11 - باب شَهَادَةِ الْأَعْمَى وَأَمْرِهِ وَنِكَاحِهِ وَإِنْكَاحِهِ وَمُبَايَعَتِهِ وَقَبُولِهِ فِي التَّأْذِينِ وَغَيْرِهِ وَمَا يُعْرَفُ بِالْأَصْوَاتِ ، وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ قَاسِمٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَاقِلًا . وَقَالَ الْحَكَمُ : رُبَّ شَيْءٍ تَجُوزُ فِيهِ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : أَرَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَكُنْتَ تَرُدُّهُ ؟ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبْعَثُ رَجُلًا إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ أَفْطَرَ . وَيَسْأَلُ عَنْ الْفَجْرِ فَإِذَا قِيلَ لَهُ : طَلَعَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ : اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَعَرَفَتْ صَوْتِي قَالَتْ : سُلَيْمَانُ ؟ ادْخُلْ فَإِنَّكَ مَمْلُوكٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ شَيْءٌ . وَأَجَازَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ مُنْتَقِبَةٍ 2655 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً ، أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا . وَزَادَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ تَهَجَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي ، فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، أَصَوْتُ عَبَّادٍ هَذَا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ شَهَادَةِ الْأَعْمَى وَنِكَاحِهِ وَأَمْرِهِ وَإِنْكَاحِهِ وَمُبَايَعَتِهِ ، وَقَبُولِهِ فِي التَّأْذِينِ وَغَيْرِهِ وَمَا يُعْرَفُ بِالْأَصْوَاتِ ) مَالَ الْمُصَنِّفُ إِلَى إِجَازَةِ شَهَادَةِ الْأَعْمَى ، فَأَشَارَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ لِذَلِكَ بِمَا ذَكَرَ مِنْ جَوَازِ نِكَاحِهِ ، وَمُبَايَعَتِهِ وَقَبُولِ تَأْذِينِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، سَوَاءٌ عَلِمَ ذَلِكَ قَبْلَ الْعَمَى أَوْ بَعْدَهُ . وَفَصَّلَ الْجُمْهُورُ فَأَجَازُوا مَا تَحَمَّلَهُ قَبْلَ الْعَمَى لَا بَعْدَهُ ، وَكَذَا مَا يَتَنَزَّلُ فِيهِ مَنْزِلَةَ الْمُبْصِرِ ، كَأَنْ يَشْهَدَه شَخْصٌ بِشَيْءٍ وَيَتَعَلَّقَ هُوَ بِهِ إِلَى أَنْ يَشْهَدَ بِهِ عَلَيْهِ ، وَعَنِ الْحَكَمِ يَجُوزُ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ دُونَ الْكَثِيرِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ بِحَالٍ إِلَّا فِيمَا طَرِيقُهُ الِاسْتِفَاضَةُ ، وَلَيْسَ فِي جَمِيعِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ دَفْعٌ لِلْمَذْهَبِ الْمُفَصَّلِ ؛ إِذْ لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ . قَوْلُهُ : ( وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ الْقَاسِمُ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَطَاءٌ ) أَمَّا الْقَاسِمُ فَأَظُنُّهُ أَرَادَ ابْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ - هُوَ بِالْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ - يَسْأَلُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ شَهَادَةِ الْأَعْمَى فَقَالَ : جَائِزَةٌ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ عَنْهُمَا قَالَا : شَهَادَةُ الْأَعْمَى جَائِزَةٌ ، وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ شَهَادَةَ الْأَعْمَى . وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ فَوَصَلَهُ الْأَثْرَمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ قَالَ : تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَاقِلًا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِمَعْنَاهُ ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ : عَاقِلًا الِاحْتِرَازَ مِنَ الْجُنُونِ ; لِأَنَّ ذَاكَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ أَعْمَى أَوْ بَصِيرًا ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنْ يَكُونَ فَطِنًا مُدْرِكًا لِلْأُمُورِ الدَّقِيقَةِ بِالْقَرَائِنِ ، وَلَا شَكَّ فِي تَفَاوُتِ الْأَشْخَاصِ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَكَمُ : رُبَّ شَيْءٍ تَجُوزُ فِيهِ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِهَذَا ، وَكَأَنَّهُ تَوَسَّطَ بَيْنَ مَذْهَبَيِ الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : أَرَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَكُنْتَ تَرُدُّهُ ) ؟ وَصَلَهُ الْكَرَابِيسِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبْعَثُ رَجُلًا إِلَخْ ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَجَاءٍ عَنْهُ ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِهِ كَوْنُهُ كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى خَبَرِ غَيْرِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَرَى شَخْصَهُ وَإِنَّمَا سَمِعَ صَوْتَهُ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : لَعَلَّ الْبُخَارِيَّ يُشِيرُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الْأَعْمَى عَلَى التَّعْرِيفِ ، أَيْ إِذَا عَرَفَ أَنَّ هَذَا فُلَانٌ ، فَإِذَا عَرَفَ شَهِدَ قَالَ : وَشَهَادَةُ التَّعْرِيفِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ الشَّمْسِ ; لِأَنَّهَا تُوَارِيهَا الْجِبَالُ وَالسَّحَابُ ، وَيَكْتَفِي بِغَلَبَةِ الظُّلْمَةِ عَلَى الْأُفْقِ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ : اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَعَرَفَتْ صَوْتِي فَقَالَتْ : سُلَيْمَانُ ادْخُلْ إِلَخْ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْعِتْقِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَرَى تَرْكَ الِاحْتِجَابِ مِنَ الْعَبْدِ سَوَاءٌ كَانَ فِي مِلْكِهَا أَوْ فِي مِلْكِ غَيْرِهَا ; لِأَنَّهُ كَانَ مُكَاتَبَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ مُكَاتَبًا لِعَائِشَةَ فَمُعَارَضَةٌ الصحيح مِنَ الْأَخْبَارِ بِمَحْضِ الِاحْتِمَالِ وَهُوَ مَرْدُودٌ ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ يُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَى عَائِشَةَ بِمَعْنَى مِنْ عَائِشَةَ أَيِ اسْتَأْذَنَتْ عَائِشَةَ فِي الدُّخُولِ عَلَى مَيْمُونَةَ . قَوْلُهُ : ( وَأَجَازَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ متنقبة ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالتَّشْدِيدِ ، وَلِغَيْرِهِ بِسُكُونِ النُّونِ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى الْمُثَنَّاةِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا : حَدِيثُ عَائِشَةَ سَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَدِيثَ ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ اعْتِمَادُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى صَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَى شَخْصَهُ . قَوْلُهُ : ( وَزَادَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) أَيِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَصَلَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : تَهَجَّدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِي ، وَتَهَجَّدَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فِي الْمَسْجِدِ ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَوْتَهُ فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، هَذَا عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا . قَوْلُهُ : ( فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ ) وَقَوْلُهُ : ( أَصَوْتُ عَبَّادٍ ؟ ) هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى الْمَذْكُورِ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا سُقْتُهُ ، وَبِهَذَا يَزُولُ اللَّبْسُ عَمَّنْ يَظُنُّ اتِّحَادَ الْمَسْمُوعِ صَوْتُهُ وَالرَّاوِي عَنْ عَائِشَةَ ، وَهُمَا اثْنَانِ مُخْتَلِفَا النِّسْبَةِ وَالصِّفَةِ ، فَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ ، وَعَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ تَابِعِيٌّ مِنْ وَسَطِ التَّابِعِينَ ، وَظَاهِرُ الْحَالِ أَنَّ الْمُبْهَمَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ هُوَ الْمُفَسَّرُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ : زَادَ أَنْ يَكُونَ الْمَزِيدُ فِيهِ وَالْمَزِيدُ عَلَيْهِ حَدِيثًا وَاحِدًا فَتَتَّحِدَ الْقِصَّةُ ، لَكِنْ جَزَمَ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ فِي الْمُبْهَمَاتِ بِأَنَّ الْمُبْهَمَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ ، فَرَوَى مِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ صَوْتَ قَارِئٍ يَقْرَأُ فَقَالَ : صَوْتُ مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : لَقَدْ ذَكَّرَنِي آيَةً يَرْحَمُهُ اللَّهُ كُنْتُ أُنْسِيتُهَا ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُشَابَهَةُ قِصَّةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِقِصَّةِ عُرْوَةَ عَنْهَا ، بِخِلَافِ قِصَّةِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهَا ، فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِنِسْيَانِ الْآيَةِ ، وَيَحْتَمِلُ التَّعَدُّدَ مِنْ جِهَةٍ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي اتَّحَدَتْ ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ : سَمِعَ صَوْتَ رَجُلَيْنِ فَعَرَفَ أَحَدَهُمَا فَقَالَ : هَذَا صَوْتُ عَبَّادٍ ، وَلَمْ يَعْرِفِ الْآخَرَ فَسَأَلَ عَنْهُ ، وَالَّذِي لَمْ يَعْرِفْهُ هُوَ الَّذِي تَذَكَّرَ بِقِرَاءَتِهِ الْآيَةَ الَّتِي نَسِيَهَا ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى شَرْحِهِ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب شَهَادَةِ الْأَعْمَى وَأَمْرِهِ وَنِكَاحِهِ وَإِنْكَاحِهِ وَمُبَايَعَتِهِ وَقَبُولِهِ فِي التَّأْذِينِ وَغَيْرِهِ وَمَا يُعْرَفُ بِالْأَصْوَات · ص 312 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب شهادة الأعمى وأمره ونكاحه وإنكاحه ومبايعته وقبوله في التأذين وغيره وما يعرف بالأصوات · ص 218 - باب شهادة الأعمى وأمره ونكاحه وإنكاحه ومبايعته وقبوله في التأذين وغيره وما يعرف بالأصوات أي : هذا باب في بيان حكم شهادة الأعمى . قوله : " وأمره " أي : وفي بيان أمره أي : حاله في تصرفاته . قوله : " ونكاحه " أي : وتزوجه بامرأة . قوله : " وإنكاحه " أي : وتزويجه غيره . قوله : " ومبايعته " يعني بيعه وشراءه . قوله : " وقبوله " أي : قبول الأعمى في تأذينه وغيره نحو إقامته للصلاة وإمامته أيضا أي : إذا توقى النجاسة . قوله : " وما يعرف بالأصوات " أي : وفي بيان ما يعرف بالأصوات ، قال ابن القصار : الصوت في الشرع قد أقيم مقام الشهادة ، ألا ترى أنه إذا سمع الأعمى صوت امرأته فإنه يجوز له أن يطأها ، والإقدام على استباحة الفرج أعظم من الشهادة في الحقوق والإقرارات مفتقرة إلى السماع ولا تفتقر إلى المعاينة بخلاف الأفعال التي تفتقر إلى المعاينة ، وكأن البخاري أشار بهذه الترجمة إلى أنه يجيز شهادة الأعمى ، وفيه خلاف نذكره عن قريب . وأجاز شهادته قاسم والحسن وابن سيرين والزهري وعطاء . أي : أجاز شهادة الأعمى قاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق والحسن البصري ومحمد بن سيرين ومحمد بن مسلم الزهري وعطاء بن أبي رباح ، وتعليق القاسم وصله سعيد بن منصور عن هشيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال : سمعت الحكم بن عتيبة يسأل القاسم بن محمد عن شهادة الأعمى فقال : جائزة ، وتعليق الحسن وابن سيرين وصله ابن أبي شيبة من طريق أشعث عن الحسن وابن سيرين قالا : شهادة الأعمى جائزة ، وتعليق الزهري وصله ابن أبي شيبة حدثنا ابن مهدي عن سفيان عن ابن أبي ذئب عن الزهري أنه كان يجيز شهادة الأعمى ، وتعليق عطاء وصله الأثرم من طريق ابن جريج عنه ، قال : تجوز شهادة الأعمى ، وقال ابن حزم صح عن عطاء أنه أجاز شهادة الأعمى . وقال الشعبي : تجوز شهادته إذا كان عاقلا . أي : قال عامر الشعبي ووصله ابن أبي شيبة عن وكيع عن الحسن بن صالح ، وإسرائيل عن عيسى بن أبي عزة عن الشعبي أنه أجاز شهادة الأعمى ومعنى قوله : " إذا كان عاقلا " إذا كان كيسا فطنا للقرائن دراكا للأمور الدقيقة ، وليس هو بقيد احترازا عن الجنون لأن العقل لا بد منه في جميع الشهادات . وقال الحكم : رب شيء تجوز فيه . أي : قال الحكم بن عتيبة ، ووصله ابن أبي شيبة عن ابن مهدي عن شعبة قال : سألت الحكم عن شهادة الأعمى فقال : رب شيء تجوز فيه . قوله : " تجوز " على صيغة المجهول أي : خفف فيه وغرضه أنه قد يسامح للأعمى شهادته في بعض الأشياء التي تليق بالمسامحة والتخفيف . وقال الزهري أرأيت ابن عباس لو شهد على شهادة أكنت ترده ؟ أي : قال محمد بن مسلم الزهري إلى آخره ، وتعليقه وصله الكرابيسي في ( أدب القضاء ) من طريق ابن أبي ذئب عنه ، وهذا يؤيد ما قاله الشعبي في الأعمى إذا كان عاقلا ، وقلنا : إن معناه كان فطنا كيسا ، وهذا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان أفطن الناس وأذكاهم وأدركهم بدقائق الأمور في حال بصره ، وفي حال عماه ، فلذلك استبعد رد شهادته بعد عماه . وكان ابن عباس يبعث رجلا إذا غابت الشمس أفطر ويسأل عن الفجر فإذا قيل له طلع صلى ركعتين . أي : كان عبد الله بن عباس يبعث رجلا يمفحص عن غيبوبة الشمس للإفطار ، فإذا أخبره بالغيبوبة أفطر ، ووجه تعلقته بالترجمة كون ابن عباس قبل قول الغير في غروب الشمس أو طلوعها وهو أعمى ولا يرى شخص المخبر وإنما يسمع صوته ، قيل : لعل البخاري يشير بأثر ابن عباس إلى جواز شهادة الأعمى على التعريف ، يعني إذا عرف أنه فلان ، فإذا عرف شهد ، وشهادة التعريف مختلف فيها عند مالك ، وكذلك البصير إذا لم يعرف نسب الشخص فعرفه نسبه من يثق به ، فهل يشهد على فلان ابن فلان بنسبه أو لا ؟ مختلف فيه أيضا . وقال سليمان بن يسار : استأذنت على عائشة فعرفت صوتي ، قالت : سليمان ، ادخل فإنك مملوك ما بقي عليك شيء . سليمان بن يسار ضد اليمين أبو أيوب أخو عطاء وعبد الله وعبد الملك مولى ميمونة بنت الحارث الهلالي . قوله : " قالت : سليمان " يعني يا سليمان وهو منادى حذف منه حرف النداء . قوله : " ما بقي عليك شيء " أي : من مال الكتابة ولا بد في هذا من تأويل ، لأن سليمان مكاتب لميمونة لا لعائشة ، ووجهه أن يقال : إن ( على ) في قول عائشة تكون بمعنى من أي : استأذنت من عائشة في الدخول على ميمونة ، فقالت : ادخل عليها أو لعل مذهبها أن النظر حلال إلى العبد سواء كان ملكها أو لا ، وأنها لا ترى الاحتجاب من العبد مطلقا " واستبعده بعضهم بغير دليل فلا يلتفت إليه ، وقيل : يحتمل أنه كان مكاتبا لعائشة وهو غير صحيح لأن الأخبار الصحيحة بأنه مولى ميمونة ترده . وأجاز سمرة بن جندب شهادة امرأة متنقبة . متنقبة بتشديد القاف في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره منتقبة بسكون النون وتقديمها على التاء المثناة من فوق من الانتقاب ، والأول من التنقب وهي التي كان على وجهها نقاب ، وفي ( التلويح ) هذا التعليق يخدش فيه ما رواه أبو عبد الله بن منده في ( كتاب الصحابة ) أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كلمته امرأة وهي متنقبة فقال : أسفري ، فإن الإسفار من الإيمان . 21 - حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون قال : أخبرنا عيسى بن يونس ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في المسجد فقال رحمه الله : لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا . مطابقته للترجمة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم اعتمد على صوت ذلك الرجل الذي قرأ في المسجد من غير أن يرى شخصه ، ومحمد بن عبيد مصغر عبد بن ميمون مر في الصلاة وهو من أفراده ، وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أبو عمرو ، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في فضائل القرآن عن محمد بن عبيد المذكور أيضا . قوله : " أسقطتهن " أي : نسيتهن .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب شهادة الأعمى وأمره ونكاحه وإنكاحه ومبايعته وقبوله في التأذين وغيره وما يعرف بالأصوات · ص 220 وزاد عباد بن عبد الله عن عائشة : تهجد النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي فسمع صوت عباد يصلي في المسجد ، فقال : يا عائشة ، لصوت عباد هذا ؟ قلت : نعم ، قال : اللهم ارحم عبادا . عباد بفتح العين وتشديد الباء الموحدة ابن عبد الله بن الزبير بن العوام التابعي ، مر في الزكاة ، وهذه الزيادة التي هي التعليق وصلها أبو يعلى من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها : تهجد النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي ، وتهجد عباد بن بشر في المسجد ، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته فقال : يا عائشة ، هذا عباد بن بشر ؟ فقلت : نعم ، قال : اللهم ارحم عبادا . قوله : تهجد النبي صلى الله عليه وسلم من الهجود وهو من الأضداد ، يقال : تهجد بالليل إذا صلى ، وتهجد إذا نام ، وقال ابن الأثير : يقال : تهجدت إذا سهرت وإذا نمت فهو من الأضداد . قوله : فسمع صوت عباد وهو عباد بن بشر الأنصاري الأشهلي ، شهد بدرا وأضاءت له عصاه لما خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال الزهري : استشهد يوم اليمامة وهو ابن خمس وأربعين سنة ، ولا يظن أن عبادا الذي في قوله : فسمع صوت عباد هو عباد بن عبد الله ابن الزبير ، وقد ميز بينهما في رواية أبي يعلى ، فعباد بن بشر صحابي جليل ، وعباد بن عبد الله تابعي من وسط التابعين ، قال الكرماني : وفي بعض النسخ : فسمع صوت عباد بن تميم وهو سهو . قوله : لصوت عباد هذا فقوله : هذا مبتدأ و لصوت عباد مقدما خبره واللام فيه للتأكيد . وفيه جواز رفع الصوت في المسجد بالقراءة في الليل . وفيه الدعاء لمن أصاب الإنسان من جهته خيرا وإن لم يقصده ذلك الإنسان . وفيه جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم فيما قد بلغه إلى الأمة .