15 - بَاب تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْأَعْمَالِ 22 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدْ اسْوَدُّوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا ، أَوْ الْحَيَاةِ شَكَّ مَالِكٌ ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً ، قَالَ وُهَيْبٌ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو : الْحَيَاةِ ، وَقَالَ : خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ قَوْلُهُ : ( بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْأَعْمَالِ ) فِي : ظَرْفِيَّةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً ، أَيِ التَّفَاضُلُ الْحَاصِلُ بِسَبَبِ الْأَعْمَالِ . قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَحِيُّ الْمَدَنِيُّ ابْنُ أُخْتِ مَالِكٍ ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى ، عَنْ مَالِكٍ ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هُوَ غَرِيبٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( يُدْخِلُ ) لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ وَغَيْرِهِ يُدْخِلُ اللَّهُ وَزَادَ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ وَكَذَا لَهُ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ . قَوْلُهُ : ( مِثْقَالُ حَبَّةٍ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا لَا أَقَلَّ مِنْهُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ مَثَلٌ لِيَكُونَ عِيَارًا فِي الْمَعْرِفَةِ لَا فِي الْوَزْنِ ; لِأَنَّ مَا يُشْكِلُ فِي الْمَعْقُولُ يُرَدُّ إِلَى الْمَحْسُوسِ لِيُفْهَمَ . وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : الْوَزْنُ لِلصُّحُفِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأَعْمَالِ ، وَيَقَعُ وَزْنُهَا عَلَى قَدْرِ أُجُورِ الْأَعْمَالِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يَجُوزُ أَنْ تُجَسَّدَ الْأَعْرَاضُ فَتُوزَنُ ، وَمَا ثَبَتَ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ بِالشَّرْعِ لَا دَخْلَ لِلْعَقْلِ فِيهِ ، وَالْمُرَادُ بِحَبَّةِ الْخَرْدَلِ هُنَا مَا زَادَ مِنَ الْأَعْمَالِ عَلَى أَصْلِ التَّوْحِيدِ ، لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : أَخْرِجُوا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَعَمِلَ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً . وَمَحَلُّ بَسْطِ هَذَا يَقَعُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ . قَوْلُهُ : ( فِي نَهَرِ الْحَيَاءِ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْمَدِّ ، وَلِكَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا بِالْقَصْرِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ وَعَلَيْهِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ مَا بِهِ تَحْصُلُ الْحَيَاةُ ، وَالْحَيَا بِالْقَصْرِ هُوَ الْمَطَرُ ، وَبِهِ تَحْصُلُ حَيَاةُ النَّبَاتُ ، فَهُوَ أَلْيَقُ بِمَعْنَى الْحَيَاةِ مِنَ الْحَيَاءِ الْمَمْدُودِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْخَجَلِ . قَوْلُهُ : ( الْحِبَّةُ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ : الْحِبَّةُ جَمْعُ بُزورِ النَّبَاتِ وَاحِدَتُهَا حَبَّةٌ بِالْفَتْحِ ، وَأَمَّا الْحِبُّ فَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ ، وَاحِدَتُهَا حَبَّةٌ بِالْفَتْحِ أَيْضًا ، وَإِنَّمَا افْتَرَقَا فِي الْجَمْعِ . وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي الْمُنْتَهَى : الْحِبَّةُ بِالْكَسْرِ بُزورُ الصَّحْرَاءِ مِمَّا لَيْسَ بِقُوتٍ . قَوْلُهُ : ( قَالَ وُهَيْبٌ ) أَيِ : ابْنُ خَالِدٍ ( حَدَّثَنَا عَمْرٌو ) أَيِ : ابْنُ يَحْيَى الْمَازِنِيُّ الْمَذْكُورُ . قَوْلُهُ : ( الْحَيَاةِ ) بِالْخَفْضِ عَلَى الْحِكَايَةِ ، وَمُرَادُهُ أَنَّ وُهَيْبًا وَافَقَ مَالِكًا فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بِسَنَدِهِ ، وَجَزَمَ بِقَوْلِهِ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ وَلَمْ يَشُكَّ كَمَا شَكَّ مَالِكٌ . ( فَائِدَةٌ ) : أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فَأَبْهَمَ الشَّاكَّ ، وَقَدْ يُفَسَّرُ هُنَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ ) هُوَ عَلَى الْحِكَايَةِ أَيْضًا ، أَيْ : وَقَالَ وُهَيْبٌ فِي رِوَايَتِهِ : مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ ، فَخَالَفَ مَالِكًا أَيْضًا فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ . وَقَدْ سَاقَ الْمُؤَلِّفُ حَدِيثَ وُهَيْبٍ هَذَا فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ وُهَيْبٍ ، وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ مِنْ سِيَاقِ مَالِكٍ ; لَكِنَّهُ قَالَ : مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ ، فَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِهَذَا ، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فَإِنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ ، عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ وُهَيْبٍ ، فَقَالَ : مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ كَمَا عَلَّقَهُ الْمُصَنِّفُ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُرَادُهُ لَا لَفْظُ مُوسَى . وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ هَذَا ، لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ ، وَوَجْهُ مُطَابَقَةِ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرٌ ، وَأَرَادَ بِإِيرَادِهِ الرَّدَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ ضَرَرِ الْمَعَاصِي مَعَ الْإِيمَانِ ، وَعَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّ الْمَعَاصِيَ مُوجِبَةٌ لِلْخُلُودِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْأَعْمَالِ · ص 91 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال · ص 86 فصل خرج البخاري ومسلم : 22 - من حديث عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، ثم يقول الله عز وجل : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ! فيخرجون منها قد اسودوا ، فيلقون في نهر الحيا أو الحياة - شك مالك - ، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ؛ ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية ؟ قال البخاري : وقال وهيب : حدثنا عمرو الحياة ، وقال : خردل من خير . قد قيل : إن الرواية الصحيحة الحيا بالقصر . و الحيا هو المطر ، قاله الخطابي وغيره . هذا الحديث نص في أن الإيمان الذي في القلوب يتفاضل ؛ فإن أريد به مجرد التصديق ففي تفاضله خلاف سبق ذكره ، وإن أريد به ما في القلوب من أعمال الإيمان كالخشية والرجاء والحب والتوكل ونحو ذلك فهو متفاضل بغير نزاع . وقد بوب البخاري على هذا الحديث باب تفاوت أهل الإيمان في الأعمال ، فقد يكون مراده الأعمال القائمة بالقلب ، كما بوب على أن المعرفة فعل القلب ، وقد يكون مراده أن أعمال الجوارح تتفاوت بحسب تفاوت إيمان القلوب ؛ فإنهما متلازمان . وقد ذكر البخاري أن وهيبا خالف مالكا في هذا الحديث ، وقال : مثقال حبة من خير . وفي الباب أيضا من حديث أنس بمعنى حديث أبي سعيد ، وفي لفظه اختلاف كالاختلاف في حديث أبي سعيد . وقد خرجه البخاري في موضع آخر ، وفيه زيادة من قال : لا إله إلا الله . وهذا يستدل به على أن الإيمان القولي أعني كلمة التوحيد ، والإيمان القلبي وهو التصديق - لا يقتسمه الغرماء بمظالمهم ؛ بل يبقى على صاحبه ؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخلد بعض أهل التوحيد ، وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق ، وما قاله بلسانه من الشهادة . وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين ، فدل على بقائهما على جميع من دخل النار منهم ، وأن الغرماء إنما يقتسمون الإيمان العملي بالجوارح . وقد قال ابن عيينة وغيره : إن الصوم خاصة من أعمال الجوارح لا يقتسمه الغرماء أيضا . وأما الحبة بكسر الحاء فهي أصول النبات والعشب ، وقد قيل : إنها تنزل مع المطر من السماء ، كذا قاله كعب وغيره . وقد ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب المطر ، وذكر فيه آثارا عن الأعراب . وحميل السيل محمولة ؛ فإن السيل يحمل من الغثاء ونحوه ما ينبت منه العشب . وشبه نبات الخارجين من النار إذا ألقوا في نهر الحيا أو الحياة بنبات هذه الحبة ؛ لمعنيين : أحدهما : سرعة نباتها . والثاني : أنها تنبت صفراء ملتوية ، ثم تستوي وتحسن . فكذلك ينبت من يخرج من النار بهذا الماء نباتا ضعيفا ، ثم يقوى ويكمل نباته ويحسن خلقه . وقد جعل الله نبات أجساد بني آدم كنبات الأرض ، قال الله تعالى : وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا وحياتهم من الماء ؛ فنشأتهم الأولى في بطون أمهاتهم مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ونشأتهم الثانية من قبورهم من الماء الذي ينزل من تحت العرش ، فينبتون فيه كنبات البقل حتى تتكامل أجسادهم . ونبات من يدخل النار ، ثم يخرج منها من ماء نهر الحياة أو الحيا . وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون ، ولكن أناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال : بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن في الشفاعة ، فجيء بهم ضبائر ضبائر ، فبثوا على أنهار الجنة . ثم قيل : يأهل الجنة ، أفيضوا عليهم ، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل . وظاهر هذا أنهم يموتون بمفارقة أرواحهم لأجسادهم ، [و] يحيون بإعادتها ، ويكون ذلك قبل ذبح الموت . ويشهد له ما خرجه البزار في مسنده من حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن أدنى أهل الجنة منزلة أو نصيبا قوم يخرجهم الله من النار ، فيرتاح لهم الرب عز وجل أنهم كانوا لا يشركون بالله شيئا ، فينبذون بالعراء فينبتون كما ينبت البقل ، حتى إذا دخلت الأرواح في أجسادهم قالوا : ربنا ! فالذي أخرجتنا من النار ، ورجعت الأرواح إلى أجسادنا - فاصرف وجوهنا عن النار ، فيصرف وجوههم عن النار . ثم خرج البخاري :
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال · ص 168 باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال أي : هذا باب تفاضل أهل الإيمان ، والأصل هذا باب في بيان تفاضل أهل الإيمان في أعمالهم ، وتفاضل مجرور بإضافة الباب إليه ، ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء ، وقوله : في الأعمال خبره ، ويكون الباب مضافا إلى جملة ، وقوله في الأعمال يتعلق بتفاضل أو يتعلق بمقدر نحو الحاصل ، وكلمة في للسببية ، كما في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : في النفس المؤمنة مائة إبل أي : التفاضل الحاصل بسبب الأعمال . وجه المناسبة بين البابين أن المذكور في الباب الأول ثلاث خصال ، والناس متفاوتون فيها ، والفاضل من استكمل الثلاث فقد حصل فيه التفاضل في العمل ، وهذا الباب أيضا في التفاضل في العمل . 1 - حدثنا إسماعيل ، قال : حدثني مالك ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، ثم يقول الله تعالى : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ، فيخرجون منها قد اسودوا ، فيلقون في نهر الحياء - أو : الحياة ، شك مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، وهي أن المذكور فيه هو أن القليل جدا من الإيمان يخرج صاحبه من النار والتفاوت في شيء فيه القلة والكثرة ظاهر ، وهو عين التفاضل ، لا يقال : الحديث ، إنما يدل على تفاضلهم في ثواب الأعمال ، لا في نفس الأعمال ؛ إذ المقصود منه بيان أن بعض المؤمنين يدخلون الجنة أول الأمر ، وبعضهم يدخلون آخرا ؛ لأنا نقول يدل على تفاوت الناس في الأعمال أيضا ؛ لأن الإيمان إما التصديق ، وهو عمل القلب ، وإما التصديق مع العمل ، وعلى التقديرين قابل للتفاوت إذ مثقال الحبة إشارة إلى ما هو أقل منه أو تفاوت الثواب مستلزم لتفاوت الأعمال شرعا ، ويحتمل أن يراد من الأعمال ثواب الأعمال إما تجوزا بإطلاق السبب ، وإرادة المسبب ، وإما إضمارا بتقدير لفظ الثواب مضافا إليها . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : إسماعيل بن عبد الله أبي أويس بن عبد الله بن أبي أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي عم مالك بن أنس أخي الربيع ، وأنس وأبي سهيل نافع أولاد مالك بن أبي عامر ، وإسماعيل هذا ابن أخت الإمام مالك بن أنس سمع خاله وأباه وأخاه عبد المجيد ، وإبراهيم بن سعد ، وسليمان بن بلال ، وآخرين ، روى عنه الدارمي ، والبخاري ، ومسلم ، وغيرهم من الحفاظ . وروى مسلم أيضا عن رجل عنه ، وروى له أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، ولم يخرج له النسائي ؛ لأنه ضعفه . وقال أبو حاتم : محله الصدق وكان مغفلا ، وقال يحيى بن معين : هو ووالده ضعيفان ، وعنه يسرقان الحديث ، وعنه إسماعيل صدوق ضعيف العقل ليس بذلك ، يعني أنه لا يحسن الحديث ، ولا يعرف أن يؤديه ، ويقرأ في غير كتابه ، وعنه مختلط يكذب ليس بشيء ، وعنه يساوي فلسين ، وعنه لا بأس به ، وكذلك قال أحمد : قال أبو القاسم اللالكائي : بالغ النسائي في الكلام عليه بما يؤدي إلى تركه ، ولعله بان له ما لم يبن لغيره ؛ لأن كلام هؤلاء كلهم يؤول إلى أنه ضعيف ، وقال الدارقطني : لا أختاره في الصحيح ، وقال ابن عدي : روى عن خاله مالك أحاديث غرائب لا يتابعه أحد عليها ، وأثنى عليه ابن معين ، وأحمد ، والبخاري يحدث عنه بالكثير ، وهو خير من أبيه . وقال الحاكم عيب على البخاري ومسلم إخراجهما حديثه ، وقد احتجا به معا ، وغمزه من يحتاج إلى كفيل في تعديل نفسه أعني النضر بن سلمة ، أي : فإنه قال : كذاب . قلت : قد غمزه من لا يحتاج إلى كفيل ، ومن قوله حجة مقبولة . وقد أخرجه البخاري عن غيره أيضا ، فاللين الذي فيه يجبر إذن ، مات في سنة ست ، ويقال : في رجب سنة سبع وعشرين ومائتين . الثاني : مالك بن أنس ، وقد تقدم ذكره . الثالث : عمرو ، بفتح العين ابن يحيى بن عمارة ، ووقع بخط النووي في شرحه عثمان ، وهو تحريف ابن أبي حسن تميم بن عمرو ، وقيل : يحيى بن عمر . وحكاه الذهبي في الصحابة ابن قيس بن يحرث بن الحارث بن ثعلبة بن مازن بن النجار الأنصاري المازني المدني ، روى عن أبيه ، وعن غيره من التابعين ، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري ، وغيره من التابعين ، وغيرهم ، والأنصاري من أقرانه ، وروى عن يحيى بن كثير ، وهو من أقرانه أيضا ، وثقه أبو حاتم ، والنسائي ، توفي سنة أربعين ومائة ، وعمارة صحابي بدري عقبي ، ذكره أبو موسى ، وأبو عمر ، وفيه نظر ، نعم أبوه صحابي عقبي بدري . وقال ابن سعد : وشهد الخندق وما بعد هذا . وأم عمرو هذا هي أم النعمان بنت أبي حنة بالنون ابن عمرو بن غزية بن عمرو بن عطية ابن خنساء بن مندول بن عمرو بن غانم بن مازن بن النجار . الرابع : أبو يحيى بن عثمان بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني سمع أبا سعيد ، وعبد الله بن زيد ، وعنه ابنه ، والزهري ، وغيرهما ، روى له الجماعة . الخامس : أبو سعيد سعد بن مالك الخدري رضي الله عنه . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هنا عن إسماعيل ، عن مالك ، وفي صفة الجنة والنار عن وهيب بن خالد ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن هارون ، عن ابن وهب ، عن مالك . وعن أبي بكر ، عن عفان ، عن وهيب . وعن حجاج ابن الشاعر ، عن عمرو بن عون ، عن خالد بن عبد الله ، ثلاثتهم عن عمرو بن يحيى به . وقع هذا الحديث للبخاري عاليا برجل عن مسلم . وأخرجه النسائي أيضا ، وهذا الحديث قطعة من حديث طويل يأتي إن شاء الله تعالى . وقد وافق إسماعيل على رواية هذا الحديث عبد الله بن وهب ، ومعن بن عيسى ، عن مالك ، وليس هو في الموطأ . قال الدارقطني : هو غريب صحيح . وفي رواية الدارقطني من طريق إسماعيل : يدخل الله . وزاد من طريق معن : يدخل من يشاء برحمته ، وكذا الإسماعيلي على طريق ابن وهب . ( بيان اللغات ) قوله : مثقال حبة المثقال كالمقدار لفظا ومعنى ، مفعال من الثقل ، وفي ( العباب ) مثقال الشيء ميزانه من مثله ، وقوله تعالى : مثقال ذرة ، أي : زنة ذرة . قال : وكلا يوافيه الجزاء بمثقال . أي بوزن ، وحكى أبو نصر ألقي عليه مثاقيله ، أي : مؤنته ، والثقل ضد الخفة ، والمثقال في الفقه من الذهب عبارة عن اثنين وسبعين شعيرة ، قاله الكرماني . قلت : ذكر في ( الاختيار ) أن المثقال عشرون قيراطا ، وكذا ذكر في ( الهداية ) ، وفي ( العباب ) القيراط معروف ، ووزنه يختلف باختلاف البلاد ، فهو عند أهل مكة حرسها الله تعالى ربع سدس الدينار ، وعند أهل العراق نصف عشر الدينار . قلت : ذكر الفقهاء أن القيراط طسوجتان ، والطسوجة شعيرتان ، والشعيرة ذرتان ، والذرة فتيلتان ، والفتيلة شعرتان ، وأما المراد هاهنا من المثقال فقد قيل : هو وزن مقدر ، الله أعلم بقدره ، وليس المراد المقدر هذا المعلوم فقد جاء مبينا ، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ، والحبة بفتح الحاء ، وتشديد الباء الموحدة واحدة الحب المأكول من الحنطة ونحوها ، وفي ( المحكم ) ، وجمع الحبة : حبات ، وحبوب ، وحب ، وحبان ، الأخيرة نادرة . قوله : من خردل ، بفتح الخاء المعجمة ، هو نبات معروف يشبه الشيء القليل البليغ في القلة بذلك ، يعني : يدخل الجنة من كان في قلبه أقل قدر من الإيمان ، وقال في ( العباب ) الخردل معروف ، واحدته خردلة . قوله : في نهر الحياء كذا في هذه الرواية بالمد ، وهي رواية الأصيلي ، ولا وجه له كما نبه عليه القاضي . وفي رواية كريمة وغيرها بالقصر ، وعليه المعنى ؛ لأن المراد كل ما يحصل به الحياة ، والحيا بالقصر هو المطر ، وبه يحصل حياة النبات ، فهو أليق بمعنى الحياة من الحياء الممدود الذي بمعنى الخجل ، ونهر الحياة معناه الماء الذي يحيي من انغمس فيه . قوله : كما تنبت الحبة بكسر الحاء ، وتشديد الباء الموحدة بذر العشب ، وجمعه حبب كقربة ، وقرب ، ويحتمل أن يكون اللام للعهد ، ويراد به حبة بقلة الحمقاء ؛ لأن شأنه أن ينبت سريعا على جانب السيل فيتلفه السيل ، ثم ينبت فيتلفه السيل ، ولهذا سميت بالحمقاء ؛ لأنه لا تمييز لها في اختيار المنبت . وقال الجوهري : الحبة بالكسر بذور الصحراء مما ليس بقوت . وفي الحديث : ينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ، وتسمى الرجلة بكسر الراء والجيم : بقلة الحمقاء ؛ لأنها لا تنبت إلا في المسيل . وقال الكسائي : هو حب الرياحين . ففي بعض الروايات : في حميل السيل ، وهو ما يحمله السيل من طين ونحوه . قيل : فإذا اتفق فيه الحبة واستقرت على شط مجرى السيل تنبت في يوم وليلة ، وهي أسرع نابتة نباتا ، وفي ( المحكم ) الحبة : بذور البقول والرياحين ، واحدها حب ، وقيل : إذا كانت الحبوب مختلفة من كل شيء فهي حبة ، وقيل : الحبة نبت ينبت في الحشيش صغار ، وقيل : ما كان له حب من النبات ، فاسم ذلك الحب الحبة ، وقال أبو حنيفة الدينوري : الحبة بالكسر جميع بذور النبات ، واحدتها حبة بالفتح ، وعن الكسائي : أما الحب فليس إلا الحنطة والشعير ، واحدتها حبة بالفتح ، وإنما افترقا في الجمع ، والحبة بذر كل نبات ينبت وحده من غير أن يبذر ، وكل ما بذر فبذره حبة بالفتح . وقال الأصمعي : ما كان له حب من النبت فاسمه حبة إذا جمع الحبة . وقال أبو زياد : كل ما يبس من البقل كله ذكوره وأحراره يسمى الحبة إذا سقط على الأرض وتكسر ، وما دام قائما بعد يبسه فإنه يسمى القت ، وفي ( الغريبين ) حب الحنطة ، يسمى حبة بالتخفيف ، والحبة بكسر الحاء ، وتشديد الباء اسم جامع لحبوب البقول التي تنتشر إذا هاجت ، ثم إذا مطرت في قابل تنبت ، وفي ( العباب ) الحبة بالكسر بذور الصحراء ، والجمع الحبب . قوله : في جانب السيل كذا هاهنا ، وجاء حميل بدل جانب ، وفي رواية وهيب : حماة السيل ، والحميل بمعنى المحمول ، وهو ما جاء به من طين أو غثاء ، والحمأة ما تغير لونه من الطين ، وكله بمعنى ، فإذا اتفق فيه حبة على شط مجراه فإنها تنبت سريعا . قوله : صفراء تأنيث الأصفر من الاصفرار ، وهو من جنس الألوان للرياحين ، ولهذا تسر الناظرين ، وسيد رياحين الجنة الحناء ، وهو أصفر . قوله : ملتوية ، أي : منعطفة منثنية ، وذلك أيضا يزيد الريحان حسنا يعني اهتزازه ، وتميله ، والله تعالى أعلم . ( بيان الإعراب ) قوله : يدخل أهل الجنة فعل وفاعل ، ولفظة أهل مضافة إلى الجنة ، والجنة الثانية بالنصب ؛ لأنه مفعول ، وأصله في الجنة ، وإنما قلنا ذلك ؛ لأن الجنة محدودة ، وكان الحق أن يقال : دخلت في الجنة ، كما في قولك : دخلت في الدار ؛ لأنها محدودة إلا أنهم حذفوا حرف الجر اتساعا ، وأوصلوا الفعل إليه ، ونصبوه نصب المفعول به ، وذهب الجرمي إلى أنه فعل متعد نصب الدار كنحو بنيت الدار ، وقد دفعوا . قوله : بأن مصدره يجيء على فعول ، وهو من مصادر الأفعال اللازمة ، نحو : قعد قعودا ، وجلس جلوسا ، ولأن مقابله لازم أعني خرجت . قلت : فيه نظر ؛ لأنه غير مطرد ؛ لأن ذهب لازم ، وما يقابله جاء متعد . قال الله تعالى : أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ قوله : وأهل النار كلام إضافي عطف على الأهل الأول : والتقدير : ويدخل أهل النار النار ، والكلام في النار الثانية مثل الكلام في الجنة الثانية . قوله : ثم يقول الله عز وجل . كلمة ثم هاهنا واقعة في موقعها ، وهو الترتيب مع المهلة . قوله : أخرجوا ، بفتح الهمزة ؛ لأنه أمر من الإخراج ، وهو خطاب للملائكة ، وقوله : من كان في قلبه ... إلى آخره جملة في محل النصب على أنها مفعول لقوله : أخرجوا ، ومن موصولة ، وقوله : كان في قلبه مثقال حبة صلتها ، ومثقال حبة كلام إضافي مرفوع ؛ لأنه اسم كان وخبره ، هو قوله : في قلبه مقدما ، وقيل : يجوز أن يكون أخرجوا بضم الهمزة من الخروج ، فعلى هذا يكون من منادى قد حذف منه حرف النداء ، والتقدير : أخرجوا يا من كان في قلبه مثقال حبة ، وقوله : من خردل يتعلق بمحذوف ، وهو حاصلة ، والتقدير : مثقال حبة حاصلة من خردل ، وهي في محل الجر على أنها صفة لمجرور ، وقوله : من إيمان يتعلق بمحذوف آخر ، والتقدير : من خردل حاصل من إيمان ، وهو أيضا في محل الجر نحوها ، ويجوز أن تتعلق من هذه بقوله : من كان ، ولا يجوز أن يتعلق بفعل واحد حرفا جر من جنس واحد ، فافهم . قوله : فيخرجون منها ، أي : من النار ، والفاء فيه للاستئناف تقديره : فهم يخرجون ، كما في قوله تعالى : كُنْ فَيَكُونُ قوله : قد اسودوا جملة قد وقعت حالا ، أي : صاروا سودا كالفحم من تأثير النار . قوله : فيلقون على صيغة المجهول جملة معطوفة على الجملة الأولى بالفاء التي تقتضي الترتيب . قوله : شك مالك جملة معترضة بين قوله : فيلقون في نهر الحياة ، وبين قوله : فينبتون ، وأراد أن الترديد بين الحياء والحياة إنما هو من مالك بن أنس الإمام ، وهو الذي شك فيه . وأخرج مسلم هذا الحديث من رواية مالك فأيهم الشاك ، وقد فسر هنا قوله : فينبتون عطف على قوله : فيلقون . قوله : كما تنبت الحبة الكاف للتشبيه ، وما مصدرية ، والتقدير كنبات الحبة ، ومحل الجملة النصب على أنها صفة لمصدر محذوف ، أي : فينبتون نباتا كنبات الحبة . قوله : ألم تر خطاب لكل من يتأتى منه الرؤية . قوله : تخرج جملة في محل الرفع ؛ لأنها خبر إن . قوله : صفراء ملتوية حالان متداخلتان أو مترادفتان . ( بيان المعاني والبيان ) . قوله : يدخل فعل مضارع ، وقد علم أنه صالح للحال والاستقبال ، فقيل : حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال ، وقيل : بالعكس . وقال ابن الحاجب : الصحيح أنه مشترك بينهما ؛ لأنه يطلق عليهما على السوية ، وهو دليل الاشتراك ، وفي قوله : على السوية نظر لا يخفى ، ثم إنه لا يخلص للاستقبال إلا بالسين ، ونحوه ، وكان القياس هاهنا أن يذكر بأداة مخلصة للاستقبال ؛ لأن دخول الجنة والنار إنما هو في الاستقبال ، ولكنه محقق الوقوع ، ذكره بصورة الحال . قوله : من إيمان ذكره منكرا ؛ لأن المقام يقتضي التقليل ، ولو عرف لم يفد ذلك . فإن قلت : فيكفيه الإيمان ببعض ما يجب الإيمان به ؛ لأنه إيمان ما قلت لا يكفيه ؛ لأنه علم من عرف الشرع أن المراد من الإيمان هو الحقيقة المعهودة عرف أو نكر . قوله : مثقال حبة من خردل من باب التمثيل ليكون عيارا في المعرفة ، وليس بعيار في الوزن ؛ لأن الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل لكن ما يشكل من المعقول قد يرد إلى عيار المحسوس ليفهم ، ويشبه به ليعلم ، والتحقيق فيه أنه يجعل عمل العبد وهو عرض في جسم على مقدار العمل عند الله ، ثم يوزن ويدل عليه ما جاء مبينا ، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة . وقال إمام الحرمين : الصحف المشتملة على الأعمال يزنها الله تعالى على قدر أجور الأعمال ، وما يتعلق بها من ثوابها وعقابها ، وجاء به الشرع ، وليس في العقل ما يحيله ، ويقال : للوزن معنيان أحدهما هذا ، والآخر تمثيل الأعراض بجواهر ، فيجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة ، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة . وحكى الزجاج وغيره من المفسرين من أهل السنة أنه إنما يوزن خواتيم الأعمال ، فإن كانت خاتمة عمله حسنا جوزي بخير ، ومن كانت خاتمة عمله شرا جوزي بشر ، ثم اعلم أن المراد بحبة الخردل زيادة على أصل التوحيد ، وقد جاء في الصحيح بيان ذلك ، ففي رواية فيه : أخرجوا من قال : لا إله إلا الله ، وعمل من الخير ما يزن كذا ، ثم بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيرا قط غير التوحيد . وقال القاضي : هذا هو الصحيح إذ معنى الخير هاهنا أمر زائد على الإيمان ؛ لأن مجرده لا يتجزى ، وإنما يتجزى الأمر الزائد عليه ، وهي الأعمال الصالحة من ذكر خفي أو شفقة على مسكين ، أو خوف من الله تعالى ، ونية صادقة في عمل وشبهه ، وذكر القاضي عن قوم أن المعنى في قوله : من إيمان ومن خير ما جاء منه ، أي : من اليقين إلا أنه قال : المراد ثواب الإيمان الذي هو التصديق ، وبه يقع التفاضل فإن اتبعه بالعمل عظم ثوابه ، وإن كان على خلاف ذلك نقص ثوابه . فإن قلت : كيف يعلمون ما كان في قلوبهم في الدنيا من الإيمان ، ومقداره . قلت : لعله بعلامات كما يعلمون أنهم من أهل التوحيد . قوله : كما تنبت الحبة... الخ فيه تشبيه متعدد ، وهو التشبيه من حيث الإسراع ، ومن حيث ضعف النبات ، ومن حيث الطراوة ، والحسن ، والمعنى : من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان يخرج من ذلك الماء نضرا حسنا منبسطا متبخترا كخروج هذه الريحانة من جانب السيل صفراء متميلة ، وهذا يؤيد كون اللام في الحبة للجنس ؛ لأن بقلة الحمقاء ليست صفراء إلا أن يقصد به مجرد الحسن والطراوة ، وقد ذكرنا وجه كونها للعهد . ( بيان استنباط الفوائد ) : الأولى : فيه حجة لأهل السنة على المرجئة حيث علم منه دخول طائفة من عصاة المؤمنين النار إذ مذهبهم أنه لا يضر مع الإيمان معصية فلا يدخل العاصي النار . الثانية : فيه حجة على المعتزلة حيث دل على عدم وجوب تخليد العاصي في النار . الثالثة : فيه دليل على تفاضل أهل الإيمان في الأعمال . الرابعة : ما قيل : إن الأعمال من الإيمان لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خردل من إيمان ، والمراد ما زاد على أصل التوحيد . قلت : لا دلالة فيه على ذلك أصلا على ما لا يخفى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال · ص 172 قال وهيب : حدثنا عمرو الحياة ، وقال : خردل من خير . الكلام فيه من وجوه : الأول : أن هذا من باب تعليقات البخاري ، ولكنه أخرجه مسندا في كتاب الرقاق عن موسى بن إسماعيل ، عن وهيب ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، به . وسياقه أتم من سياق مالك ، لكنه قال : من خردل من إيمان . كرواية مالك ، وقد اعترض على البخاري بهذا ، ولا يرد عليه ؛ لأن أبا بكر بن أبي شيبة أخرج هذا الحديث في مسنده ، عن عفان بن مسلم ، عن وهيب ، فقال : من خردل من خير كما علقه البخاري ، وقد أخرج مسلم عن أبي بكر هذا ، لكن لم يسق لفظه . الثاني : في إيراد البخاري هذه الزيادة من حديث وهيب . هنا فوائد : منها قول وهيب : حدثنا عمرو آتيا بلفظ التحديث بخلاف مالك فإنه أتى بلفظة : عن ، وفيها خلاف معروف : هل يدل على الاتصال والسماع أم لا ، فأزال البخاري بهذه الزيادة توهم الخلاف مع أن مالكا غير مدلس ، والمشهور عند أهل هذا الفن أن لفظة عن محمولة على الاتصال إذا لم يكن المعنعن مدلسا . ومنها إزالة الشك الذي جاء في حديث مالك عن عمرو في قوله : الحياء أو الحياة فأتى به وهيب مجردا من غير شك ، فقال : نهر الحياة . ومنها قوله : من خير ، وتقدم الكلام عليه . الثالث : قوله : الحياة بالجر على الحكاية ، والمعنى أن وهيبا وافق مالكا في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن يحيى بسنده ، وجزم بقوله في نهر الحياة ، ولم يشك كما شك مالك رحمه الله تعالى . قوله : وقال خردل من خير : بجر خردل أيضا على الحكاية ، أي : قال وهيب في روايته : مثقال حبة من خردل من خير ، فخالف مالكا أيضا في هذه اللفظة كما ذكرنا . قوله : وهيب ، بضم الواو ، وفتح الهاء ، وسكون الياء ، آخر الحروف ، وفي آخره باء موحدة ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم البصري ، روى عن هشام بن عروة ، وأيوب ، وسهيل ، وعمرو بن يحيى ، وغيرهم ، روى عنه القطان ، وابن مهدي ، وأبو داود الطيالسي ، وخلق كثير ، اتفق على توثيقه ، وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث حجة ، وكان يملي من حفظه ، مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة ، روى له الجماعة وقد سجن فذهب بصره . قوله : حدثنا عمرو ، بفتح العين ، هو عمرو بن يحيى المازني ، وقد مر ذكره عن قريب .