15 - بَاب هِبَةِ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ زَوْجِهَا وَعِتْقِهَا إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَهُوَ جَائِزٌ إِذَا لَمْ تَكُنْ سَفِيهَةً ، فَإِذَا كَانَتْ سَفِيهَةً لَمْ يَجُزْ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ 2590 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا لِيَ مَالٌ إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ ، فَأَتَصَدَّقُ ؟ قَالَ : تَصَدَّقِي ، وَلَا تُوعِي ، فَيُوعَى عَلَيْكِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ هِبَةِ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ زَوْجِهَا ، وَعِتْقِهَا إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ ) أَيْ وَلَوْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ ( فَهُوَ جَائِزٌ إِذَا لَمْ تَكُنْ سَفِيهَةً ، فَإِذَا كَانَتْ سَفِيهَةً لَمْ يَجُزْ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ، وَبِهَذَا الْحُكْمِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَخَالَفَ طَاوُسٌ فَمَنَعَ مُطْلَقًا ، وَعَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُعْطِيَ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا وَلَوْ كَانَتْ رَشِيدَةً إِلَّا مِنَ الثُّلُثِ ، وَعَنِ اللَّيْثِ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا إِلَّا فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ . وَأَدِلَّةُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ ، وَاحْتُجَّ لِطَاوِسٍ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ : لَا تَجُوزُ عَطِيَّةُ امْرَأَةٍ فِي مَالِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَأَحَادِيثُ الْبَابِ أَصَحُّ ، وَحَمَلَهَا مَالِكٌ عَلَى الشَّيْءِ الْيَسِيرِ ، وَجَعَلَ حَدَّهُ الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ . وذكر المصنف منها ثلاثة أحاديث : الأول حديث أسماء . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ) فِي رِوَايَةِ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ مُلَيْكَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الزَّكَاةِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) أَيِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، وَأَسْمَاءُ الَّتِي رَوَى عَنْهَا هِـيَ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهِيَ جَدَّتُهُ لِأَبِيهِ ، وَقَدْ رَوَى أَيُّوبُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ ، وَصَرَّحَ أَيُّوبُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بِتَحْدِيثِ عَائِشَةَ لَهُ بِذَلِكَ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَبَّادٍ عَنْهَا ثُمَّ حَدَّثَتْهُ بِهِ . قَوْلُهُ : ( مَا لِي مَالٌ إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ ) بِالتَّشْدِيدِ ، وَالزُّبَيْرُ هُوَ ابْنُ الْعَوَّامِ كَانَ زَوْجَهَا . قَوْلُهُ : ( فَأَتَصَدَّقُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ أَدَاةِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِيِّ بِإِثْبَاتِهَا . قَوْلُهُ : ( وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ ) بِالنَّصْبِ لِكَوْنِهِ جَوَابَ النَّهْيِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَالْمَعْنَى لَا تَجْمَعِي فِي الْوِعَاءِ وَتَبْخَلِي بِالنَّفَقَةِ فَتُجَازَيْ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مَبْسُوطًا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هِبَةِ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ زَوْجِهَا وَعِتْقِهَا إِذَا كَانَ لَهَا زَوْج · ص 257 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج · ص 150 باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج ، فهو جائز إذا لم تكن سفيهة ، فإذا كانت سفيهة لم يجز ؛ قال الله تعالى : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم . أي : هذا باب في بيان حكم هبة المرأة لغير زوجها إن وهبت شيئا لغير زوجها . قوله ( وعتقها ) عطف على قوله هبة المرأة ؛ أي حكم عتق المرأة جاريتها . قوله ( إذا كان لها زوج ) ليست للشرط ، بل ظرف لما تقدم ؛ لأن الكلام فيما إذا كان لها زوج وقت الهبة أو العتق ، أما إذا لم يكن لها زوج فلا نزاع في جوازه . قوله ( فهو ) ؛ أي المذكور من الهبة والعتق جائز إذا لم تكن المرأة سفيهة وهي ضد الرشيدة ، والرشيدة من صلح دينها ودنياها . قوله ( وقال الله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ، ذكر هذا في معرض الاستدلال ، وقال سعيد بن جبير ومجاهد والحكم : السفهاء الذين ذكرهم الله عز وجل هنا اليتامى والنساء . وعن الحسن : المرأة والصبي . وفي لفظ : الصغار والنساء أسفه السفهاء . وفي لفظ : ابنك السفيه وامرأتك السفيهة . وقد ذكر أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : اتقوا الله في الضعيفين ؛ اليتيم والمرأة . وقال ابن مسعود : النساء والصبيان . وقال السدي : الولد والمرأة . وقال الضحاك : الولد والنساء أسفه السفهاء ، فيكونوا عليكم أربابا . وعن ابن عباس : امرأتك وبنتك . قال : وأسفه السفهاء الولدان والنساء . قال الطبري : وقال غير هؤلاء إنهم الصبيان خاصة ، قاله ابن جبير والحسن . وقال آخرون : بل عنى بذلك السفهاء من ولد الرجل ، منهم أبو مالك وابن عباس وأبو موسى وابن زيد بن أسلم . وقال آخرون : بل عنى بذلك النساء خاصة ، فذكر المعتمر بن سليمان عن أبيه قال : زعم حضرمي أن رجلا عمد فدفع ماله إلى امرأته فوضعته في غير الحق ، فقال الله عز وجل : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن النساء السفهاء ، إلا التي أطاعت قيمها . ورواه ابن مردويه مطولا ، وقال ابن أبي حاتم : ذكره عن مسلم بن إبراهيم ، حدثنا حرب بن شريح ، عن معاوية بن قرة ، عن أبي هريرة وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ، قال : الخدم ، وهم شياطين الإنس ، وهم الخدم . وفي التوضيح : من قال عنى بالسفهاء النساء خاصة فإنه حمل اللفظ على غير وجهه ، وذلك لأن العرب لا تكاد تجمع فعيلا على فعلاء إلا في جمع الذكور أو الذكور والإناث ، فأما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة لا ذكور معهن جمعوه على فعائل وفعيلات مثل غريبة تجمع على غرائب وغريبات ، فأما الغرباء فهو جمع غريب . قال : وكأن البخاري أراد بالتبويب وما فيه من الأحاديث الرد على من خالف ذلك ، روى حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لما فتح مكة : لا يجوز عطية امرأة في مالها إلا بإذن زوجها . أخرجه النسائي . وقد اختلف العلماء في المرأة المالكة لنفسها الرشيدة ذات الزوج على قولين ؛ أحدهما : أنه لا فرق بينها وبين البالغ الرشيد في التصرف ، وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي . والقول الآخر : لا يجوز لها أن تعطي من مالها شيئا بغير إذن زوجها ، روي ذلك عن أنس وطاوس والحسن البصري ، وقال الليث : لا يجوز عتق المزوجة وصدقتها إلا في الشيء اليسير الذي لا بد منه من صلة الرحم أو ما يتقرب به إلى الله تعالى . وقال مالك : لا يجوز عطاؤها بغير إذن زوجها إلا من ثلث مالها خاصة قياسا على الوصية . 24 - حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن عباد بن عبد الله ، عن أسماء رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله ، مالي مال إلا ما أدخل الزبير علي ، أفأتصدق ؟ قال : تصدقي ، ولا توعي فيوعِي الله عليك . مطابقته للترجمة في قوله تصدقي ؛ فإنه يدل على أن للمرأة التي لها زوج أن تتصدق بغير إذن زوجها . فإن قلت : الترجمة هبة المرأة ولفظ الحديث بالصدقة ! قلت : المراد من الهبة معناها اللغوي ، وهو يتناول الصدقة . ذكر رجاله : وهم خمسة ؛ الأول : أبو عاصم الضحاك بن مخلد . الثاني : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج . الثالث : عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة - بضم الميم . الرابع : عباد - بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة - ابن عبد الله بن الزبير بن العوام . الخامس : أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه مصري وابن جريج وابن أبي مليكة مكيان وعباد بن عبد الله مدني ، وفيه رواية الراوي عن جدته ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية . وبعض الحديث مضى في كتاب الزكاة في باب الصدقة فيما استطاع ، وفيه عن عباد بن عبد الله بن الزبير أخبره عن أسماء ، وقد روى أيوب هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن عائشة بغير واسطة أخرجه أبو داود والترمذي وصححه والنسائي ، وصرح أيوب عن ابن أبي مليكة بتحديث عائشة له بذلك فيحمل على أنه سمعه من عباد عنها ثم حدثته به . قوله ( إلا ما أدخل الزبير علي ) بتشديد الياء ، معناه ما صير ملكا لها ، فأمرها - صلى الله تعالى عليه وسلم - أن تتصدق ولم يأمرها باستئذان الزبير رضي الله تعالى عنه . قوله ( أفأتصدق ؟ ) بهمزة الاستفهام في رواية المستملي ، وفي رواية غيره بدون حرف الاستفهام . قوله ( ولا توعي ) من الإيعاء ؛ أي لا تجعليه في الوعاء - وهو الظرف - محفوظا لا تخرجينه منه فيعمل الله بك مثل ذلك ، وهو معنى قوله فيوعِي اللهُ عليك . قوله ( فيوعِيَ ) بالنصب لكونه جواب النهي ، وإسناد الإيعاء إلى الله تعالى من باب المشاكلة ، وقال الخطابي : أي لا تخبئ الشيء في الوعاء ، ومنه قوله تعالى : وَجَمَعَ فَأَوْعَى أي مادة الرزق متصلة باتصال النفقة منقطعة بانقطاعها ، فلا تمنعي فضلها فتحرمي مادتها ، وقد مر الكلام مبسوطا في كتاب الزكاة .