28 - باب قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام بِسَارَةَ فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ فَقَالَ : أَعْطُوهَا آجَرَ وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ . وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ : أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدًا ، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ . 2615 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُبَّةُ سُنْدُسٍ ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ الْحَرِيرِ ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) أَيْ جَوَازِ ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى ضَعْفِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي رَدِّ هَدِيَّةِ الْمُشْرِكِ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ ابْنِ مَالِكٍ ، وَرِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ الَّذِي يُدْعَى مُلَاعِبَ الْأَسِنَّةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُشْرِكٌ ، فَأَهْدَى لَهُ فَقَالَ : إِنِّي لَا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ الْحَدِيثَ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَقَدْ وَصَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَا يَصِحُّ . وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ عِيَاضِ بْنِ حَمَّادٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عِيَاضٍ قَالَ : أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاقَةً فَقَالَ : أَسْلَمْتَ ؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ ، وَالزَّبْدُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ الرَّفْدُ ، صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ . وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ عِدَّةَ أَحَادِيثَ دَالَّةٍ عَلَى الْجَوَازِ ، فَجَمَعَ بَيْنَهَا الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِيمَا أُهْدِيَ لَهُ خَاصَّةً وَالْقَبُولَ فِيمَا أُهْدِيَ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَدِلَّةِ الْجَوَازِ مَا وَقَعَتِ الْهَدِيَّةُ فِيهِ لَهُ خَاصَّةً ، وَجَمَعَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّ مَنْ يُرِيدُ بِهَدِيَّتِهِ التَّوَدُّدَ وَالْمُوَالَاةَ ، وَالْقَبُولَ فِي حَقِّ مَنْ يُرْجَى بِذَلِكَ تَأْنِيسُهُ وَتَأْلِيفُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَهَذَا أَقْوَى مِنَ الْأَوَّلِ . وَقِيلَ يُحْمَلُ الْقَبُولُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ . وَقِيلَ : يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ . وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى نَسْخَ الْمَنْعِ بِأَحَادِيثِ الْقَبُولِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ . وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ الثَّلَاثَةُ ضَعِيفَةٌ فَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَلَا التَّخْصِيصِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِسَارَةَ ) الْحَدِيثَ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ ظَاهِرٌ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَرِدْ مِنْ شَرْعِنَا إِنْكَارُهُ . قَوْلُهُ : ( وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ ذَكَرَهُ مَوْصُولًا فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ : أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَلَدٌ مَعْرُوفٌ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ فِي طَرِيقِ الْمِصْرِيِّينَ إِلَى مَكَّةَ ، وَهِيَ الْآنَ خَرَابٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا فِي الزَّكَاةِ . وَقَوْلُهُ : وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِبَحْرِهِمْ أَيْ بِبَلَدِهِمْ ، وَحَمَلَهُ الدَّاوُدِيُّ عَلَى ظَاهِرِهِ فَوَهَمَ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَّنِفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا : حَدِيثُ أَنَسٍ فِي جُبَّةِ الْسُّنْدُسِ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( أُهْدِيَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ يَنْهَى ) أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( عَنِ الْحَرِيرِ ) وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْمُشْرِكِين · ص 271 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْمُشْرِكِين · ص 273 2616 - وَقَالَ سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سَعِيدٌ ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ( إِلَخْ ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ رَوْحٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ بِهِ وَقَالَ فِيهِ : جُبَّةُ سُنْدُسٍ أَوْ دِيبَاجٍ ، شَكَّ سَعِيدٌ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا فِيهِ مِنَ التَّخَالُفِ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ بَيَانَ الَّذِي أَهْدَى لِتَظْهَرَ مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ فِيهِ : إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَأُكَيْدِرُ دُومَةَ هُوَ أُكَيْدِرٌ تَصْغِيرُ أَكْدَرَ ، وَدُومَةَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَلَدٌ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ ، وَهِيَ دُومَةُ الْجَنْدَلِ مَدِينَةٌ بِقُرْبِ تَبُوكَ بِهَا نَخْلٌ وَزَرْعٌ وَحِصْنٌ عَلَى عَشْرِ مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَثَمَانٍ مِنْ دِمَشْقَ ، وَكَانَ أُكَيْدِرُ مَلِكَهَا ، وَهُوَ أُكَيْدِرُ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْجِنِّ - بِالْجِيمِ وَالنُّونِ - ابْنِ أَعْبَاءَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ يُنْسَبُ إِلَى كِنْدَةَ ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا . وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ إِلَيْهِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي سَرِيَّةٍ فَأَسَرَهُ وَقَتَلَ أَخَاهُ حَسَّانَ وَقَدِمَ بِهِ الْمَدِينَةَ ، فَصَالَحَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْجِزْيَةِ وَأَطْلَقَهُ ، ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ قِصَّتَهُ مُطَوَّلَةً فِي الْمَغَازِي . وَرَوَى أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ أَخْرَجَ قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ مَنْسُوجًا بِالذَّهَبِ فَرَدَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ ، ثُمَّ إِنَّهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ رَدِّ هَدِيَّتِهِ فَرَجَعَ بِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ادْفَعْهُ إِلَى عُمَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَوْبَ حَرِيرٍ فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا فَقَالَ : شَقِّقْهُ خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْحُلَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا عَلِيٌّ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ هِيَ هَذِهِ الَّتِي أَهْدَاهَا أُكَيْدِرٌ ، وَسَيَأْتِي الْمُرَادُ بِالْفَوَاطِمِ فِي اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قبول الهدية من المشركين · ص 167 باب قبول الهدية من المشركين أي : هذا باب في بيان جواز قبول الهدية من المشركين ، وكأنه أشار بهذا إلى ضعف الحديث الوارد في رد هدية المشرك وهو ما أخرجه موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ورجال من أهل العلم أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة قدم على رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وهو مشرك فأهدى له ، فقال : إني لا أقبل هدية مشرك ... الحديث ، رجاله ثقات إلا أنه مرسل ، وقد وصله بعضهم عن الزهري ولا يصح . وفي الباب عن عياض بن حمار ، أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما من طريق قتادة عن يزيد بن عبد الله عن عياض قال : أهديت للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ناقة ، فقال : أسلمت ؟ قلت : لا . قال : إني نهيت عن زبد المشركين . وقال الترمذي : هذا حديث صحيح . ومعنى قوله إني نهيت عن زبد المشركين يعني هداياهم . قلت : الزبد بفتح الزاي وسكون الباء الموحدة وفي آخره دال مهملة ، وهو الرفد والعطاء ، يقال منه زبده يزبده بالكسر ، فأما يزبده بالضم فهو إطعام الزبد . وقال الخطابي : يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخا ؛ لأنه قبل هدية غير واحد من المشركين ، أهدى له المقوقس مارية والبغلة وأهدى له أكيدر دومة فقبل منهما ، وقيل : إنما رد هديته ليغيظه بردها فيحمله ذلك على الإسلام . وقيل : ردها لأن للهدية موضعا من القلب ، ولا يجوز أن يميل بقلبه إلى مشرك ، فردها قطعا لسبب الميل ، وليس ذلك مناقضا لقبول هدية النجاشي والمقوقس وأكيدر لأنهم أهل كتاب ، انتهى . قلت : رُوي في هذا الباب عن جماعة من الصحابة عن جابر رضي الله تعالى عنه ، رواه ابن عدي في الكامل عنه قال : أهدى النجاشي إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قارورة من غالية ، وكان أول من عمل له الغالية ، ولم أجد في هدايا الملوك له - صلى الله تعالى عليه وسلم - من حديث جابر إلا هذا الحديث ، والنجاشي كان قد أسلم ، ولا مدخل للحديث في الباب إلا أن يكون أهداه له قبل إسلامه وفيه نظر ، ويحتمل أن يراد بالنجاشي نجاشي آخر من ملوك الحبشة لم يسلم كما في الحديث الصحيح عند مسلم من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كتب قبل موته إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم ... الحديث ، وعن أبي حميد الساعدي قال : غزونا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ... الحديث ، وفيه : وأهدى ملك أيلة إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بغلة بيضاء ، فكساه رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بردة وكتب له ببحرهم . أخرجه الشيخان على ما يجيء إن شاء الله تعالى . وعن أنس ، أخرجه مسلم والنسائي من رواية قتادة عنه أن أكيدر دومة الجندل أهدى إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - جبة من سندس . ولأنس حديث آخر ، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه وأحمد والبزار في مسنديهما ، قال : أهدى الأكيدر لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - جرة مِنْ مَنٍّ ، فجعل يقسمها بيننا . وقال البزار : فقبلها . ولأنس حديث آخر ، رواه ابن عدي في الكامل من رواية علي بن يزيد عن أنس أن ملك الروم أهدى إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ممشقة من سندس فلبسها ، أورده في ترجمة علي وضعفه . قلت : الممشقة - بضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد الشين المعجمة وبالقاف - هو الثوب المصبوغ بالمشق - بكسر الميم - وهو المغرة . ولأنس حديث آخر ، رواه أبو داود من رواية عمارة بن زادان عن ثابت عن أنس أن ملك ذي يزن أهدى لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - حلة أخذها بثلاثة وثلاثين ناقة ، فقبلها . وعن بلال بن رباح ، أخرجه أبو داود عنه حديثا مطولا ، وفيه : ألم تر إلى الركائب المناخات الأربع ؟ فقلت : بلى . فقال : إن لك رقابهن وما عليهن ، فإن عليهن كسوة وطعاما أهداهن إلَيَّ عظيمُ فدك ، فاقبضهن واقض دينك . وعن حكيم بن حزام ، أخرجه أحمد في مسنده والطبراني في الكبير من رواية عراك بن مالك أن حكيم بن حزام قال : كان محمد أحب رجل في الناس إلي في الجاهلية ، فلما تنبأ وخرج إلى المدينة شهد حكيم بن حزام الموسم وهو كافر ، فوجد جلة لذي يزن تباع ، فاشتراها بخمسين دينارا ليهديها لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقدم بها عليه المدينة فأراده على قبضها هدية فأبى . قال عبد الله : حسبته قال : إنا لا نقبل شيئا من المشركين ، ولكن إن شئت أخذناها بالثمن . فأعطيته حين أبى على الهدية . وعن عبد الله بن الزبير ، أخرجه أحمد والطبراني أيضا من رواية عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال : قدمت قتيلة ابنة عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما بهدايا ضبابا وقرظا وسمنا - زاد الطبراني : وهي مشركة - فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها ، فسألت عائشة رضي الله تعالى عنها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى : لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ الآية ، فأمرها أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها . وعن عبد الله بن عباس ، أخرجه الطبراني في الكبير من رواية إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن الحجاج بن علاط أهدى لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - سيفه ذو الفقار ، ودحية الكلبي أهدى له بغلته الشهباء . وفي ترجمة أبي شيبة رواه ابن عدي في الكامل وضعفه . ولابن عباس حديث آخر ، رواه البزار في مسنده من رواية مندل عن ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال : أهدى المقوقس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدح قوارير فكان يشرب فيه . وعن حنظلة الكاتب ، أخرجه الطبراني في الكبير عنه أنه قال : أهدى المقوقس ملك القبط إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - هدية وبغلة شهباء فقبلها صلى الله تعالى عليه وسلم . وعن دحية الكلبي ، أخرجه الطبراني في الكبير عنه أنه قال : أهديت لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - جبة صوف وخفين فلبسهما حتى تخرقا ، ولم يسأل عنهما أذكيا أم لا ، انتهى . قلت : كان ذلك قبل إسلامه . وعن بريدة بن الحصيب ، أخرجه الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : أهدى أمير القبط لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - جاريتين أختين وبغلة ، فكان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يركبها ، وأما إحدى الجاريتين فتسراها فولدت له إبراهيم ، وأما الأخرى فأعطاها حسان بن ثابت الأنصاري . وعن أبي سعيد الخدري ، أخرجه ابن عدي في الكامل عنه قال : أهدى ملك الروم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جرة زنجبيل فقسمها بين أصحابه . وعن المغيرة بن شعبة ، أخرجه الترمذي من رواية الشعبي عنه قال : أهدى دحية الكلبي لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - خفين فلبسها . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها ، أخرجه الطبراني في الأوسط من رواية عطاء عنها قالت : أهدى المقوقس صاحب الإسكندرية إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكحلة عيدان شامية ومرآة ومشط . وعن داود بن أبي داود عن جده ، أخرجه ابن قانع عنه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أهدى له قيصر جبة من سندس ، فأتى أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما يشاورهما ، فقالا : يا رسول الله ، نرى أن تلبسها يبكت الله تعالى عدوك ويسر المسلمون . فلبسها وصعد المنبر ... الحديث ، وفي إسناده جهالة . ثم التوفيق بين هذه الأحاديث ما قاله الطبري بأن الامتناع فيما أُهدي له خاصة والقبول فيما أهدي للمسلمين ، وقيل : الامتناع في حق من يريد بهديته التودد ، والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام . وقيل : يحمل القبول على من كان من أهل الكتاب ، والرد على من كان من أهل الأوثان . وقيل : يمتنع ذلك لغيره من الأمراء ؛ لأن ذلك من خصائصه . وقيل : نسخ المنع بأحاديث القبول ، وقيل بالعكس ، والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قبول الهدية من المشركين · ص 169 47 - وقال أبو هريرة : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : هاجر إبراهيم عليه السلام بسارَّة فدخل قرية فيها مالك أو جبار ، فقال : أعطوها آجر . ذكر هذا التعليق مختصرا ، وأخرجه موصولا في كتاب البيوع في باب شراء المملوك من الحربي ، وقد تقدم الكلام فيه هناك ، وأخرجه أيضا موصولا في أحاديث الأنبياء عليهم السلام . وقصته على ما قال علماء السير أن إبراهيم أقام بالشام مدة ، فقحط الشام فسار إلى مصر ومعه سارَّة ولوط عليهم السلام ، وكان بها فرعون ، وهو أول الفراعنة ، عاش دهرا طويلا ، واختلفوا فيه ؛ فقال قوم هو سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح عليه السلام ، وقيل سنان بن الأهبوب أخو الضحاك وهو الذي بعثه إلى مصر وأقام بها ، وقيل عمرو بن امرئ القيس بن نابليون بن سبأ ، وقيل طوليس . وكانت سارة من أجمل النساء ، وكانت لا تعصي لإبراهيم عليه السلام شيئا فلذلك أكرمها الله تعالى ، فأتى الجبار رجل وقال : إنه قدم رجل ومعه امرأة من أحسن الناس وجها ! ووصف له حسنها وجمالها ، فأرسل الجبار إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال : ما هذه المرأة منك ؟ قال : هي أختي . وخاف إن قال امرأتي أن يقتله ، فقال له : زينها وأرسلها إلي ولا تمتنع حتى أنظر إليها . فرجع إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى سارة وقال لها : إن هذا الجبار قد سألني عنك فأخبرته أنك أختي ، فلا تكذبيني عنده فإنك أختي في كتاب الله تعالى ، وإنه ليس في هذه الأرض مسلم غيري وغيرك ولوط . ثم أقبلت سارة إلى الجبار ، وقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام يصلي ، فلما دخلت عليه ورآها فتناولها بيده فيبست إلى صدره ، فلما رأى ذلك فرعون أعظم أمرها وقال لها : سلي إلهك أن يطلق عني ، فوالله لا أوذيك . فقالت سارَّة : اللهم إن كان صادقا فأطلق له يده ! فأطلق الله له يده ، وقيل فعل ذلك ثلاث مرات ، فلما رأى ذلك ردها إلى إبراهيم ووهب لها هاجر وهي التي ذكرت في حديث الباب آجر وهي لغة في هاجر ، فأقبلت سارة إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام فلما أحس بها انفتل من صلاته فقال : مهيم ؟ فقالت : كفى الله كيد الفاجر وأخدمني هاجر . واختلفوا في هاجر ؛ فقال مقاتل : كانت من ولد هود عليه الصلاة والسلام . وقال الضحاك : كانت بنت ملك مصر ، وكان الملك ساكنا بمنف وعليه ملك آخر . وقيل : إنما غلبه فرعون فقتله وسبى ابنته فاسترقها ووهبها لسارة ، ووهبتها سارة لإبراهيم فواقعها إبراهيم عليه الصلاة والسلام فولدت إسماعيل ، وسارة بنت هاران أخ إبراهيم عليه الصلاة والسلام . قال ابن كثير : والمشهور أن سارَّة ابنة عمه هاران أخت لوط عليه الصلاة والسلام كما حكاه السهيلي ، ومن ادعى أن تزويج بنت الأخ كان إذ ذاك مشروعا فليس له على ذلك دليل ، ولو فرض أنه كان مشروعا وهو منقول عن الربانيين من اليهود كان الأنبياء عليهم السلام لا يتعاطونه . وقال السدي : وكانت سارَّة بنت ملك حران ، وكان قد بلغها خبر الخليل عليه الصلاة والسلام فآمنت به وعابت على قومها عبادة الأوثان ، فلما قدم الخليل حران تزوجته على أن لا يغيرها ، وذهب بعض العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة : سارة ، وأم موسى ، ومريم - عليهن السلام ، والذي عليه الجمهور أنهن صديقات . وأهديت للنبي - صلى الله عليه وسلم - شاة فيها سم . يأتي حديث هذه الهدية في هذا الباب موصول ، ويأتي الكلام فيها هناك . وقال أبو حميد : أهدى ملك أيلة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بغلة بيضاء وكساه بردا ، وكتب له ببحرهم . أبو حميد الساعدي الأنصاري ، قيل اسمه عبد الرحمن ، وقيل غير ذلك . والحديث المعلق مضى مطولا في كتاب الزكاة في باب خرص التمر ، وقد مر الكلام فيه هناك ، وأيلة - بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف - بلدة معروفة بساحل البحر في طريق المصريين إلى مكة ، وهي الآن خراب . قوله ( وكتب له ببحرهم ) ؛ أي ببلدهم وحكومة أرضهم وديارهم له ، وهذا هو الظاهر لا البحر الذي هو ضد البر كما توهمه بعضهم . 48 - حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا يونس بن محمد قال : حدثنا شيبان ، عن قتادة قال : حدثنا أنس رضي الله عنه قال : أهدي للنبي - صلى الله عليه وسلم - جبة سندس ، وكان ينهى عن الحرير ، فعجب الناس منها ، فقال صلى الله عليه وسلم : والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن فيه قبول الهدية من المشرك ، لأن الذي أهداها هو أكيدر دومة على ما يجيء عن قريب . وعبد الله بن محمد بن عبد الله أبو جعفر البخاري المعروف بالمسندي ، وهو من أفراده . ويونس بن محمد أبو محمد المؤدب البغدادي ، وشيبان - بفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف - ابن عبد الرحمن النحوي . والحديث أخرجه البخاري أيضا في صفة الجنة عن عبد الله بن محمد أيضا ، وأخرجه مسلم في الفضائل عن زهير بن حرب عن يونس بن محمد عنه به . قوله ( أهدي ) على صيغة المجهول ، والمهدي هو أكيدر كما ذكرناه الآن . قوله ( سندس ) ، قال ابن الأثير : السندس ما رق من الديباج ورفع . وقال الداودي : السندس رقيق الديباج ، والإستبرق غليظه . وقال ابن التين : الإستبرق أفضل من السندس لأنه غليظ الديباج ، وكل ما غلظ من الحرير كان أفضل من رقيقه . قوله ( وكان ينهى عن الحرير ) جملة حالية . قوله ( لمناديل سعد ) جمع منديل وهو الذي يحمل في اليد ، مشتق من الندل وهو النقل لأنه ينقل من يد إلى يد ، وقيل الندل الوسخ ، وفيه إشارة إلى منزلة سعد في الجنة وأن أدنى ثيابه فيها خير من هذه الجبة ؛ لأن المناديل في الثياب أدناها لأنه معد للوسخ والامتهان فغيره أفضل منه ، وقيل في قوله لمناديل سعد : ضرب المثال بالمناديل التي يمسح بها الأيدي وينفض بها الغبار ويتخذ لفافة لجيد الثياب ، فكانت كالخادم والثياب كالمخدوم ، فإذا كانت المناديل أفضل من هذه الثياب - أعني جبة السندس - دل على عطايا الرب جل جلاله ، قال : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين . فإن قلت : ما وجه تخصيص سعد به ؟ قلت : لعل منديله كان من جنس ذلك الثوب لونا ونحوه ، أو كان الوقت يقتضي استمالة سعد ، أو كان اللامسون المتعجبون من الأنصار فقال منديل سيدكم خير منها ، أو كان سعد يحب ذلك الجنس من الثياب ، وقال صاحب الاستيعاب : روي أن جبريل عليه الصلاة والسلام نزل في جنازته معتجرا بعمامة من إستبرق .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قبول الهدية من المشركين · ص 170 وقال سعيد عن قتادة عن أنس أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم . سعيد هو ابن أبي عروبة ، روى عن قتادة إلى آخره . وهذا تعليق وصله أحمد عن روح عن سعيد بن أبي عروبة به ، وقال فيه جبة سندس أو ديباج ؛ شك سعيد . وأكيدر - بضم الهمزة - تصغير أكدر ، وهو ابن عبد الملك بن عبد الجن - بالجيم والنون - ابن أعبا بن الحارث بن معاوية ، ينسب إلى كندة ، وكان نصرانيا ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل إليه خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه في سرية فأسره وقتل أخاه حسان وقدم به إلى المدينة ، فصالحه النبي - صلى الله عليه وسلم - على الجزية وأطلقه . قال الكرماني : واختلفوا في إسلامه ؛ قال في الجامع : ذكر البلاذري أنه لما قدم على رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أسلم وعاد إلى قومه ، فلما توفى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ارتد ، فلما سار خالد من العراق إلى الشام قتله ، وكان أكيدر ملك دومة - بضم الدال عند اللغوي وفتحها عند الحديثي ، والواو ساكنة - وهي مدينة بقرب تبوك بها نخل وزرع ، ولها حصن عادي على عشر مراحل من المدينة وثمان من دمشق ، ويسمى دومة الجندل ، والجندل الحجارة والدومة مستدار الشيء ومجتمعه ، كأنها سميت به لأن مكانها مجتمع الأحجار ومستدارها . وروى أبو يعلى بإسناد قوي من حديث قيس بن النعمان أنه لما قدم أخرج قباء من ديباج منسوجا بالذهب ، فرده النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ثم إنه وجد في نفسه من رد هديته فرجع به ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ادفعه إلى عمر رضي الله تعالى عنه ... الحديث ، وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه عند مسلم أن أكيدر دومة أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثوب حرير فأعطاه عليا ، فقال : شققه خمرا بين الفواطم . وقد ذكرنا الفواطم في الباب الذي قبل هذا الباب .