14 - بَاب هِبَةِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ وَالْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ : جَائِزَةٌ . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : لَا يَرْجِعَانِ . وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ هَبِي لِي بَعْضَ صَدَاقِكِ أَوْ كُلَّهُ ، ثُمَّ لَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى طَلَّقَهَا فَرَجَعَتْ فِيهِ ، قَالَ : يَرُدُّ إِلَيْهَا إِنْ كَانَ خَلَبَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ أَعْطَتْهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ خَدِيعَةٌ - جَازَ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ 2588 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاشْتَدَّ وَجَعُهُ - اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ ، فَأَذِنَّ لَهُ ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ الْأَرْضَ ، وَكَانَ بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : فَذَكَرْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ ، فَقَالَ : وَهَلْ تَدْرِي مَنْ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَ : هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . 2589 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ هِبَةِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ وَالْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا ) أَيْ هَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ فِيهَا ؟ قَوْلُهُ : ( قَالَ إِبْرَاهِيمُ ) هُوَ النَّخَعِيُّ . قَوْلُهُ : ( جَائِزَةٌ ) أَيْ فَلَا رُجُوعَ فِيهَا . وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : إِذَا وَهَبَتْ لَهُ أَوْ وَهَبَ لَهَا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَطِيَّتُهُ . وَوَصَلَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ : إِذَا وَهَبَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا أَوْ وَهَبَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ فَالْهِبَةُ جَائِزَةٌ ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ ، عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ : الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ ذِي الرَّحِمِ ، إِذَا وَهَبَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : لَا يَرْجِعَانِ ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ مِثْلَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ . قَوْلُهُ : ( وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ) أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي ، وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي التَّرْجَمَةِ : أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَبْنَ لَهَا مَا اسْتَحْقَقْنَ مِنَ الْأَيَّامِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ رُجُوعٌ أَيْ فِيمَا مَضَى ، وَإِنْ كَانَ لَهُنَّ الرُّجُوعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي فَهُوَ مَوْصُولٌ أَيْضًا فِي آخِرِهِ ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ بَابًا ، وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ ذَمَّ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، فَدَخَلَ فِيهِ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ تَمَسُّكًا بِعُمُومِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : هَبِي لِي بَعْضَ صَدَاقِكِ .. إِلَخْ ) وَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْهُ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ خَلَبَهَا بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ خَدَعَهَا . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ الْقُضَاةَ يُقِيلُونَ الْمَرْأَةَ فِيمَا وَهَبَتْ لِزَوْجِهَا ، وَلَا يُقِيلُونَ الزَّوْجَ فِيمَا وَهَبَ لِامْرَأَتِهِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ عَنْهُ مَنْقُولَةٌ ، وَرِوَايَةَ يُونُسَ عَنْهُ اخْتِيَارُهُ ، وَهُوَ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ خَدَعَهَا ، فَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ أَوْ لَا فَلَا ، وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ أَقَامَتِ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ ، وَقِيلَ : يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا ، وَإِلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مُطْلَقًا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ ، وَإِلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي نَقَلَهُ الزُّهْرِيُّ ذَهَبَ شُرَيْحٌ ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ : إِنَّ امْرَأَةً وَهَبَتْ لِزَوْجِهَا هِـبَةً ثُمَّ رَجَعَتْ فِيهَا ، فَاخْتَصَمَا إِلَى شُرَيْحٍ فَقَالَ لِلزَّوْجِ : شَاهِدَاكَ أَنَّهَا وَهَبَتْ لَكَ مِنْ غَيْرِ كُرْهٍ وَلَا هَـوَانٍ ، وَإِلَّا فَيَمِينُهَا لَقَدْ وَهَبَتْ لَكَ عَنْ كُرْهٍ وَهَوَانٍ وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِنَّ النِّسَاءَ يُعْطِينَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً ، فَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْطَتْ زَوْجَهَا فَشَاءَتْ أَنْ تَرْجِعَ رَجَعَتْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَرُدُّ شَيْئًا إِذَا خَالَعَهَا وَلَوْ كَانَ مُضِرًّا بِهَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هِبَةِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ وَالْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَ · ص 255 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب حَدِّ المَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ · ص 89 الطريق الثاني : قَالَ : 665 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم بن موسى : ثنا هِشَام بْن يوسف ، عَن معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، قَالَ : أخبرني عُبَيْدِ الله بْن عَبْد الله ، قَالَ : قَالَتْ عَائِشَة : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض فِي بيتي ، فأذن لَهُ ، فخرج بَيْن رجلين ، تخط رجلاه الأرض ، وكان بَيْن عَبَّاس ورجل آخر . قَالَ عُبَيْدِ الله : فذكرت ذَلِكَ لابن عَبَّاس مَا قَالَتْ عَائِشَة ، فَقَالَ لِي : وهل تدري من الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تسم عَائِشَة ؟ قُلتُ : لا ، قَالَ : هُوَ عَلِيّ بْن أَبِي طالب . وقد رواه عَبْد الرزاق ، عَن معمر ، وذكر فِي حديثه : الفضل بْن عَبَّاس . خرجه مُسْلِم من طريقه كذلك . وخرجه من طريق عقيل ، عَن الزُّهْرِيّ ، وذكر فِي حديثه : العباس ، كما قَالَ هِشَام ، عَن معمر . وخرجه البخاري فِي ( وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ) من حَدِيْث عقيل مطولاً . وقد فهم البخاري من خروجه بَيْن عَبَّاس وغيره خروجه إلى المسجد للصلاة . وكذلك خرجه مُسْلِم فِي ( كِتَاب الصلاة ) أَيْضاً . وفي هَذَا نظر ؛ وظاهر السياق يقتضي أنها أرادت خروجه إلى بيت عَائِشَة ليمرض فِيهِ . يدل عَلِيهِ : أن فِي رِوَايَة عَبْد الرزاق عن معمر الَّتِيْ خرجها مُسْلِم : أول مَا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة ، فاستأذن أزواجه أن يمرض فِي بيتها ، فأذن لَهُ ، قَالَتْ : فخرج ويد لَهُ عَلَى الفضل ... الحَدِيْث . رواه ابن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ بلفظ صريح بذلك : أن عَائِشَة قَالَتْ : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يدور عَلَى نسائه ، فلما ثقل استأذنهن أن يقيم فِي بيتي ، ويدرن عَلِيهِ ، قَالَتْ : فذهب ينوء فَلَمْ يستطع ، فدخل عَلِيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَيْن رجلين ، ورجلاه تخطان فِي الأرض ؛ أحدهما العباس . ورواه عَبْد الرحمن بْن إِسْحَاق ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَةَ والقاسم وأبي بَكْر بن عَبْد الرحمن وعبيد الله بْن عَبْد الله ، كلهم يحدثونه عَن عَائِشَة ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم : جاءه مرضه الَّذِي مات فِيهِ في بيت ميمونة ، فخرج عاصباً رأسه ، فدخل عَلَيّ بَيْن رجلين ، تخط رجلاه الأرض ، وعن يمينه العباس ... وذكر الحَدِيْث . وكذا رواه صالح بْن كيسان ، عَن ابن شِهَاب ، مرسلاً : أَنَّهُ خرج بَيْن الرجلين تخط رجلاه الأرض ، حَتَّى دَخَلَ بيت عَائِشَة . وحينئذ ؛ فلا ينبغي تخريج هَذَا الحَدِيْث فِي هَذَا الباب ، ولا هُوَ داخل فِي معناه بالكلية . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها · ص 148 باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها أي : هذا باب في بيان حكم هبة الرجل لامرأته وحكم هبة المرأة لزوجها ، وحكمها أنه يجوز ، فإذا جاز هل لأحدهما أن يرجع على الآخر ؟ فلا يجوز على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى . قال إبراهيم : جائزة . إبراهيم هو ابن يزيد النخعي ؛ أي هبة الرجل لامرأته وهبة المرأة لزوجها جائزة ، وهذا تعليق وصله عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال : إذا وهبت له أو وهب لها فلكل واحد منهما عطيته . ووصله الطحاوي من طريق أبي عوانة عن منصور قال : قال إبراهيم : إذا وهبت امرأة لزوجها أو وهب الزوج لامرأته فالهبة جائزة ، وليس لواحد منهما أن يرجع في هبته . ومن طريق أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم : الزوج والمرأة بمنزلة ذي الرحم ، إذا وهب أحدهما لصاحبه لم يكن له أن يرجع . وقال عمر بن عبد العزيز : لا يرجعان . عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين وأحد الزهاد العابدين . قوله ( لا يرجعان ) يعني لا يرجع الزوج على الزوجة ولا الزوجة على الزوج فيما إذا وهب أحدهما للآخر ، وهذا وصله أيضا عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الرحمن بن زياد أن عمر بن عبد العزيز قال مثل قول إبراهيم ، وقال ابن بطال : قال بعضهم : لها أن ترجع فيما أعطته وليس له أن يرجع فيما أعطاها . رَوى هذا عن شريح والزهري والشعبي ، وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين : كان شريح إذا جاءته امرأة وهبت لزوجها هبة ثم رجعت فيها يقول له : بينتك أنها وهبتك طيبة بها نفسها من غير كره ولا هوان ، وإلا فيمينها ما وهبت بطيب نفسها إلا بعد كره . وهو إن انتهى فهذا يقتضي أنها ليس لها الرجوع إلا بهذا الشرط .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها · ص 148 واستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه في أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها . مطابقته للترجمة من حيث إن أزواج النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وهبن له ما استحقين من الأيام ولم يكن لهن رجوع فيما مضى ، وهذا على حمل الهبة على معناها اللغوي ، وهذا التعليق وصله البخاري في هذا الباب على ما يجيء عن قريب ، ووصله أيضا في آخر المغازي على ما يجيء إن شاء الله تعالى . قوله ( أن يمرض ) على صيغة المجهول من التمريض وهو القيام على المريض في مرضه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها · ص 148 وقال النبي صلى الله عليه وسلم : العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه . مطابقته للترجمة من حيث إن عموم العائد في هبته المذموم يدخل فيه الزوج والزوجة ، وهذا التعليق وصله البخاري أيضا في باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وسيأتي بعد خمسة عشر بابا ، وهذا الذي علقه أخرجه الستة إلا الترمذي ؛ أخرجوه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : العائد في هبته كالعائد في قيئه . زاد أبو داود : قال قتادة : ولا نعلم القيء إلا حراما . واحتج بهذا طاوس وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحاق على أنه ليس للواهب أن يرجع فيما وهبه إلا الذي ينحله الأب لابنه ، وعند مالك له أن يرجع في الأجنبي الذي قصد منه الثواب ولم يثبه ، وبه قال أحمد في رواية ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : للواحد الرجوع في هبته من الأجنبي ما دامت قائمة ولم يعوض منها . وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وشريح القاضي والأسود بن يزيد والحسن البصري والنخعي والشعبي ، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وفضالة بن عبيد ، وأجابوا عن الحديث بأنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - جعل العائد في هبته كالعائد في قيئه بالتشبيه من حيث إنه ظاهر القبح مروءة وخلقا لا شرعا ، والكلب غير متعبد بالحلال والحرام ، فيكون العائد في هبته عائدا في أمر قذر كالقذر الذي يعود فيه الكلب ، فلا يثبت بذلك منع الرجوع في الهبة ولكنه يوصف بالقبح ، وبه نقول ، فلذلك نقول بكراهة الرجوع .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها · ص 149 وقال الزهري فيمن قال لامرأته هبي لي بعض صداقك أو كله ثم لم يمكث إلا يسيرا حتى طلقها فرجعت فيه ، قال : يرد إليها إن كان خلبها ، وإن كانت أعطته عن طيب نفس ليس في شيء من أمره خديعة جاز ، قال الله تعالى : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه . الزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب ، وهذا التعليق وصله عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد عنه . قوله ( هبي ) أمر للمؤنث من وهب يهب ، وأصله أوهبي ؛ حذفت الواو منه تبعا لفعله ، لأن أصل يهب يوهب ، فلما حذفت الواو استُغني عن الهمزة فحذفت ، فصار هبي على وزن علي . قوله ( أو كله ) ؛ أي أو قال هبي لي كل الصداق . قوله ( يرد إليها ) ؛ أي يرد الزوج الصداق إليها . قوله ( إن كان خلبها ) بفتح الخاء المعجمة واللام والباء الموحدة ؛ أي إن كان خدعها . ومنه في الحديث : إذا بعت فقل لا خلابة ؛ أي لا خداع . فإن قلت : روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال : رأيت القضاة يقبلون المرأة فيما وهبت لزوجها ولا يقبلون الزوج فيما وهب لامرأته - قلت : التوفيق بينهما أن رواية معمر عنه هو منقول ، ورواية يونس عنه هو اختياره ، وهو التفصيل المذكور بين أن يكون خدعها فلها أن ترجع أو لا فلا ، وهو قول المالكية إن أقاما البينة على ذلك ، وقيل : يقبل قوله في ذلك مطلقا . وإلى عدم الرجوع من الجانبين مطلقا ذهب الجمهور ، وإلى التفصيل الذي نقل عن الزهري ذهب شريح القاضي ، وإذا وهب أحد الزوجين للآخر لا بد في ذلك من القبض وهو قول ابن سيرين وشريح والشعبي ومسروق والثوري وأبي حنيفة والشافعي وهو رواية أشهب عن مالك ، وقال ابن أبي ليلى : والحسن لا يحتاج إلى القبض . قوله فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ الآية ، احتج بهذه الزهري فيما ذهب إليه ، وقبلها : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا الخطاب في قوله وَآتُوا النِّسَاءَ للناكحين ، وقال مقاتل : كان الرجل يتزوج ثم يقول : أرثك وترثيني . فتقول المرأة : نعم - فنزلت . وقيل : إن الرجل كان يعطي الرجل أخته ويأخذ أخته مكانها من غير مهر ، فنهوا عن ذلك بهذه الآية . قوله صَدُقَاتِهِنَّ ؛ أي مهورهن ، واحدها صدقة بفتح الصاد وضم الدال وهي لغة أهل الحجاز ، وتميم تقول صُدْقة بضم الصاد وسكون الدال ، فإذا جمعوا قالوا صُدُْقات بضم الصاد وسكون الدال ، وبضم الدال أيضا مثل ظلمات . قوله نِحْلَةً ؛ أي فريضة مسماة ، قاله قتادة وابن جريج ومقاتل ، وعن ابن عباس : النحلة المهر . وقال ابن زيد : النحلة في كلام العرب الواجب ، تقول لا ينكحها إلا بشيء واجب لها ، وليس ينبغي لأحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب ، ولا ينبغي أن تكون تسمية الصداق كذبا بغير حق . وقيل : النحلة الديانة والملة ، والتقدير : وآتوهن صدقاتهن ديانة . وفيه لغتان : كسر الصاد وضمها وانتصابها على المصدر أو على الحال ، وقال الزمخشري : المعنى آتوهن مهورهن ديانة على أنه مفعول له ، ويجوز أن يكون حالا من المخاطبين ؛ أي ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء أو من الصدقات ، أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس ، والخطاب للأزواج وقيل للأولياء لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم ، وكانوا يقولون هنيئا لك النافجة لمن يولد له بنت ؛ يعنون تأخذ مهرها فتنفج به مالك أي تعظمه . قوله فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ ؛ يعني النساء المنكوحات أيها الأزواج عن شيء منه أي من الصداق ، وقال الزمخشري : الضمير في منه جار مجرى اسم الإشارة ، كأنه قيل : عن شيء من ذلك . قوله نَفْسًا نصب على التمييز ، وإنما وحد لأن الغرض بيان الجنس ، والواحد يدل عليه ، والمعنى : فإن وهبن لكم شيئا من الصداق ونحلت عن نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم فكلوه فأنفقوه . قال الفقهاء : فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة علم أنها لم تطب منه نفسا . قوله هَنِيئًا مَرِيئًا نعت لمصدر محذوف ؛ أي أكلا هنيئا ، وقيل هو مصدر في موضع الحال أي أكلا هنيئا ، والهنيء ما يؤمن عاقبته ، وقيل ما أورث نفعا وشفاء ، وقيل الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء ، وهو مأخوذ من هنأت البعير إذا عالجته بالقطران من الجرب ، والمعنى : فكلوه دواء شافيا ، والْمَرِيءُ المحمود العاقبة التام الهضم الذي لا يضر ولا يؤذي ، وقيل : الهنيء ما يلذ الآكل ، والمريء ما يحمد عاقبته . وقيل لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة المريء لمرء الطعام فيه وهو انسياغه ، وفي تفسير مقاتل : هنيئا يعني حلا مريئا ، يعني طيبا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها · ص 150 22 - حدثنا إبراهيم بن موسى قال : أخبرنا هشام ، عن معمر ، عن الزهري قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله قال : قالت عائشة رضي الله عنها : لما ثقل النبي - صلى الله عليه وسلم - فاشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له ، فخرج بين رجلين تخط رجلاه الأرض ، وكان بين العباس وبين رجل آخر . فقال عبيد الله : فذكرت لابن عباس ما قالت عائشة فقال لي : وهل تدري من الرجل الذي لم تسم عائشة ؟ قلت : لا . قال : هو علي بن أبي طالب . مطابقته للترجمة هو الوجه الذي ذكرناه في أوائل الباب عند قوله واستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه في أن يمرض في بيت عائشة ، وقد مضى هذا الحديث في كتاب الطهارة في باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح ، فإنه أخرجه هناك عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة بأتم منه ، وهنا أخرجه عن إبراهيم بن موسى الفراء أبي إسحاق الرازي المعروف بالصغير عن هشام بن يوسف الصنعاني اليماني عن معمر - بفتح الميمين - ابن راشد عن محمد بن مسلم الزهري عن عبيد الله - بضم العين - ابن عبد الله - بفتح العين - ابن عتبة إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه هناك مستقصى .