بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 48 ) كِتَاب الرَّهْنِ 1 - بَاب في الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ ، وَقَوْل الله عز وجل : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ 2508 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : وَلَقَدْ رَهَنَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ ، وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ . وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ : مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا صَاعٌ وَلَا أَمْسَى ، وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ . قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كِتَابٌ فِي الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ ، وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ : بَابُ بَدَلَ كِتَابُ ، وَلِابْنِ شَبَّوَيْهِ : بَابُ مَا جَاءَ ، وَكُلُّهُمْ ذَكَرُوا الْآيَةَ مِنْ أَوَّلِهَا . وَالرَّهْنُ - بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْهَاءِ - فِي اللُّغَةِ : الِاحْتِبَاسُ ؛ مِنْ قَوْلِهِمْ : رَهَنَ الشَّيْءُ ، إِذَا دَامَ وَثَبَتَ . وَمِنْهُ : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وَفِي الشَّرْعِ : جَعْلُ مَالٍ وَثِيقَةً عَلَى دَيْنٍ . وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ . وَأَمَّا الرُّهُنُ بِضَمَّتَيْنِ فَالْجَمْعُ ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى رِهَانٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ كَكُتُبٍ وَكِتَابٍ ، وَقُرِئَ بِهِمَا . وَقَوْلُهُ : فِي الْحَضَرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالسَّفَرِ فِي الْآيَةِ خَرَجَ لِلْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ لِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ فِي الْحَضَرِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَاحْتَجُّوا لَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّ الرَّهْنَ شُرِعَ تَوْثِقَةً عَلَى الدَّيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَإِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّهْنِ الِاسْتِيثَاقُ ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالسَّفَرِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ فَقْدِ الْكَاتِبِ فَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ فِيمَا نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمَا فَقَال : لَا يُشْرَعُ إِلَّا فِي السَّفَرِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ الْكَاتِبُ ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : إِنْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فِي الْحَضَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ تَبَرَّعَ بِهِ الرَّاهِنُ جَازَ ، وَحَمَلَ حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى ذَلِكَ . وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَعَادَتِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي بَابِ شِرَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّسِيئَةِ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ : وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ ، وَعُرِفَ بِذَلِكَ الرَّدُّ عَلَى مَنِ اعْتَرَضَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لِلرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مَقْرُونًا بِإِسْنَادٍ آخَرَ ، وَسَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظِهِ ، وَهُنَا عَلَى لَفْظِ : مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ . قَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعَهُ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ ، بَيَّنَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ الْعَطَّارِ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ يَهُودِيًّا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَابَهُ . وَالدِّرْعُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ . قَوْلُهُ : ( بِشَعِيرٍ ) وَقَعَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ : وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ . وَهَذَا الْيَهُودِيُّ هُوَ أَبُو الشَّحْمِ ، بَيَّنَهُ الشَّافِعِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَهَنَ دِرْعًا لَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ظَفَرٍ فِي شَعِيرٍ ، انْتَهَى . وَأَبُو الشَّحْمِ - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ - اسْمُهُ كُنْيَتُهُ ، وَظَفَرٌ بِفَتْحِ الظَّاءِ وَالْفَاءِ بَطْنٌ مِنْ الْأَوْسِ وَكَانَ حَلِيفًا لَهُمْ ، وَضَبَطَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِهَمْزَةٍ مُوَحَّدَةٍ مَمْدُودَةٍ وَمَكْسُورَةٍ ، اسْمُ الْفَاعِلِ مِنَ الْإِبَاءِ ، وَكَأَنَّهُ الْتَبَسَ عَلَيْهِ بِأَبِي اللَّحْمِ الصَّحَابِيِّ ، وَكَانَ قَدْرُ الشَّعِيرِ الْمَذْكُورِ ثَلَاثِينَ صَاعًا كَمَا سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْجِهَادِ وَأَوَاخِرِ الْمَغَازِي . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَا : بِعِشْرِينَ ، وَلَعَلَّهُ كَانَ دُونَ الثَّلَاثِينَ فَجَبَرَ الْكَسْرَ تَارَةً وَأَلْغَى أُخْرَى ، وَوَقَعَ لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ قِيمَةَ الطَّعَامِ كَانَتْ دِينَارًا ، وَزَادَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ الْآتِيَةِ فِي آخِرِهِ : فَمَا وَجَدَ مَا يَفْتَكُّهَا بِهِ حَتَّى مَاتَ . قَوْلُهُ : ( وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ ) وَالْإِهَالَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْهَاءِ مَا أُذِيبَ مِنَ الشَّحْمِ وَالْإلْيَةِ ، وَقِيلَ : هُوَ كُلُّ دَسَمٍ جَامِدٍ ، وَقِيلَ : مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ مِنَ الْأَدْهَانِ . وَقَوْلُهُ : سَنِخَةٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ مَفْتُوحَةٌ ؛ أَيِ الْمُتَغَيِّرَةِ الرِّيحِ . وَيُقَالُ فِيهَا بِالزَّايِ أَيْضًا . وَوَقَعَ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : لَقَدْ دُعِيَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ ، فَكَأَنَّ الْيَهُودِيَّ دَعَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى لِسَانِ أَنَسٍ ، فَلِهَذَا قَالَ : مَشَيْتُ إِلَيْهِ بِخِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَضَرَ ذَلِكَ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ ) فَاعِلُ سَمِعْتُ أَنَسٌ ، وَالضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فَاعِلُ يَقُولُ . وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ أَنَسٌ وَفَاعِلُ سَمِعْتُ قَتَادَةُ ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ : وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ لَفْظَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَسَاقَهُ أَحْمَدُ بِتَمَامِهِ . قَوْلُهُ : ( مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ إِلَّا صَاعٌ وَلَا أَمْسَى ) كَذَا لِلْجَمِيعِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْكَجِّيِّ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ : مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ وَلَا أَمْسَى إِلَّا صَاعٌ . وَخُولِفَ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي ذَلِكَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ ، وَمُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ بِلَفْظِ : مَا أَمْسَى فِي آلِ مُحَمَّدٍ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ وَلَا صَاعٌ مِنْ حَبٍّ ، وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ بِلَفْظِ : بُرٍّ بَدَلَ تَمْرٍ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ ) فِي رِوَايَةِ الْمَذْكُورِينَ : وَإِنَّ عِنْدَهُ يَوْمَئِذَ لَتِسْعُ نِسْوَةٍ ، وَسَيَأْتِي سِيَاقُ أَسْمَائِهِنَّ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ أَنَسٍ لِهَذَا الْقَدْرِ مَعَ مَا قَبْلَهُ الْإِشَارَةُ إِلَى سَبَبِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ مُتَضَجِّرًا وَلَا شَاكِيًا - مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - وَإِنَّمَا قَالَهُ مُعْتَذِرًا عَنْ إِجَابَتِهِ دَعْوَةَ الْيَهُودِيِّ وَلِرَهْنِهِ عِنْدَهُ دِرْعَهُ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُـوَ الْحَامِلُ الَّذِي زَعَمَ بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ أَنَسٌ فِرَارًا مِنْ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ بِمَعْنَى التَّضَجُّرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ مُعَامَلَةِ الْكُفَّارِ فِيمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ تَحْرِيمُ عَيْنِ الْمُتَعَامَلِ فِيهِ وَعَدَمُ الِاعْتِبَارِ بِفَسَادِ مُعْتَقَدِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ جَوَازُ مُعَامَلَةِ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ . وَفِيهِ جَوَازُ بَيْعِ السِّلَاحِ وَرَهْنِهِ وَإِجَارَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْكَافِرِ مَا لَمْ يَكُنْ حَرْبِيًّا ، وَفِيهِ ثُبُوتُ أَمْلَاكِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَيْدِيهِمْ ، وَجَوَازُ الشِّرَاءِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ وَاتِّخَاذِ الدُّرُوعِ وَالْعُدَدِ وَغَيْرِهَا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَأَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي التَّوَكُّلِ ، وَأَنَّ قُنْيَةَ آلَةِ الْحَرْبِ لَا تَدُلُّ عَلَى تَحْبِيسِهَا ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ . وَأَنَّ أَكْثَرَ قُوتِ ذَلِكَ الْعَصْرِ الشَّعِيرُ ، قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ . وَأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي قِيمَةِ الْمَرْهُونِ مَعَ يَمِينِهِ ، حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ . وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ التَّوَاضُعِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا ، وَالْكَرَمِ الَّذِي أَفْضَى بِهِ إِلَى عَدَمِ الِادِّخَارِ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى رَهْنِ دِرْعِهِ ، وَالصَّبْرِ عَلَى ضِيقِ الْعَيْشِ وَالْقَنَاعَةِ بِالْيَسِيرِ ، وَفَضِيلَةٌ لِأَزْوَاجِهِ لِصَبْرِهِنَّ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا مَضَى وَيَأْتِي . قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْحِكْمَةُ فِي عُدُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مُعَامَلَةِ مَيَاسِيرِ الصَّحَابَةِ إِلَى مُعَامَلَةِ الْيَهُودِ إِمَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، أَوْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إِذْ ذَاكَ طَعَامٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَةِ غَيْرِهِمْ ، أَوْ خَشِيَ أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ ثَمَنًا أَوْ عِوَضًا فَلَمْ يُرِدِ التَّضْيِيقَ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ إِذْ ذَاكَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يُطْلِعْهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَطْلَعَ عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُوسِرًا بِهِ مِمَّنْ نَقَلَ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الرَّهْنِ فِي الْحَضَر · ص 165 عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 67 بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الرهن في الحضر أي هذا كتاب في بيان أحكام الرهن هكذا هو في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره باب الرهن في الحضر ، وفي رواية ابن شبويه باب ما جاء في الرهن ، وفي رواية الكل الآية مذكورة في الأول ، قوله : في الحضر ليس بقيد ، ولكنه ذكره بناء على الغالب لأن الرهن في السفر نادر ، وقال ابن بطال : الرهن جائز في الحضر خلافا للظاهرية ، احتجوا بقوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ والجواب أن الله تعالى إنما ذكر السفر لأن الغالب فيه عدم الكاتب في السفر ، وقد يوجد الكاتب في السفر ، ويجوز فيه الرهن ، وكذا يجوز في الحضر ، ولأن الرهن للاستيثاق فيستوثق في الحضر أيضا كالكفيل ، وأيضا رهن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم درعه بالمدينة ، والرهن في اللغة مطلق الحبس ، قال الله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ أي محبوسة ، وفي الشرع هو حبس شيء يمكن استيفاؤه منه الدين ، تقول : رهنت الشيء عند فلان ، ورهنه الشيء وأرهنته الشيء بمعنى ، قال ثعلب : يجوز رهنته وأرهنته ، وقال الأصمعي : لا يقال أرهنت الشيء ، وإنما يقال : رهنته ، ويجمع الرهن على رهان ورهن بضمتين ، وقال الأخفش : رهن بضمتين قبيحة لأنه لا يجمع فعل على فعل إلا قليلا شاذا نحو : سقف وسقف ، قال : وقد يكون رهن جمعا للرهان كأنه يجمع رهن على رهان ، ثم يجمع رهان على رهن ، مثل : فراش وفرش ، والراهن الذي يرهن ، والمرتهن الذي يأخذ الرهن ، والشيء مرهون ورهين والأنثى رهينة . وقوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ وقوله بالجر عطف على ما قبله أي في بيان قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ أي مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا يكتب لكم ، قال ابن عباس : أو وجدوه ولم يجدوا قرطاسا أو دواة أو قلما فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ أي فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة في يد صاحب الحق ، وقد استدل بقوله : فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض كما هو مذهب الجمهور ، وقال ابن بطال : جميع الفقهاء يجوزون الرهن في الحضر والسفر ، ومنعه مجاهد وداود في الحضر ، ونقل الطبري عن مجاهد ، والضحاك أنهما قالا : لا يشرع الرهن إلا في السفر حيث لا يوجد الكاتب وبه قال داود . 1 - حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا هشام قال : حدثنا قتادة عن أنس رضي الله عنه قال : ولقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه بشعير ، ومشيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز شعير ، وإهالة سنخة ، ولقد سمعته يقول : ما أصبح لآل محمد صلى الله عليه وسلم إلا صاع ، ولا أمسى ، وإنهم لتسعة أبيات . مطابقته للترجمة في قوله : ولقد رهن رسول الله درعه بشعير ، ومضى الحديث في أوائل كتاب البيوع في باب شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة ، فإنه أخرجه هناك عن مسلم ، عن هشام ، عن قتادة ، عن أنس ، وعن محمد بن عبد الله بن حوشب ، عن أسباط ، عن هشام الدستوائي ، عن قتادة ، عن أنس ، ومضى الكلام فيه مستوفى . قوله : ولقد رهنه معطوف على شيء محذوف بينه ما رواه أحمد من طريق أبان العطار ، عن قتادة ، عن أنس أن يهوديا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه ، ولقد رهن إلى آخره ، وهذا اليهودي هو أبو الشحم ، واسمه كنيته ، وهو من بني ظفر بفتح الظاء المعجمة والفاء وهو بطن من الأوس ، وكان حليفا لهم ، وكان قدر الشعير ثلاثين صاعا كما سيأتي في البخاري من حديث عائشة في الجهاد ، وكذلك رواه أحمد ، وابن ماجه ، والطبراني ، وفي رواية الترمذي والنسائي بعشرين صاعا ، ووقع لابن حبان من طريق شيبان ، عن قتادة ، عن أنس أن قيمة الطعام كانت دينارا ، وزاد أحمد من طريق شيبان : فما وجد ما يفتكها به حتى مات ، قوله : درعه بكسر الدال يذكر ويؤنث ، قوله : بشعير الباء فيه للمقابلة أي رهن درعه في مقابلة شعير ، قوله : ومشيت أي قال أنس : مشيت إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، قوله : بخبز شعير بالإضافة والباء فيه تتعلق بمشيت ، قوله : وإهالة بكسر الهمزة وتخفيف الهاء ما أذيب من الشحم والألية ، وقيل : هو كل دسم جامد ، وقيل : ما يؤتدم به من الأدهان ، قوله : سنخة بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة أي متغيرة الريح ، ويقال : زنخة أيضا بالزاي موضع السين ، قوله : ولقد سمعته أي قال أنس رضي الله تعالى عنه : لقد سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول ، وقد مر ما قال الكرماني فيه ، وما رد عليه ، وما أجبت عنه في الباب المذكور ، قوله : ما أصبح لآل محمد إلا صاع ولا أمسى كذا بهذه العبارة وقع لجميع الرواة ، وكذا ذكره الحميدي في الجمع ، ووقع لأبي نعيم في المستخرج من طريق الكجي عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري المذكور في سند الحديث بلفظ : ما أصبح لآل محمد ، ولا أمسى إلا صاع ، وهذا أحسن ، وفيه تنازع الفعلان في ارتفاع صاع ، وفي رواية البخاري قوله : أصبح فعل وفاعله صاع ويقدر صاع آخر في قوله : ولا أمسى أي ولا أمسى صاع ، ووقع في رواية أحمد ، عن أبي عامر ، والإسماعيلي من طريقه ، وللترمذي من طريق ابن أبي عدي ، ومعاذ بن هشام ، وللنسائي من طريق هشام بلفظ : ما أمسى في آل محمد صاع تمر ولا صاع حب ، والمراد بالآل أهل بيته صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقد بينه بقوله : وإنهم أي وإن آله لتسعة أبيات وأراد به بطريق الكناية تسع نسوة ، وكذا وقع في رواية هؤلاء المذكورين ، ولم يقل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هذه المقالة بطريق التضجر حاشا وكلا ، وإنما هو بيان الواقع . وفيه من الفوائد جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه ، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ، ومعاملاتهم فيما بينهم ، وفيه جواز بيع السلاح ورهنه ، وإجارته ، وغير ذلك من الكافر ما لم يكن حربيا ، وفيه ثبوت أملاك أهل الذمة في أيديهم ، وفيه جواز الشراء بالثمن المؤجل ، وفيه جواز اتخاذ الدروع وغيرها من آلات الحرب ، وأنه غير قادح في التوكل ، وفيه أن قنية آلة الحرب لا تدل على تحبيسها ، وفيه أن أكثر قوت ذلك العصر الشعير قاله الداودي ، وفيه ما كان فيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من التواضع والزهد في الدنيا والتقلل منها مع قدرته عليها ، والكرم الذي أفضى به إلى عدم الادخار حتى احتاج إلى رهن درعه ، والصبر على ضيق العيش ، والقناعة باليسير ، وفيه فضيلة أزواجه صلى الله تعالى عليه وسلم لصبرهن معه على ذلك ، وفيه فوائد أخرى ذكرناها هناك .