باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال
حديث أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص ، فمنها ما يبلغ الثدي ، ومنها ما يبلغ دون ذلك . وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره . قالوا : فما أولت ذلك يا رسول الله ؟ قال : الدين .
وهذا الحديث نص في أن الدين يتفاضل ، وقد استدل عليه بقوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأشار البخاري إلى ذلك في موضع آخر . ويدل عليه أيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للنساء : ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن ! وفسر نقصان دينها بتركها الصوم والصلاة أيام حيضها ؛ فدل على دخول الصوم والصلاة في اسم الدين . وقد صرح بدخول الأعمال في الدين طوائف من العلماء والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم .
فمن قال : الإسلام والإيمان واحد - فالدين عنده مرادف لهما أيضا ، وهو اختيار البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما من أهل الحديث . ومن فرق بينهما ، فاختلفوا في ذلك ؛ فمنهم من قال : إن الدين أعم منهما ؛ فإنه يشمل الإيمان والإسلام والإحسان ، كما دل عليه حديث جبريل . وقد أشار البخاري إلى هذا فيما بعد ، لكنه ممن لا يفرق بين الإسلام والإيمان .
ومن قال : الإيمان التصديق ، والإسلام الأعمال - فأكثرهم جعل الدين هو الإسلام ، وأدخل فيه الأعمال . وإنما أخرج الأعمال من مسمى الدين بعض المرجئة . ومن قال : الإسلام الشهادتان ، والإيمان العمل كالزهري وأحمد في رواية وهي التي نصرها القاضي أبو يعلى - جعل الدين هو الإيمان بعينه .
وأجاب عن قوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ - أن بعض الدين الإسلام . وهذا بعيد . وأما من قال : إن كلا من الإسلام والإيمان إذا أطلق مجردا دخل الآخر فيه ، وإنما يفرق بينهما عند الجمع بينهما ، وهو الأظهر - فالدين هو مسمى كل واحد منهما عند إطلاقه ، وأما عند اقترانه بالآخر فالدين أخص باسم الإسلام ؛ لأن الإسلام هو الاستسلام والخضوع والانقياد وكذلك الدين ، يقال : دانه يدينه إذا قهره ، ودان له إذا استسلم له وخضع وانقاد ؛ ولهذا سمى الله الإسلام دينا ، فقال : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وقال : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وقال : وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا وإنما فسر القمص في المنام بالدين ؛ لأن الدين والإسلام والتقوى كل هذه توصف بأنها لباس ، قال تعالى : وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ وقال أبو الدرداء : الإيمان كالقميص يلبسه الإنسان تارة ، وينزعه أخرى .
وفي الحديث لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ينزع منه سربال الإيمان . وقال النابغة : الحمد لله الذي لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالا وقال أبو العتاهية : إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عريانا وإن كان كاسيا فهذه كلها كسوة الباطن وهو الروح ، وهو زينة لها كما في حديث عمار اللهم ، زينا بزينة الإيمان ! كما أن الرياش زينة للجسد وكسوة له ، قال تعالى : يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ومن هنا قال مجاهد والشعبي وقتادة والضحاك والنخعي والزهري وغيرهم في قوله تعالى : وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ إن المعنى : طهر نفسك من الذنوب . وقال سعيد بن جبير : وقلبك ونيتك فطهر .
وقريب منه قول من قال : وعملك فأصلح . روي عن مجاهد وأبي روق والضحاك . وعن الحسن والقرظي قالا : خلقك حسنه .
فكنى بالثياب عن الأعمال ، وهي الدين والتقوى والإيمان والإسلام ، وتطهيره إصلاحه وتخليصه من المفسدات له ، وبذلك تحصل طهارة النفس والقلب والنية . وبه يحصل حسن الخلق ؛ لأن الدين هو الطاعات التي تصير عادة وديدنا وخلقا ، قال تعالى : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾وفسره ابن عباس بالدين .