حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال

من حديث عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، ثم يقول الله عز وجل : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ! فيخرجون منها قد اسودوا ، فيلقون في نهر الحيا أو الحياة - شك مالك - ، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ؛ ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية ؟ قال البخاري : وقال وهيب : حدثنا عمرو الحياة ، وقال : خردل من خير . قد قيل : إن الرواية الصحيحة الحيا بالقصر . و الحيا هو المطر ، قاله الخطابي وغيره .

هذا الحديث نص في أن الإيمان الذي في القلوب يتفاضل ؛ فإن أريد به مجرد التصديق ففي تفاضله خلاف سبق ذكره ، وإن أريد به ما في القلوب من أعمال الإيمان كالخشية والرجاء والحب والتوكل ونحو ذلك فهو متفاضل بغير نزاع . وقد بوب البخاري على هذا الحديث باب تفاوت أهل الإيمان في الأعمال ، فقد يكون مراده الأعمال القائمة بالقلب ، كما بوب على أن المعرفة فعل القلب ، وقد يكون مراده أن أعمال الجوارح تتفاوت بحسب تفاوت إيمان القلوب ؛ فإنهما متلازمان . وقد ذكر البخاري أن وهيبا خالف مالكا في هذا الحديث ، وقال : مثقال حبة من خير .

وفي الباب أيضا من حديث أنس بمعنى حديث أبي سعيد ، وفي لفظه اختلاف كالاختلاف في حديث أبي سعيد . وقد خرجه البخاري في موضع آخر ، وفيه زيادة من قال : لا إله إلا الله . وهذا يستدل به على أن الإيمان القولي أعني كلمة التوحيد ، والإيمان القلبي وهو التصديق - لا يقتسمه الغرماء بمظالمهم ؛ بل يبقى على صاحبه ؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخلد بعض أهل التوحيد ، وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق ، وما قاله بلسانه من الشهادة .

وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين ، فدل على بقائهما على جميع من دخل النار منهم ، وأن الغرماء إنما يقتسمون الإيمان العملي بالجوارح . وقد قال ابن عيينة وغيره : إن الصوم خاصة من أعمال الجوارح لا يقتسمه الغرماء أيضا . وأما الحبة بكسر الحاء فهي أصول النبات والعشب ، وقد قيل : إنها تنزل مع المطر من السماء ، كذا قاله كعب وغيره .

وقد ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب المطر ، وذكر فيه آثارا عن الأعراب . وحميل السيل محمولة ؛ فإن السيل يحمل من الغثاء ونحوه ما ينبت منه العشب . وشبه نبات الخارجين من النار إذا ألقوا في نهر الحيا أو الحياة بنبات هذه الحبة ؛ لمعنيين : أحدهما : سرعة نباتها .

والثاني : أنها تنبت صفراء ملتوية ، ثم تستوي وتحسن . فكذلك ينبت من يخرج من النار بهذا الماء نباتا ضعيفا ، ثم يقوى ويكمل نباته ويحسن خلقه . وقد جعل الله نبات أجساد بني آدم كنبات الأرض ، قال الله تعالى : ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا وحياتهم من الماء ؛ فنشأتهم الأولى في بطون أمهاتهم مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ونشأتهم الثانية من قبورهم من الماء الذي ينزل من تحت العرش ، فينبتون فيه كنبات البقل حتى تتكامل أجسادهم .

ونبات من يدخل النار ، ثم يخرج منها من ماء نهر الحياة أو الحيا . وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون ، ولكن أناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال : بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن في الشفاعة ، فجيء بهم ضبائر ضبائر ، فبثوا على أنهار الجنة . ثم قيل : يأهل الجنة ، أفيضوا عليهم ، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل .

وظاهر هذا أنهم يموتون بمفارقة أرواحهم لأجسادهم ، [و] يحيون بإعادتها ، ويكون ذلك قبل ذبح الموت . ويشهد له ما خرجه البزار في مسنده من حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن أدنى أهل الجنة منزلة أو نصيبا قوم يخرجهم الله من النار ، فيرتاح لهم الرب عز وجل أنهم كانوا لا يشركون بالله شيئا ، فينبذون بالعراء فينبتون كما ينبت البقل ، حتى إذا دخلت الأرواح في أجسادهم قالوا : ربنا ! فالذي أخرجتنا من النار ، ورجعت الأرواح إلى أجسادنا - فاصرف وجوهنا عن النار ، فيصرف وجوههم عن النار . ثم خرج البخاري :

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث