19 - بَاب كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّ أَمْثَلَ مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ أَنْ تَسْتَأْجِرُوا الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ مِنْ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ 2346 ، 2347 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمَّايَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الْأَرْبِعَاءِ أَوْ شَيْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الْأَرْضِ ، فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ . فَقُلْتُ لِرَافِعٍ : فَكَيْفَ هِيَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ؟ فَقَالَ رَافِعٌ : لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ . وَقَالَ اللَّيْثُ : وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الْفَهْمِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا أُكْرِيَتْ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، أَوْ بِشَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا وَلَوْ كَانَ مَعْلُومًا ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنْ كِرَائِهَا بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ . وَبَالَغَ رَبِيعَةُ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا إِلَّا بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ طَاوُسٌ وَطَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ فَقَالُوا : لَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ مُطْلَقًا ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ حَزْمٍ وَقَوَّاهُ وَاحْتَجَّ لَهُ بِالْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ فِي ذَلِكَ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ دَالٌّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ ، وَقَدْ أَطْلَقَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ اتِّفَاقَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ الْمَزَارِعِ يُكْرُونَهَا بِمَا يَكُونُ عَلَى الْمُسَاقِي مِنَ الزَّرْعِ ، فَاخْتَصَمُوا فِي ذَلِكَ ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُكْرُوا بِذَلِكَ ، وَقَالَ : أَكْرُوا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عِكْرِمَةَ الْمَخْزُومِيَّ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِبَعْضِ خَرَاجِهَا أَوْ بِدَرَاهِمَ فَقَدْ أَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ بِأَنَّ مُجَاهِدًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ رَافِعٍ . قُلْتُ : وَرَاوِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ فِي حِفْظِهِ مَقَالٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ وَهُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ عَنْ شَيْخِهِ فِيهِ فَلَمْ يَذْكُرِ الدَّرَاهِمَ . وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي حَدِيثِهِ : وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَخْ ) وَصَلَهُ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ هُوَ الْجَزَرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ وَلَفْظُهُ : إِنَّ أَمْثَلَ مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ أَنْ تَسْتَأْجِرُوا الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ لَيْسَ فِيهَا شَجَرٌ يَعْنِي مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ بِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ حَنْظَلَةَ ) فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، حَدَّثَنِي حَنْظَلَةُ لَكِنْ لَيْسَ عِنْدَهُ ذِكْرُ عَمَّيْ رَافِعٍ ، وَفِي الْإِسْنَادِ تَابِعِيٌّ عَنْ مِثْلِهِ وَصَحَابِيٌّ عَنْ مِثْلِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عَمَّايَ ) هُمَا ظُهَيْرُ بْنُ رَافِعٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَالْآخَرُ قَالَ الْكَلَابَاذِيُّ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ اسْمَهُ مُظَهِّرٌ وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الظَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ الْمَكْسُورَةِ وَضَبَطَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ ، وَابْنُ مَاكُولَا ، هَكَذَا زَعَمَ بَعْضُ مَنْ صَنَّفَ فِي الْمُبْهَمَاتِ ، وَرَأَيْتُ فِي الصَّحَابَةِ لِأَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ وَلِأَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ قَالَ سَعِيدٌ : زَعَمَ قَتَادَةُ أَنَّ اسْمَهُ مُهَيْرٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَهَذَا أَوْلَى أَنْ يُعْتَمَدَ وَهُوَ بِوَزْنِ أَخِيهِ ظُهَيْرٍ كِلَاهُمَا بِالتَّصْغِيرِ . قَوْلُهُ : ( يَسْتَثْنِيهِ ) مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى اسْتِثْنَاءِ الثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ لِيُوَافِقَ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ رَافِعٌ لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَالَهُ رَافِعٌ بِاجْتِهَادِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّنْصِيصِ عَلَى جَوَازِهِ ، أَوْ عَلِمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ بَلْ بِمَا إِذَا كَانَ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَاسْتَنْبَطَ مِنْ ذَلِكَ جَوَازَ الْكِرَاءِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَيُرَجِّحُ كَوْنَهُ مَرْفُوعًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَقَالَ : إِنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ : رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ ، وَرَجُلٌ مَنَحَ أَرْضًا ، وَرَجُلٌ اكْتَرَى أَرْضًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، لَكِنْ بَيَّنَ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ النَّهْيُ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَأَنَّ بَقِيَّتَهُ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالشَّافِعِيُّ عَنْهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْثُ وَكَانَ الَّذِي نَهَى من ذَلِكَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَنِ اللَّيْثِ وَهُوَ مُوصولٌ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ إِلَى اللَّيْثِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ هُنَا : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْمُصَنِّفَ مِنْ هَاهُنَا قَالَ اللَّيْثُ : أُرَاهُ ، وَسَقَطَ هَذَا النَّقْلُ عَنِ اللَّيْثِ عِنْدَ النَّسَفِيِّ ، وَابْنِ شَبَّوَيْهِ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي مَصَابِيحِ الْبَغَوِيِّ فَصَارَ مُدْرَجًا عِنْدَهُمَا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ عَلَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ النَّسَفِيُّ وَلَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِمَا لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ هَذِهِ الزِّيَادَةَ ، وَقَدْ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ : لَمْ يَظْهَرْ لِي هَلْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الرُّوَاةِ أَوْ مِنْ قَوْلِ الْبُخَارِيِّ ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : الظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ رَافِعٍ ا هـ . وَقَدْ تَبَيَّنَ بِرِوَايَةِ أَكْثَرِ الطُّرُقِ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ اللَّيْثِ ، وَقَوْلُهُ : ( ذو الْفَهْمِ ) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ، وَابْنِ شَبَّوَيْهِ ذوو الْفَهْمِ بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ لِإِرَادَةِ الْجِنْسِ ، وَقَالَا : لَمْ يُجْزِهِ . وَقَوْلُهُ : ( الْمُخَاطَرَةِ ) أَيِ الْإِشْرَافِ عَلَى الْهَلَاكِ ، وَكَلَامُ اللَّيْثِ هَذَا مُوَافِقٌ لِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ حَمْلِ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُفْضِي إِلَى الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ لَا عَنْ كِرَائِهَا مُطْلَقًا حَتَّى بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . ثُمَّ اخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ فِي جَوَازِ كِرَائِهَا بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا فَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ حَمَلَ أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَاضِي فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ ، حَيْثُ قَالَ : وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ وَمَنْ لَمْ يُجِزْ إِجَارَتَهَا بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا قَالَ : النَّهْيُ عَنْ كِرَائِهَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْأَرْضِ نَاحِيَةً مِنْهَا أَوْ شَرَطَ مَا يَنْبُتُ عَلَى النَّهَرِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ لِمَا فِي كُلِّ ذَلِكَ مِنَ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ . وَقَالَ مَالِكٌ : النَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا وَقَعَ كِرَاؤُهَا بِالطَّعَامِ أَوِ التَّمْرِ لِئَلَّا يَصِيرَ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمُكْرَى بِهِ مِنَ الطَّعَامِ جُزْءًا مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا ، فَأَمَّا إِذَا اكْتَرَاهَا بِطَعَامٍ مَعْلُومٍ فِي ذِمَّةِ الْمُكْتَرِي أَوْ بِطَعَامٍ حَاضِرٍ يَقْبِضُهُ الْمَالِكُ فَلَا مَانِعَ مِنَ الْجَوَازِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة · ص 31 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كراء الأرض بالذهب والفضة · ص 184 باب كراء الأرض بالذهب والفضة أي هذا باب في بيان حكم كراء الأرض بالذهب والفضة ، وأشار بهذه الترجمة إلى أن كراء الأرض بالذهب والفضة غير منهي عنه وإنما النهي الذي ورد عن كراء الأرض فيما إذا أكريت بشيء مجهول ، وهذا هو الذي ذهب إليه الجمهور ودل عليه أيضا حديث الباب ، وقد مر أن طائفة قليلة لم يجوزوا كراء الأرض مطلقا . وقال ابن عباس : إن أمثل ما أنتم صانعون أن تستأجروا الأرض البيضاء من السنة إلى السنة هذا التعليق وصله وكيع في مصنفه ، عن سفيان ، عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إن أمثل ما أنتم صانعون أن تستأجروا الأرض البيضاء بالذهب والفضة . قوله : إن أمثل ، أي : أفضل ، وفي مصنف ابن أبي شيبة : حكى جواز ذلك عن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب وابن جبير وسالم وعروة ومحمد بن مسلم وإبراهيم ، وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ، وحكي جواز ذلك عن رافع مرفوعا . وفي حديث سعيد بن زيد ، وأمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نكريها بالذهب والورق . وقال ابن المنذر : أجمع الصحابة على جوازه . وقال ابن بطال : قد ثبت عن رافع مرفوعا أن كراء الأرض بالنقدين جائز ، وهو خاص يقضي على العام الذي فيه النهي عن كراء الأرض بغير استثناء ذهب ولا فضة ، والزائد من الأخبار أولى أن يؤخذ به لئلا تتعارض الأخبار ، فيسقط شيء منها . ( فإن قلت ) : روى الترمذي : حدثنا هناد حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن مجاهد عن رافع بن خديج قال : نهانا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن أمر كان لنا نافعا إذا كانت لأحدنا أرض أن نعطيها ببعض خراجها أو بدراهم . وقال : إذا كانت لأحدكم أرض فليمنحها أخاه أو ليزرعها . ( قلت ) : أبو بكر بن عياش : فيه مقال . وقال النسائي : هو مرسل ، وهو كما قال ، فإن مجاهدا لم يسمعه من رافع سقط بينهما ابن لرافع بن خديج كما رواه مسلم في صحيحه من رواية عمرو بن دينار أن مجاهدا قال لطاوس : انطلق بنا إلى ابن رافع بن خديج ، فاسمع منه الحديث عن أبيه ، ورواه النسائي أيضا من رواية عبد الكريم الجزري عن مجاهد قال : أخذت بيد طاوس حتى أدخلته على ابن رافع بن خديج ، فحدثه عن أبيه ، قال شيخنا : ويحتمل أن الذي سقط بينهما أسيد بن ظهير ابن أخي رافع ، فقد رواه كذلك أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية منصور عن مجاهد عن أسيد بن ظهير عنه ، ورواه النسائي أيضا من رواية سعيد بن عبد الرحمن عن مجاهد عن أسيد بن أبي رافع . 26 - حدثنا عمرو بن خالد قال : حدثنا الليث ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن حنظلة بن قيس ، عن رافع بن خديج قال : حدثني عماي أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بما ينبت على الأربعاء أو شيء يستثنيه صاحب الأرض ، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فقلت لرافع : فكيف هي بالدينار والدرهم ، فقال رافع : ليس بها بأس بالدينار والدرهم . مطابقته للترجمة في قوله : فقال رافع ليس بها إلى آخره . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول : عمرو بفتح العين ابن خالد بن فروخ . الثاني : الليث بن سعد . الثالث : ربيعة بفتح الراء ابن أبي عبد الرحمن واسمه فروخ مولى المنكدر بن عبد الله ويكنى أبا عثمان ، وهو الذي يسمى ربيعة الرأي . الرابع : حنظلة بن قيس الزرقي الأنصاري . الخامس : رافع بن خديج . السادس والسابع : عماه ، فأحدهما ظهير ، والآخر قال الكلاباذي : لم أقف على اسمه . وقيل : اسمه مظهر بضم الميم وفتح الظاء ، وتشديد الهاء المكسورة ، كذا ضبطه عبد الغني وابن ماكولا . وقيل : اسمه مهير كذا ذكره في معجم الصحابة للبغوي . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع . وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه : القول في موضع . وفيه : أن شيخه حراني جزري ، سكن مصر ومات بها سنة تسع وعشرين ومائتين ، وهو من أفراده ، وأن الليث مصري ، والبقية مدنيون . وفيه : رواية تابعي عن تابعي وهما ربيعة وحنظلة . وفيه : رواية صحابي عن صحابيين . ( ذكر معناه ) : قوله : على الأربعاء قد مر عن قريب أنه جمع الربيع ، وهو النهر الصغير . قوله : يستثنيه صاحب الأرض كاستثناء الثلث أو الربع من المزروع لصاحب الأرض . قوله : فقلت لرافع القائل هو حنظلة بن قيس . قوله : كيف هي ويروى فكيف هي بالفاء ، أي : كيف المزارعة ، يعني : كيف حكمها بالدينار والدرهم . قوله : فقال رافع إلى آخره ، فقول رافع يحتمل أن يكون باجتهاد منه ، ويحتمل أن يكون علم ذلك بطريق التنصيص على جوازه ، أو علم أن جواز الكراء بالدينار والدرهم غير داخل في النهي عن كراء الأرض بجزء مما يخرج منها ، ومما يدل على كون ما قاله مرفوعا ما رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح من طريق سعيد بن المسيب ، عن رافع بن خديج قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن المحاقلة والمزابنة ، وقال : إنما يزرع ثلاثة رجل له أرض ، ورجل منح أرضا ، ورجل أكرى أرضا بذهب أو فضة . وفيه نظر ؛ لأن النسائي قال بعد أن رواه : إن المرفوع منه النهي عن المحاقلة والمزابنة ، وإن بقيته مدرجة من كلام سعيد بن المسيب .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كراء الأرض بالذهب والفضة · ص 185 وقال الليث : أراه وكان الذي نهي عن ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه لما فيه من المخاطرة وهو موصول بالإسناد الأول إلى الليث رحمه الله ، أي : قال الليث بن سعد : أراه ، أي : أظنه ، والضمير المنصوب يرجع إلى شيخه ربيعة المذكور في إسناد الحديث ، ومعنى أظنه أنه لم يجزم برواية شيخه له . ووقع في رواية أبي ذر هنا قال أبو عبد الله : من هاهنا قال أبو الليث أراه ، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه . قوله : ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه . ووقع في رواية النسفي وابن شبويه ذو الفهم بالإفراد ، وكذا وقع لم يجزه بالإفراد . قوله : لما فيه من المخاطرة وهي الإشراف على الهلاك ، ثم اختلفوا في هذا النقل عن الليث ، هل هو في نفس الحديث أم مدرج ؟ فعند النسفي وابن شبويه : مدرج ، ولهذا سقط هذا عندهما . وقال البيضاوي : الظاهر من السياق أنه من كلام رافع . وقال التوربشتي شارح المصابيح : لم يتبين لي أن هذه الزيادة من قول بعض الرواة أو من قول البخاري . وقيل : أكثر الطرق في البخاري تبين أنها من كلام الليث ، والله أعلم بالصواب .