حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن

ج١٢ / ص١٦( باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة ) أي هذا باب يذكر فيه من أجرى أمره إلى الأمصار على ما يتعارفون بينهم ، أي : على عرفهم وعوائدهم في أبواب البيوع والإجارات والمكيال ، وفي بعض النسخ : والكيل والوزن مثلا بمثل ، كل شيء لم ينص عليه الشارع أنه كيلي أو وزني ، يعمل في ذلك على ما يتعارفه أهل تلك البلدة ، مثلا الأرز ، فإنه لم يأت فيه نص من الشارع أنه كيلي أو وزني ، فيعتبر في عادة أهل كل بلدة على ما بينهم من العرف فيه ، فإنه في البلاد المصرية يكال ، وفي البلاد الشامية يوزن ، ونحو ذلك من الأشياء ؛ لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية . قوله : « وسننهم » عطف على ما يتعارفون بينهم ، أي : على طريقتهم الثابتة على حسب مقاصدهم وعاداتهم المشهورة . وحاصل الكلام أن البخاري قصد بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف والعادة .

( وقال شريح للغزالين سنتكم بينكم ربحا ) شريح بضم الشين المعجمة ابن الحارث الكندي القاضي من عهد عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - ، قوله : « للغزالين » هو جمع غزال ، وهو بياع الغزل ، قوله : « سنتكم » يجوز فيه الرفع والنصب ، أما الرفع فعلى أنه مبتدأ وخبره قوله : « بينكم » يعني عادتكم وطريقتكم بينكم معتبرة ، وأما النصب فعلى تقدير : الزموا سنتكم . وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور من طريق ابن سيرين ، أن ناسا من الغزالين اختصموا إلى شريح في شيء كان بينهم ، فقالوا : إن سنتنا بيننا كذا وكذا ، فقال : سنتكم بينكم . قوله : « ربحا » قيل : لا معنى له هاهنا ، وإنما محله في آخر الأثر الذي بعده .

قلت : هكذا وقع في بعض النسخ ، ولكنه غير صحيح ؛ لأن هذه اللفظة هنا لا فائدة لها ، ولا معنى يطابق الأثر . ( وقال عبد الوهاب عن أيوب عن محمد : لا بأس العشرة بأحد عشر ويأخذ للنفقة ربحا ) مطابقته للترجمة من حيث إن عرف البلد أن المشترى بعشرة دراهم يباع بأحد عشر فباعه المشتري على ذلك العرف ، لم يكن به بأس ، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وأيوب هو السختياني ، ومحمد هو ابن سيرين ، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن عبد الوهاب هذا . قوله : « لا بأس العشرة بأحد عشر » ، أي : لا بأس أن يبيع ما اشتراه بمائة دينار ، مثلا كل عشرة منه بأحد عشر ، فيكون رأس المال عشرة والربح دينارا ، وقال الكرماني : العشرة بالرفع والنصب إذا كان عرف البلد أن المشترى بعشرة دراهم يباع بأحد عشر درهما ، فيبيعه على ذلك العرف ، فلا بأس به ، ويأخذ لأجل النفقة ربحا .

قلت : أما وجه الرفع فعلى أنه مبتدأ وخبره هو قوله : « بأحد عشر » والتقدير : تباع بأحد عشر ، وأما النصب فعلى تقدير بيع العشرة يعني المشترى بعشرة بأحد عشر . وقال ابن بطال : اختلف العلماء في ذلك ، فأجازه قوم وكرهه آخرون ، وممن كرهه ابن عباس ، وابن عمر ، ومسروق ، والحسن ، وبه قال أحمد وإسحاق ، قال أحمد : البيع مردود ، وأجازه ابن المسيب والنخعي ، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وحجة من كرهه ، لأنه بيع مجهول ، وحجة من أجازه بأن الثمن معلوم والربح معلوم ، وأصل هذا الباب بيع الصبرة كل قفيز بدرهم ، ولا يعلم مقدارها من الطعام ، فأجازه قوم وأباه آخرون ، ومنهم من قال : لا يلزم إلا القفيز الواحد ، وعن مالك لا يأخذ في المرابحة أجر السمسار ، ولا أجر الشد والطي ، ولا النفقة على الرقيق ، ولا كراء البيت ، وإنما يحسب هذا في أصل المال ، ولا يحسب له ربح ، وأما كراء البز فيحسب له الربح ، لأنه لا بد منه ، فإن أربحه المشتري على ما لا تأثير له جاز إذا رضي بذلك ، وقال أبو حنيفة : يحسب في المرابحة أجرة القصارة ، والسمسرة ونفقة الرقيق وكسوتهم ، ويقول : قام علي بكذا ، ولا يقول : اشتريته بكذا . قوله « ويأخذ للنفقة » ، أي : لأجل النفقة ربحا ، هذا محل ذكر الربح كما ذكرناه عن قريب ، وقد ذكرنا الآن خلاف مالك فيه .

( وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال لهند : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ، وهو عادة الناس ، وهذا ج١٢ / ص١٧يدل على أن العرف عمل جار ، وقال ابن بطال : العرف عند الفقهاء أمر معمول به ، وهو كالشرط اللازم في الشرع ، ومما يدل على ما قاله قضية هند بنت عتبة زوج أبي سفيان والد معاوية ، وهذا التعليق يأتي الآن موصولا . وذكر ابن بطال بعض مسائل من الفقه التي يعمل فيها بالعرف . منها لو وكل رجل رجلا على بيع سلعة فباعها بغير النقد الذي هو عرف الناس ، لم يجز ذلك ، ولزمه النقد الجاري ، وكذا لو باع طعاما موزونا أو مكيلا بغير الوزن أو الكيل المعهود ، لم يجز ولزم الكيل المعهود المتعارف من ذلك .

( وقال تعالى : ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف )

( واكترى الحسن من عبد الله بن مرداس حمارا ، فقال : بكم ؟ قال : بدانقين ، فركبه ثم جاء مرة أخرى ، فقال : الحمار الحمار ، فركبه ولم يشارطه ، فبعث إليه بنصف درهم ) . مطابقته للترجمة من حيث إن الحسن لم يشارط المكاري في المرة الثانية اعتمادا على الأجرة المتقدمة ، وزاد بعد ذلك على الأجرة المتقدمة على سبيل الفضل ، وقد جرى العرف أن شخصا إذا اكترى حمارا أو فرسا أو جملا للركوب إلى موضع معين بأجرة معينة ، ثم في ثاني مرة إذا أراد ركوب حمار هذا على العادة ، لا يشارطه الأجرة لاستغنائه عن ذلك باعتبار العرف المعهود بينهما ، والحسن هو البصري ، وعبد الله بن مرادس بكسر الميم هو صاحب الحمار الذي اكتراه منه الحسن ، ووصل هذا التعليق سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس فذكر مثله .

قوله : « بدانقين » تثنية دانق بفتح النون وكسرها ، وهو سدس الدرهم ، قوله : « فركبه » فيه حذف ، أي : فرضي الحسن بدانقين فأخذه فركبه ، قوله : « ثم جاء » ، أي : الحسن مرة أخرى إلى عبد الله بن مرداس ، فقال : الحمار الحمار ، بالتكرار ، ويجوز فيهما النصب والرفع ، أما النصب فعلى تقدير : هات الحمار ، فينصب على المفعولية ، وأما الرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف ، أي : الحمار مطلوب ، أو أطلبه ، أو نحو ذلك . قوله : « ولم يشارطه » يعني الأجرة اعتمادا على الأجرة المتقدمة للعرف بذلك ، قوله : « فبعث إليه » ، أي : بعث الحسن إلى عبد الله المذكور بنصف درهم ، فزاد على الدانقين دانقا آخر على سبيل الفضل والكرم . 152 - ( حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : حجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو طيبة ، فأمر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصاع من تمر ، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه ) .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث