وتضمر أن بعدها ، والمعنى إلا أن يخير أحدهما الآخر . قال النووي : معنى " أو يخير أحدهما الآخر " يقول له : اختر أي إمضاء البيع ، فإذا اختار وجب البيع أي لزم وانبرم ، فإن خير أحدهما الآخر فسكت لم ينقطع خيار الساكت ، وفي انقطاع خيار القائل وجهان لأصحابنا ، أصحهما : الانقطاع ؛ لظاهر لفظ الحديث ، وقال الخطابي : هذا أوضح شيء في ثبوت خيار المجلس ، وهو مبطل لكل تأويل مخالف لظاهر الأحاديث ، وكذلك قوله في آخره : " وإن تفرقا بعد أن تبايعا " فيه البيان الواضح أن التفرق بالبدن هو القاطع للخيار ، ولو كان معناه التفرق بالقول لخلا الحديث عن فائدة . انتهى .
( قلت ) : قوله : أوضح شيء في ثبوت خيار المجلس فيما إذا أوجب أحد المتبايعين ، والآخر مخير إن شاء قبله ، وإن شاء رده ، وأما إذا حصل الإيجاب والقبول في الطرفين فقد تم العقد ، فلا خيار بعد ذلك ، إلا بشرط شرط فيه أو خيار العيب ، والدليل عليه حديث سمرة أخرجه النسائي ، ولفظه : " أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ويأخذ كل واحد منهما من البيع ما هوى ويتخيران ثلاث مرات " قال الطحاوي : قوله في هذا الحديث : " ويأخذ كل منهما ما هوى " يدل على أن الخيار الذي للمتبايعين إنما هو قبل انعقاد البيع بينهما فيكون العقد بينه وبين صاحبه فيما يرضاه منه لا فيما سواه مما لا يرضاه ؛ إذ لا خلاف بين القائلين في هذا الباب بأن الافتراق المذكور في الحديث هو بعد البيع بالأبدان أنه ليس للمبتاع أن يأخذ ما رضي به من المبيع ويترك بقيته ، وإنما له عنده أن يأخذه كله أو يدعه كله . انتهى . ( قلت ) : فدل هذا أن التفرق بالقول لا بالأبدان ، وقول الخطابي : وهو مبطل لكل تأويل إلى آخره - غير مسلَّم ؛ لأن التأويلين إذا تقابلا وقف الحديث ويعمل بالقياس ، وهو أن تقاس العقود من البيع ونحوها التي تكون بالمنافع كالإجارات - على ما كان يملك من الإبضاع كالأنكحة ، فكما لا تشترط فيها الفرقة بالأبدان بعد العقد فكذلك لا تشترط في عقود البيع ، والجامع كون كل منهما عقدا يتم بالإيجاب والقبول ، وقال مالك : ليس لفرقتهما حد معروف ، ولا وقت معلوم ، وهذه جهالة وقف البيع عليها ، كبيع الملامسة ، والمنابذة ، وكبيع بخيار إلى أجل مجهول ، وما كان كذلك فهو فاسد قطعا .