2691 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَكِبَ حِمَارًا ، فَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ - وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ - فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِلَيْكَ عَنِّي ، وَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْهُمْ : وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ ، فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ ، فَشَتَمَا ، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ ، فَبَلَغَنَا أَنَّهَا أُنْزِلَتْ : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ . وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مَا نَصُّهُ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ الْمُصَنِّفُ - هَذَا مَا انْتَخَبْتُهُ مِنْ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ وَيُحَدِّثَ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ أَنَسًا قَالَ ) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِتَحْدِيثِ أَنَسٍ ، لِسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، وَأَعَلَّهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَنَسٍ ، وَاعْتَمَدَ عَلَى رِوَايَةِ الْمُقَدَّمِيِّ ، عَنْ مُعْتَمِرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ . قَوْلُهُ : ( قِيلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْقَائِلِ . قَوْلُهُ : ( لَوْ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ) أَيِ ابْنَ سَلُولَ الْخَزْرَجِيَّ الْمَشْهُورَ بِالنِّفَاقِ . قَوْلُهُ : ( وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ أَيْ ذَاتُ سِبَاخٍ ، وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ ، وَكَانَتْ تِلْكَ صِفَةَ الْأَرْضِ الَّتِي مَرَّ بِهَا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ ذَاكَ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ لِلتَّوْطِئَةِ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ إِذْ تَأَذَّى بِالْغُبَارِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْهُمْ إِلَخْ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ أَيْضًا ; وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَرَأَيْتُ بِخَطِّ الْقُطْبِ أَنَّ السَّابِقَ إِلَى ذَلِكَ الدِّمْيَاطِيُّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهُ فِي ذَلِكَ ، فَتَتَبَّعْتُ ذَلِكَ فَوَجَدْتُ حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الْآتِيَ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ بِنَحْوِ قِصَّةِ أَنَسٍ ، وَفِيهِ أَنَّهُ وَقَعَتْ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مُرَاجَعَةٌ ، لَكِنَّهَا فِي غَيْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالَّذِي ذُكِرَ هُنَا ، فَإِنْ كَانَتِ الْقِصَّةُ مُتَّحِدَةً احْتَمَلَ ذَلِكَ ، لَكِنَّ سِيَاقَهَا ظَاهِرٌ فِي الْمُغَايَرَةِ ، لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ عِيَادَةَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَمَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ . وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعِيَ إِلَى إِتْيَانِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، وَيُحْتَمَلُ اتِّحَادُهُمَا بِأَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى تَوَجُّهِهِ الْعِيَادَةُ فَاتَّفَقَ مُرُورُهُ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، فَقِيلَ لَهُ حِينَئِذٍ لَوْ أَتَيْتَهُ فَأَتَاهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى اتِّحَادِهِمَا أَنَّ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ : فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ . قَوْلُهُ : ( فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ ) أَيِ ابْنِ أُبَيٍّ ( رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . قَوْلُهُ : ( فَشَتَمَا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ أَيْ شَتَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَشَتَمَهُ . قَوْلُهُ : ( ضَرَبَ بِالْجَرِيدِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْحَدِيدِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالدَّالِ ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْفِضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا . قَوْلُهُ : ( فَبَلَغَنَا ) الْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، بَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ طَرِيقِ الْمُقَدَّمِيِّ فَقَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ أَنَسٌ : فَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الَّذِي أَنْبَأَ أَنَسًا بِذَلِكَ ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بَلْ فِي آخِرِهِ : وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ . وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ بَطَّالٍ نُزُولَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، لِأَنَّ الْمُخَاصَمَةَ وَقَعَتْ بَيْنَ مَنْ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَصْحَابِهِ وَبَيْنَ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، وَكَانُوا إِذْ ذَاكَ كُفَّارًا فَكَيْفَ يَنْزِلُ فِيهِمْ : طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ قِصَّةُ أَنَسٍ ، وَأُسَامَةَ مُتَّحِدَةً ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ . قُلْتُ : يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّغْلِيبِ ، مَعَ أَنَّ فِيهَا إِشْكَالًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنَّ حَدِيثَ أُسَامَةَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ وَقَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَأَصْحَابُهُ ، وَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحُجُرَاتِ وَنُزُولُهَا مُتَأَخِّرٌ جِدًّا وَقْتَ مَجِيءِ الْوُفُودِ ، لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ آيَةُ الْإِصْلَاحِ نَزَلَتْ قَدِيمًا فَيَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ . ( تَنْبِيهٌ ) : الْقِصَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مُغَايِرَةٌ لِلْقِصَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الَّذِي قَبْلَهُ ، لِأَنَّ قِصَّةَ سَهْلٍ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَهُمْ مِنَ الْأَوْسِ ، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بِقُبَاءٍ ، وَقِصَّةُ أَنَسٍ فِي رَهْطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَهُمْ مِنَ الْخَزْرَجِ ، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بِالْعَالِيَةِ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى سَبَبِ الْمُخَاصَمَةِ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ مِنَ الصَّفْحِ وَالْحِلْمِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى فِي اللَّهِ وَالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ وَتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ عَلَى ذَلِكَ . وَفِيهِ أَنَّ رُكُوبَ الْحِمَارِ لَا نَقْصَ فِيهِ عَلَى الْكِبَارِ . وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَدَبِ مَعَهُ وَالْمَحَبَّةِ الشَّدِيدَةِ ، وَأَنَّ الَّذِي يُشِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ بِشَيْءٍ يُورِدُهُ بِصُورَةِ الْعَرْضِ عَلَيْهِ لَا الْجَزْمِ . وَفِيهِ جَوَازُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَدْحِ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ أَطْلَقَ أَنَّ رِيحَ الْحِمَارِ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا جَاءَ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُو · ص 351 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما جاء في الإصلاح بين الناس · ص 266 2 - حدثنا مسدد قال : حدثنا معتمر قال : سمعت أبي أن أنسا رضي الله عنه قال : قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : لو أتيت عبد الله بن أبي ، فانطلق إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وركب حمارا فانطلق المسلمون يمشون معه ، وهي أرض سبخة ، فلما أتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إليك عني والله لقد آذاني نتن حمارك ، فقال رجل من الأنصار منهم : والله لحمار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطيب ريحا منك ، فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه ، فغضب لكل واحد منهما أصحابه ، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال ، فبلغنا أنها أنزلت : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا مطابقته للترجمة من حيث إنه صلى الله تعالى عليه وسلم خرج إلى موضع فيه عبد الله بن أبي بن سلول ليدعوه إلى الإسلام ، وكان ذلك في أول قدومه المدينة إذ التبليغ فرض عليه ، وكان يرجو أن يسلم من وراءه بإسلامه لرياسته في قومه ، وقد كان أهل المدينة عزموا أن يتوجوه بتاج الإمارة لذلك ، وكان خروجه صلى الله عليه وسلم في نفس الأمر من أعظم الإصلاح فيهم ، قيل : إنما خرج إليهم ولم ينفذ إليهم لكثرتهم ، وليكون خروجه أعظم في نفوسهم ، وقيل لقرب عهدهم بالإسلام ، وقال الداودي : كان هذا قبل إسلام عبد الله بن أبي ( قلت ) : لكن يشكل عليه قوله : أنزلت وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا على ما نذكره عن قريب . ورجاله أربعة : الأول : مسدد وقد تكرر ذكره ، الثاني : معتمر على وزن اسم فاعل من الاعتمار ، الثالث : أبوه سليمان بن طرخان ، الرابع : أنس بن مالك وهؤلاء كلهم بصريون ، والحديث أخرجه مسلم في المغازي عن محمد بن عبد الأعلى عن معتمر عن أبيه به . ( ذكر معناه ) قوله : ( لو أتيت ) كلمة لو هنا للتمني فلا يحتاج إلى جواب ، ويجوز أن تكون على أصلها والجواب محذوف تقديره لكان خيرا ونحو ذلك ، قوله : ( وركب حمارا ) جملة حالية ، وكذلك قوله ( يمشون ) جملة حالية ، قوله : ( سبخة ) بفتح الباء الموحدة واحدة السباخ ، وأرض سبخة بكسر الباء ذات سباخ وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر ، قوله : ( إليك عني ) يعني تنح عني ، قوله : ( فقال رجل من الأنصار ) قال ابن التين : قيل إنه عبد الله بن رواحة ، قوله : ( لحمار ) اللام فيه للتأكيد وارتفاعه على الابتداء وخبره قوله أطيب ريحا منك ، قوله : ( فغضب لعبد الله ) أي لأجل عبد الله وهو ابن أبي بن سلول ، قوله : ( فشتمه ) كذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره فشتما بالتثنية بلا ضمير أي فشتم كل واحد منهما الآخر ، قوله : ( بالجريد ) بالجيم والراء كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : بالحديد بالحاء المهملة والدال ، قوله : ( فبلغنا ) القائل هو أنس بن مالك ، قوله : ( أنها ) أي إن الآية أنزلت وأوضحها بقوله : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا وقال ابن بطال : ويستحيل أن تكون الآية الكريمة نزلت في قصة ابن أبي وقتال أصحابه مع الصحابة ؛ لأن أصحاب عبد الله ليسوا مؤمنين وقد تعصبوا له بعد الإسلام في قصة الإفك ، وقد جاء هذا المعنى مبينا في هذا الحديث في كتاب الاستئذان من رواية أسامة بن زيد قال : مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين وعبدة الأوثان واليهود فيهم عبد الله بن أبي ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما عرض عليهم الإيمان قال ابن أبي : اجلس في بيتك فمن جاءك يريد الإسلام الحديث ، فدل أن الآية لم تنزل في قصة ابن أبي ، وإنما نزلت في قوم من الأوس والخزرج اختلفوا في حد فاقتتلوا بالعصي والنعال ، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة ، ويشبه أن تكون نزلت في بني عمرو بن عوف الذين خرج إليهم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ليصلح بينهم ، الحديث المذكور في الصلاة ، وفي تفسير مقاتل : مر صلى الله عليه وسلم على الأنصار وهو راكب حماره يعفور فبال ، فأمسك ابن أبي بأنفه وقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : خل للناس سبيل الريح من نتن هذا الحمار ، فشق على النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله فانصرف ، فقال ابن رواحة : ألا أراك أمسكت على أنفك من بول حماره ، والله لهو أطيب من ريح عرضك ، فكان بينهم ضرب بالأيدي والسعف ، فرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - فأصلح بينهم ، فأنزل الله تعالى : وَإِنْ طَائِفَتَانِ الآية ، وفي ( تفسير ابن عباس ) : وأعان ابن أبي رجال من قومه وهم مؤمنون فاقتتلوا ، ومن زعم أن قتالهم كان بالسيوف فقد كذب . ( قلت ) : التحرير في هذا أن حديث أنس هذا مغاير لحديث سهل بن سعد الذي قبله ؛ لأن قصة سهل في بني عمرو بن عوف وهم من الأوس وكانت منازلهم بقباء ، وقصة أنس في رهط عبد الله بن أبي وهم من الخزرج وكانت منازلهم بالعالية ، فلهذا استشكل ابن بطال ثم قال : يشبه أن تكون الآية نزلت في بني عمرو بن عوف ، فإذا كان نزول الآية فيهم لا إشكال فيه ، وإذا قلنا نزولها في قضية عبد الله بن أبي يبقى الإشكال ، ولكن يحتمل أن يزول الإشكال من وجه آخر وهو أن في حديث أنس ذكر أنه صلى الله عليه وسلم كان يمضي بنفسه ليبلغ ما أنزل إليه لقرب عهدهم بالإسلام ، فبهذا يزول الإشكال إن صح ذلك ، مع أن الداودي نص على أنه كان قبل إسلام عبد الله كما ذكرناه ، فإن صح ما ذكره الداودي فالإشكال باق ، ويحتمل إزالة الإشكال أيضا من وجه آخر وهو أن قول أنس في الحديث المذكور بلغنا أنها أنزلت لا يستلزم النزول في ذلك الوقت . والدليل على ذلك أن الآية في الحجرات ونزولها متأخر جدا على أن المفسرين اختلفوا في سبب نزول هذه الآية ، فقال قتادة : نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مداراة في حق بينهما فقال أحدهما للآخر : لآخذن حقي منك عنوة - لكثرة عشيرته - ، وأن الآخر دعاه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأبى أن يتبعه ، فلم يزل الأمر بينهما حتى تدافعا وحتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال ، ولم يكن قتال بالسيوف ، وقال الكلبي : إنها نزلت في حرب سمير وحاطب ، وكان سمير قتل حاطبا فجعل الأوس والخزرج يقتتلون إلى أن أتاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله هذه الآية وأمر نبيه والمؤمنين أن يصلحوا بينهم ، وقال السدي : كانت امرأة من الأنصار يقال لها : أم زيد ، تحت رجل ، وكان بينها وبين زوجها شيء ، قال : فرقى بها إلى علية وحبسها فيها ، فبلغ ذلك قومها فجاءوا وجاء قومه فاقتتلوا بالأيدي والنعال ، فأنزل الله تعالى : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه بيان ما كان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عليه من الصفح والحلم والصبر على الأذى والدعاء إلى الله تعالى وتأليف القلوب على ذلك ، وفيه أن ركوب الحمار لا نقص فيه على الكبار ، وكان ركوبه صلى الله عليه وسلم على سبيل التشريع ، ركب مرة فرسا لأبي طلحة في فزع كان بالمدينة ، وركب يوم حنين بغلته ليثبت المسلمون إذا رأوه عليها ، ووقف بعرفة على راحلته وسار منها إلى مزدلفة وهو عليها ، ومن مزدلفة إلى منى وإلى مكة ، وفيه ما كان عليه الصحابة من تعظيم رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - والأدب معه والمحبة الشديدة ، وفيه جواز المبالغة في المدح لأن الصحابي أطلق على أن ريح الحمار أطيب من ريح عبد الله بن أبي ، ولم ينكر عليه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في ذلك ، وفيه إباحة مشي التلامذة والشيخ راكب .