95 - بَاب مَنْ أَجْرَى أَمْرَ الْأَمْصَارِ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ فِي الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْمِكْيَالِ وَالْوَزْنِ وَسُنَنِهِمْ عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ الْمَشْهُورَةِ وَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْغَزَّالِينَ : سُنَّتُكُمْ بَيْنَكُمْ . وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ : لَا بَأْسَ الْعَشَرَةُ بِأَحَدَ عَشَرَ وَيَأْخُذُ لِلنَّفَقَةِ رِبْحًا . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ : خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ . وَقَالَ تَعَالَى : وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ وَاكْتَرَى الْحَسَنُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِرْدَاسٍ حِمَارًا ، فَقَالَ : بِكَمْ ؟ قَالَ : بِدَانَقَيْنِ . فَرَكِبَهُ ثُمَّ جَاءَ مَرَّةً أُخْرَى ، فَقَالَ : الْحِمَارَ الْحِمَارَ ، فَرَكِبَهُ وَلَمْ يُشَارِطْهُ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ . 2210 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : حَجَمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو طَيْبَةَ ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ أَجْرَى أَمْرَ الْأَمْصَارِ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ فِي الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَسُنَنُهُمْ عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمُ الْمَشْهُورَةِ ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ : مَقْصُودُهُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِثْبَاتُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْعُرْفِ ، وَأَنَّهُ يُقْضَى بِهِ عَلَى ظَوَاهِرِ الْأَلْفَاظِ . وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا وَكَّلَ رَجُلًا فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ فَبَاعَهَا بِغَيْرِ النَّقْدِ الَّذِي عَرَفَ النَّاسُ لَمْ يَجُزْ ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ مَوْزُونًا أَوْ مَكِيلًا بِغَيْرِ الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ الْمُعْتَادِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الْعُرْفِ أَحَدُ الْقَوَاعِدِ الْخَمْسِ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا الْفِقْهُ ، فَمِنْهَا الرُّجُوعُ إِلَى الْعُرْفِ فِي مَعْرِفَةِ أَسْبَابِ الْأَحْكَامِ مِنَ الصِّفَاتِ الْإِضَافِيَّةِ ؛ كَصِغَرِ ضَبَّةِ الْفِضَّةِ وَكِبَرِهَا ، وَغَالِبِ الْكَثَافَةِ فِي اللِّحْيَةِ وَنَادِرِهَا ، وَقُرْبِ مَنْزِلِهِ وَبُعْدِهِ ، وَكَثْرَةِ فِعْلٍ أَوْ كَلَامٍ وَقِلَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ ، وَمُقَابَلًا بِعِوَضٍ فِي الْبَيْعِ ، وَعَيْنًا وَثَمَنِ مِثْلٍ ، وَمَهْرِ مِثْلٍ ، وَكُفْءِ نِكَاحٍ ، وَمُؤْنَةٍ وَنَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَسُكْنَى ، وَمَا يَلِيقُ بِحَالِ الشَّخْصِ مِنْ ذَلِكَ ، وَمِنْهَا الرُّجُوعُ إِلَيْهِ فِي الْمَقَادِيرِ كَالْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَأَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَسِنِّ الْيَأْسِ ، وَمِنْهَا الرُّجُوعُ إِلَيْهِ فِي فِعْلٍ غَيْرِ مُنْضَبِطٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ كَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالْإِذْنِ فِي الضِّيَافَةِ وَدُخُولِ بَيْتِ قَرِيبٍ ، وَتَبَسُّطٍ مَعَ صَدِيقٍ وَمَا يُعَدُّ قَبْضًا وَإِيدَاعًا وَهَدِيَّةً وَغَصْبًا وَحِفْظَ وَدِيعَةٍ وَانْتِفَاعًا بِعَارِيَةٍ ، وَمِنْهَا الرُّجُوعُ إِلَيْهِ فِي أَمْرٍ مُخَصَّصٍ كَأَلْفَاظِ الْأَيْمَانِ ، وَفِي الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَالتَّفْوِيضِ وَمَقَادِيرِ الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ وَالنُّقُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْغَزَّالِينَ ) بِالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ . قَوْلُهُ : ( سُنَّتُكُمْ بَيْنَكُمْ ) أَيْ : جَائِزَةٌ ، وَهَذَا عَلَى أَنْ يُقْرَأَ سُنَّتُكُمْ بِالرَّفْعِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْرَأَ بِالنَّصْبِ عَلَى حَذْفِ فِعْلٍ أَيِ : الْزَمُوا . وَهَذَا وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْغَزَّالِينَ اخْتَصَمُوا إِلَى شُرَيْحٍ فِي شَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُمْ ، فَقَالُوا : إِنَّ سُنَّتَنَا بَيْنَنَا كَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ : سُنَّتُكُمْ بَيْنَكُمْ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الصَّحِيحِ : سُنَّتُكُمْ بَيْنَكُمْ رِبْحًا وَقَوْلُهُ : رِبْحًا لَفْظَةٌ زَائِدَةٌ لَا مَعْنًى لَهَا هُنَا ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي آخِرِ الْأَثَرِ الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ( عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَهَذَا وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ هَذَا . قَوْلُهُ : ( لَا بَأْسَ الْعَشَرَةُ بِأَحَدَ عَشْرَ ) أَيْ : لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ مَا اشْتَرَاهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ مَثَلًا كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهُ بِأَحَدَ عَشَرَ ، فَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ عَشَرَةً وَالرِّبْحُ دِينَارًا ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَصْلُ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ الصُّبْرَةِ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْلَمَ مِقْدَارُ الصُّبْرَةِ فَأَجَازَهُ قَوْمٌ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ . قُلْتُ : وَفِي كَوْنِ هَذَا الْفَرْعِ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ أَثَرِ ابْنِ سِيرِينَ نَظَرٌ لَا يَخْفَى ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَيَأْخُذُ لِلنَّفَقَةِ رِبْحًا فَاخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَأْخُذُ إِلَّا فِيمَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي السِّلْعَةِ كَالصَّبْغِ وَالْخِيَاطَةِ ، وَأَمَّا أُجْرَةُ السِّمْسَارِ وَالطَّيِّ وَالشَّدِّ فَلَا ، قَالَ : فَإِنْ أَرْبَحَهُ الْمُشْتَرِي عَلَى مَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ جَازَ إِذَا رَضِيَ بِذَلِكَ . وَقَالَ الْجُمْهُورُ : لِلْبَائِعِ أَنْ يَحْسِبَ فِي الْمُرَابَحَةِ جَمِيعَ مَا صَرَفَهُ وَيَقُولُ : قَامَ عَلَيَّ بِكَذَا . وَوَجْهُ دُخُولِ هَذَا الْأَثَرِ فِي التَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي عُرْفِ الْبَلَدِ أَنَّ الْمُشْتَرَى بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ يُبَاعُ بِأَحَدَ عَشَرَ فَبَاعَهُ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ الْعُرْفِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ ) أَيْ : بِنْتِ عُتْبَةَ زَوْجِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّتَهَا مَوْصُولَةً فِي الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( وَاكْتَرَى الْحَسَنُ ) أَيْ : الْبَصْرِيُّ ( مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِرْدَاسٍ حِمَارًا إِلَخْ ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ يُونُسَ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَقَوْلُهُ : الْحِمَارَ الْحِمَارَ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أَيْ : أَحْضِرْ أَوِ اطْلُبْ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ أَيْ : الْمَطْلُوبُ ، وَالدَّانِقُ بِالْمُهْمَلَةِ وَنُونٍ خَفِيفَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَهَا قَافٌ : وَزْنُ سُدُسِ دِرْهَمٍ ، وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي التَّرْجَمَةِ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يُشَارِطْهُ اعْتِمَادًا عَلَى الْأُجْرَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَزَادَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْأُجْرَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى طَرِيقِ الْفَضْلِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ أَبِي طَيْبَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ وَسَاقَهُ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي التَّرْجَمَةِ كَوْنُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُشَارِطْهُ عَلَى أُجْرَتِهِ اعْتِمَادًا عَلَى الْعُرْفِ فِي مِثْلِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ أَجْرَى أَمْرَ الْأَمْصَارِ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ فِي الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْمِكْيَالِ وَالْوَزْنِ · ص 473 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن · ص 15 ( باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة ) أي هذا باب يذكر فيه من أجرى أمره إلى الأمصار على ما يتعارفون بينهم ، أي : على عرفهم وعوائدهم في أبواب البيوع والإجارات والمكيال ، وفي بعض النسخ : والكيل والوزن مثلا بمثل ، كل شيء لم ينص عليه الشارع أنه كيلي أو وزني ، يعمل في ذلك على ما يتعارفه أهل تلك البلدة ، مثلا الأرز ، فإنه لم يأت فيه نص من الشارع أنه كيلي أو وزني ، فيعتبر في عادة أهل كل بلدة على ما بينهم من العرف فيه ، فإنه في البلاد المصرية يكال ، وفي البلاد الشامية يوزن ، ونحو ذلك من الأشياء ؛ لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية . قوله : « وسننهم » عطف على ما يتعارفون بينهم ، أي : على طريقتهم الثابتة على حسب مقاصدهم وعاداتهم المشهورة . وحاصل الكلام أن البخاري قصد بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف والعادة . ( وقال شريح للغزالين سنتكم بينكم ربحا ) شريح بضم الشين المعجمة ابن الحارث الكندي القاضي من عهد عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - ، قوله : « للغزالين » هو جمع غزال ، وهو بياع الغزل ، قوله : « سنتكم » يجوز فيه الرفع والنصب ، أما الرفع فعلى أنه مبتدأ وخبره قوله : « بينكم » يعني عادتكم وطريقتكم بينكم معتبرة ، وأما النصب فعلى تقدير : الزموا سنتكم . وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور من طريق ابن سيرين ، أن ناسا من الغزالين اختصموا إلى شريح في شيء كان بينهم ، فقالوا : إن سنتنا بيننا كذا وكذا ، فقال : سنتكم بينكم . قوله : « ربحا » قيل : لا معنى له هاهنا ، وإنما محله في آخر الأثر الذي بعده . قلت : هكذا وقع في بعض النسخ ، ولكنه غير صحيح ؛ لأن هذه اللفظة هنا لا فائدة لها ، ولا معنى يطابق الأثر . ( وقال عبد الوهاب عن أيوب عن محمد : لا بأس العشرة بأحد عشر ويأخذ للنفقة ربحا ) مطابقته للترجمة من حيث إن عرف البلد أن المشترى بعشرة دراهم يباع بأحد عشر فباعه المشتري على ذلك العرف ، لم يكن به بأس ، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وأيوب هو السختياني ، ومحمد هو ابن سيرين ، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن عبد الوهاب هذا . قوله : « لا بأس العشرة بأحد عشر » ، أي : لا بأس أن يبيع ما اشتراه بمائة دينار ، مثلا كل عشرة منه بأحد عشر ، فيكون رأس المال عشرة والربح دينارا ، وقال الكرماني : العشرة بالرفع والنصب إذا كان عرف البلد أن المشترى بعشرة دراهم يباع بأحد عشر درهما ، فيبيعه على ذلك العرف ، فلا بأس به ، ويأخذ لأجل النفقة ربحا . قلت : أما وجه الرفع فعلى أنه مبتدأ وخبره هو قوله : « بأحد عشر » والتقدير : تباع بأحد عشر ، وأما النصب فعلى تقدير بيع العشرة يعني المشترى بعشرة بأحد عشر . وقال ابن بطال : اختلف العلماء في ذلك ، فأجازه قوم وكرهه آخرون ، وممن كرهه ابن عباس ، وابن عمر ، ومسروق ، والحسن ، وبه قال أحمد وإسحاق ، قال أحمد : البيع مردود ، وأجازه ابن المسيب والنخعي ، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وحجة من كرهه ، لأنه بيع مجهول ، وحجة من أجازه بأن الثمن معلوم والربح معلوم ، وأصل هذا الباب بيع الصبرة كل قفيز بدرهم ، ولا يعلم مقدارها من الطعام ، فأجازه قوم وأباه آخرون ، ومنهم من قال : لا يلزم إلا القفيز الواحد ، وعن مالك لا يأخذ في المرابحة أجر السمسار ، ولا أجر الشد والطي ، ولا النفقة على الرقيق ، ولا كراء البيت ، وإنما يحسب هذا في أصل المال ، ولا يحسب له ربح ، وأما كراء البز فيحسب له الربح ، لأنه لا بد منه ، فإن أربحه المشتري على ما لا تأثير له جاز إذا رضي بذلك ، وقال أبو حنيفة : يحسب في المرابحة أجرة القصارة ، والسمسرة ونفقة الرقيق وكسوتهم ، ويقول : قام علي بكذا ، ولا يقول : اشتريته بكذا . قوله « ويأخذ للنفقة » ، أي : لأجل النفقة ربحا ، هذا محل ذكر الربح كما ذكرناه عن قريب ، وقد ذكرنا الآن خلاف مالك فيه . ( وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال لهند : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ، وهو عادة الناس ، وهذا يدل على أن العرف عمل جار ، وقال ابن بطال : العرف عند الفقهاء أمر معمول به ، وهو كالشرط اللازم في الشرع ، ومما يدل على ما قاله قضية هند بنت عتبة زوج أبي سفيان والد معاوية ، وهذا التعليق يأتي الآن موصولا . وذكر ابن بطال بعض مسائل من الفقه التي يعمل فيها بالعرف . منها لو وكل رجل رجلا على بيع سلعة فباعها بغير النقد الذي هو عرف الناس ، لم يجز ذلك ، ولزمه النقد الجاري ، وكذا لو باع طعاما موزونا أو مكيلا بغير الوزن أو الكيل المعهود ، لم يجز ولزم الكيل المعهود المتعارف من ذلك . ( وقال تعالى : ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) هذا من الترجمة ، وكان ينبغي أن يذكر في صدر الباب ، أو يكتفى بذكره في حديث عائشة الآتي في هذا الباب ، والمراد منه في الترجمة حوالة والي اليتيم في أكله من ماله على العرف . ( واكترى الحسن من عبد الله بن مرداس حمارا ، فقال : بكم ؟ قال : بدانقين ، فركبه ثم جاء مرة أخرى ، فقال : الحمار الحمار ، فركبه ولم يشارطه ، فبعث إليه بنصف درهم ). مطابقته للترجمة من حيث إن الحسن لم يشارط المكاري في المرة الثانية اعتمادا على الأجرة المتقدمة ، وزاد بعد ذلك على الأجرة المتقدمة على سبيل الفضل ، وقد جرى العرف أن شخصا إذا اكترى حمارا أو فرسا أو جملا للركوب إلى موضع معين بأجرة معينة ، ثم في ثاني مرة إذا أراد ركوب حمار هذا على العادة ، لا يشارطه الأجرة لاستغنائه عن ذلك باعتبار العرف المعهود بينهما ، والحسن هو البصري ، وعبد الله بن مرادس بكسر الميم هو صاحب الحمار الذي اكتراه منه الحسن ، ووصل هذا التعليق سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس فذكر مثله . قوله : « بدانقين » تثنية دانق بفتح النون وكسرها ، وهو سدس الدرهم ، قوله : « فركبه » فيه حذف ، أي : فرضي الحسن بدانقين فأخذه فركبه ، قوله : « ثم جاء » ، أي : الحسن مرة أخرى إلى عبد الله بن مرداس ، فقال : الحمار الحمار ، بالتكرار ، ويجوز فيهما النصب والرفع ، أما النصب فعلى تقدير : هات الحمار ، فينصب على المفعولية ، وأما الرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف ، أي : الحمار مطلوب ، أو أطلبه ، أو نحو ذلك . قوله : « ولم يشارطه » يعني الأجرة اعتمادا على الأجرة المتقدمة للعرف بذلك ، قوله : « فبعث إليه » ، أي : بعث الحسن إلى عبد الله المذكور بنصف درهم ، فزاد على الدانقين دانقا آخر على سبيل الفضل والكرم . 152 - ( حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : حجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو طيبة ، فأمر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصاع من تمر ، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه ) . مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - لم يشارط الحجام المذكور على أجرته ؛ اعتمادا على العرف في مثله ، وقد مضى الحديث بعينه إسنادا ومتنا فيما مضى في كتاب البيوع في باب ذكر الحجام ، غير أن هناك حجم أبو طيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهنا حجم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أبو طيبة .