23 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ . قَالُوا : فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الدِّينَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ) هُوَ أَبُو ثَابِتٍ الْمَدَنِيُّ وَأَبُوهُ بِالتَّصْغِيرِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ صَالِحٍ ) هُوَ ابْنِ كَيْسَانَ ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ) هُوَ ابْنُ حُنَيْفٍ كَمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، وَأَبُو أُمَامَةَ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ ، وَلَمْ يَصِحَّ لَهُ سَمَاعٌ ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ لِشَرَفِ الرُّؤْيَةِ ، وَمِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ يَكُونُ فِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ أَوْ تَابِعِيَّانِ وَصَحَابِيَّانِ ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ كَالَّذِي قَبْلَهُ ، وَالْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ يَأْتِي فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ ، وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ مِنْ جِهَةِ تَأْوِيلِ الْقُمُصِ بِالدِّينِ ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُمْ مُتَفَاضِلُونَ فِي لُبْسِهَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ مُتَفَاضِلُونَ فِي الْإِيمَانِ . قَوْلُهُ : ( بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ ) أَصْلُ بَيْنَا بَيْنَ ثُمَّ أُشْبِعَتِ الْفَتْحَةُ . وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ بَيْنَا بِدُونِ إِذَا وَبِدُونِ إِذْ ، وَهُوَ فَصِيحٌ عِنْدَ الْأَصْمَعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ عَلَى خِلَافِهِ ، فَإِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةً . وَقَوْلُهُ الثُّدِيَّ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ جَمْعُ ثَدْيٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ وَالتَّخْفِيفِ ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ عِنْدَ مُعْظَمِ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَحُكِيَ أَنَّهُ مُؤَنَّثٌ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُطْلَقُ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِالْمَرْأَةِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّهُ ، وَلَعَلَّ قَائِلَ هَذَا يَدَّعِي أَنَّهُ أُطْلِقَ فِي الْحَدِيثِ مَجَازًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْأَعْمَالِ · ص 93 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال · ص 90 ثم خرج البخاري 23 - حديث أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص ، فمنها ما يبلغ الثدي ، ومنها ما يبلغ دون ذلك . وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره . قالوا : فما أولت ذلك يا رسول الله ؟ قال : الدين . وهذا الحديث نص في أن الدين يتفاضل ، وقد استدل عليه بقوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأشار البخاري إلى ذلك في موضع آخر . ويدل عليه أيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للنساء : ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن ! وفسر نقصان دينها بتركها الصوم والصلاة أيام حيضها ؛ فدل على دخول الصوم والصلاة في اسم الدين . وقد صرح بدخول الأعمال في الدين طوائف من العلماء والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم . فمن قال : الإسلام والإيمان واحد - فالدين عنده مرادف لهما أيضا ، وهو اختيار البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما من أهل الحديث . ومن فرق بينهما ، فاختلفوا في ذلك ؛ فمنهم من قال : إن الدين أعم منهما ؛ فإنه يشمل الإيمان والإسلام والإحسان ، كما دل عليه حديث جبريل . وقد أشار البخاري إلى هذا فيما بعد ، لكنه ممن لا يفرق بين الإسلام والإيمان . ومن قال : الإيمان التصديق ، والإسلام الأعمال - فأكثرهم جعل الدين هو الإسلام ، وأدخل فيه الأعمال . وإنما أخرج الأعمال من مسمى الدين بعض المرجئة . ومن قال : الإسلام الشهادتان ، والإيمان العمل كالزهري وأحمد في رواية وهي التي نصرها القاضي أبو يعلى - جعل الدين هو الإيمان بعينه . وأجاب عن قوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ - أن بعض الدين الإسلام . وهذا بعيد . وأما من قال : إن كلا من الإسلام والإيمان إذا أطلق مجردا دخل الآخر فيه ، وإنما يفرق بينهما عند الجمع بينهما ، وهو الأظهر - فالدين هو مسمى كل واحد منهما عند إطلاقه ، وأما عند اقترانه بالآخر فالدين أخص باسم الإسلام ؛ لأن الإسلام هو الاستسلام والخضوع والانقياد وكذلك الدين ، يقال : دانه يدينه إذا قهره ، ودان له إذا استسلم له وخضع وانقاد ؛ ولهذا سمى الله الإسلام دينا ، فقال : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وقال : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وقال : وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا وإنما فسر القمص في المنام بالدين ؛ لأن الدين والإسلام والتقوى كل هذه توصف بأنها لباس ، قال تعالى : وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ وقال أبو الدرداء : الإيمان كالقميص يلبسه الإنسان تارة ، وينزعه أخرى . وفي الحديث لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ينزع منه سربال الإيمان . وقال النابغة : الحمد لله الذي لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالا وقال أبو العتاهية : إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عريانا وإن كان كاسيا فهذه كلها كسوة الباطن وهو الروح ، وهو زينة لها كما في حديث عمار اللهم ، زينا بزينة الإيمان ! كما أن الرياش زينة للجسد وكسوة له ، قال تعالى : يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ومن هنا قال مجاهد والشعبي وقتادة والضحاك والنخعي والزهري وغيرهم في قوله تعالى : وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ إن المعنى : طهر نفسك من الذنوب . وقال سعيد بن جبير : وقلبك ونيتك فطهر . وقريب منه قول من قال : وعملك فأصلح . روي عن مجاهد وأبي روق والضحاك . وعن الحسن والقرظي قالا : خلقك حسنه . فكنى بالثياب عن الأعمال ، وهي الدين والتقوى والإيمان والإسلام ، وتطهيره إصلاحه وتخليصه من المفسدات له ، وبذلك تحصل طهارة النفس والقلب والنية . وبه يحصل حسن الخلق ؛ لأن الدين هو الطاعات التي تصير عادة وديدنا وخلقا ، قال تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ وفسره ابن عباس بالدين .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال · ص 172 2 - حدثنا محمد بن عبيد الله ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، عن أبي أمامة بن سهل ، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي ، وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ، ومنها ما دون ذلك ، وعرض علي عمر بن الخطاب ، وعليه قميص يجره ، قالوا : فما أولت ذلك يا رسول الله ، قال : الدين . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة من جهة تأويل القميص بالدين ، وذكر فيه أنهم متفاضلون في لبسها ، فدل على أنهم متفاضلون في الإيمان . وقال النووي : دل الحديث على أن الأعمال من الإيمان ، وأن الإيمان والدين بمعنى واحد ، وأن أهل الإيمان يتفاضلون . قلت : تفاضلهم في الإيمان ليس في نفس الإيمان ، وحقيقته ، وإنما هو في الأعمال التي يزداد بها نور الإيمان كما عرف فيما مضى ، وقوله : الإيمان والدين بمعنى واحد ليس كذلك ، وقد أوضحنا الفرق فيما مضى . ( بيان رجاله ) ، وهم ستة : الأول : محمد بن عبيد الله بالتصغير ابن محمد بن زيد بن أبي زيد القرشي الأموي مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه أبو ثابت المدني سمع جمعا من الكبار ، وعنه البخاري ، والنسائي ، عن رجل عنه ، وغيرهما من الأعلام . قال أبو حاتم : صدوق . الثاني : إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب سمع أباه ، والزهري ، وهشام بن عروة ، وغيرهم ، روى عنه شعبة وعبد الرحمن بن مهدي ، وابناه يعقوب ومحمد ، وخلق كثير . قال أحمد ، ويحيى ، وأبو حاتم ، وأبو زرعة : ثقة . وقال أبو زرعة كثير الحديث . وربما أخطأ في أحاديث ، وقدم بغداد فأقام بها ، وولَّى بيت المال بها لهارون الرشيد ، وأبوه سعد ولي قضاء المدينة ، وكان من جملة التابعين ، وكان مولد إبراهيم سنة عشر ومائة ، وتوفي ببغداد سنة ثلاث وثمانين ومائة ، روى له الجماعة . الثالث : صالح ، هو ابن كيسان أبو محمد الغفاري المدني التابعي لقي جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، ثم تلمذ بعد ذلك للزهري ، وتلقن منه العلم ، وابتدأ بالتعلم ، وهو ابن تسعين سنة ، ومات وهو ابن مائة وستين سنة . الرابع : ابن شهاب ، وهو محمد بن مسلم الزهري ، وقد تقدم . الخامس : أبو أمامة ، بضم الهمزة ، واسمه أسعد بن سهل بن حنيف ، بضم المهملة ابن واهب بن العليم بن ثعلبة بن الحارث بن مجدعة بن عمرو بن خنيس بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس أخي الخزرج ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقيا الخارج من اليمن أيام سيل العرم بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن ، وهو جماع غسان بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان ، أخي حمير ، أمه حبيبة بنت أبي أمامة أسعد بن زرارة ، وكان أبو أمامة أوصى ببناته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوج رسول الله عليه السلام حبيبة سهل بن حنيف ، فولدت له أسعد هذا ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكناه باسم جده لأمه ، وكنيته ، وبرك عليه ، ومات سنة مائة ، وهو ابن نيف وتسعين سنة ، روى له الجماعة عن الصحابة ، وروى له النسائي ، وابن ماجه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وثبت في رواية الأصيلي ، عن أبي أمامة بن سهل ، هو ابن حنيف ، والحاصل أنه مختلف في صحبته ، ولم يصح له سماع ، وإنما ذكر في الصحابة لشرف الرواية . السادس : أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ، واسمه سعد بن مالك ، وقد مر بيانه . ( بيان لطائف إسناده ) منها أنه كالذي قبله في أن رجاله مدنيون ، وهذا في غاية الاستطراف إذ اقتران إسنادين مدنيين قليل جدا . ومنها أن فيه التحديث ، والعنعنة ، والتصريح بالسماع . ومنها أن فيه رواية ثلاثة من التابعيين أو تابعيين ، وصحابيين ، فافهم . ( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هنا عن محمد بن عبيد الله كما ترى ، وأخرجه أيضا في التفسير عن علي ، عن يعقوب ، عن صالح ، وفي فضل عمر رضي الله عنه ، عن يحيى بن بكير ، جميعا عن الليث ، عن عقيل . وفي التعبير : عن سعيد بن عفير ، عن الليث ، عن عقيل : عن الزهري ، عن أبي أمامة عنه ، ورواه مسلم في الفضائل ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن صالح ، وعن الزهري ، والحلواني ، وعبد بن حميد ، عن يعقوب ، عن أبيه ، عن صالح ، عن الزهري به ، وأخرجه الترمذي ، والنسائي أيضا . وأخرجه الترمذي أيضا عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن بعض أصحاب النبي عليه السلام ، ولم يسمعه . ( بيان اللغات ) : قوله : يعرضون علي ، أي : يظهرون لي ، يقال : عرض الشيء إذا أبداه ، وأظهره ، وفي ( العباب ) عرض له أمر كذا يعرض بالكسر ، أي : ظهر ، وعرضت عليه أمر كذا ، وعرضت له الشيء ، أي : أظهرته له ، وأبرزته إليه ، يقال : عرضت له ثوبا ، فكان حقه ، وذكر في هذه المادة معاني كثيرة جدا ، ثم قال في آخره : والعين ، والراء ، والضاد تكثر فروعها ، وهي مع كثرتها ترجع إلى أصل واحد ، وهو العرض الذي يخالف الطول ، ومن حقق النظر ودققه علم صحة ذلك . قوله : قمص ، بضم القاف والميم جمع قميص ، نحو : رغيف ورغف ، ويجمع أيضا على قمصان ، وأقمصة كرغفان ، وأرغفة . قوله : الثدي ، بضم الثاء المثلثة ، وكسر الدال ، وتشديد الياء جمع الثدي ، وهو على وزن فعل كفلس ، يجمع على فعول كفلوس ، وأصل الثدي الذي هو الجمع ثدوي على وزن فعول ، اجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فأبدلت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، فصارت ثدي ، بضم الدال ، ثم أبدلت كسرة من ضمة الدال لأجل الياء فصار ثديا ، وجاء أيضا ثدي بكسر الثاء أيضا إتباعا لما بعدها من الكسرة ، وجاء جمعه أيضا على أثد ، وأصله أثدي على وزن أفعل كيد تجمع على أيد ، استثقلت الضمة على الياء ، فحذفت فالتقى ساكنان ، فحذفت الياء فصار أثد . وقال الجوهري : الثدي يذكر ويؤنث ، وهي للمرأة والرجل جميعا . وقيل : يختص بالمرأة ، والحديث يرد عليه ، والمشهور ما نص عليه الجوهري ، وفي ( كتاب خلق الإنسان ) ، وفي الصدر ثديان ، وثلاثة أثد ، فإذا كثرت فهي الثدي ، يقال : امرأة ثدياء إذا كانت عظيمة الثديين ، ولا يقال : رجل أثدأ . قوله : أولت من التأويل ، وهو تفسير ما يؤول إليه الشيء ، والمراد هنا التعبير ، وفي اصطلاح الأصوليين التأويل تفسير الشيء بالوجه المرجوح ، وقيل : هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح بدليل يصيره راجحا ، وهذا أخص منه ، وأما تفسير القرآن فهو المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أو عن الصحابة ، وأما تأويله فهو ما يستخرج بحسب القواعد العربية . ( بيان الإعراب ) : قوله : بينا أصله بين أشبعت الفتحة فصارت ألفا ، وقال الجوهري : بينا : فعلى مشبعة الفتحة . قال الشاعر : فبينا نحن نرقبه أتانا . أي : بين أوقات رقبتنا إياه ، والجمل يضاف إليها أسماء الزمان ، نحو : أتيتك زمن الحجاج أمير ، ثم حذف المضاف الذي هو أوقات ، وولي الظرف الذي هو بين الجملة التي أقيمت مقام المضاف إليها ، والأصمعي يستفصح طرح إذ وإذا في جوابه . والآخرون يقولون : بينا أنا قائم إذ جاء أو إذا جاء فلان ، والذي جاء في الحديث هو الفصيح ، فلذلك اختاره الأصمعي رحمه الله تعالى . قوله : أنا مبتدأ أو نائم خبره . وقوله : رأيت الناس جواب بينا من الرؤية بمعنى الإبصار فيقتضي مفعولا واحدا ، وهو قوله : الناس فعلى هذا يكون قوله : يعرضون علي جملة حالية ، ويجوز أن يكون من الرؤيا بمعنى العلم ، فيقتضي حينئذ مفعولين ، وهما : قوله : الناس يعرضون علي ، ويجوز رفع الناس على أنه مبتدأ ، وخبره قوله : يعرضون علي ، والجملة مفعول قوله : رأيت كما في قول الشاعر . رأيت الناس ينتجعون غيثا فقلت لصيدح انتجعي بلالا ويروى : سمعت الناس ، والقائل هو ذو الرمة الشاعر المشهور ، وصيدح علم الناقة ، وينتجعون من انتجعت فلانا إذا أتيته تطلب معروفه ، وأراد ببلال هو بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قاضي البصرة كان جوادا ممدوحا رحمه الله . قوله : وعليهم قمص جملة اسمية ، وقعت حالا . قوله : منها ، أي : من القمص ، وهو خبر لقوله : ما يبلغ الثدي ، وما موصولة في محل الرفع على الابتداء ، والثدي منصوب ؛ لأنه مفعول يبلغ ، وكذلك إعراب . قوله : ومنها دون ذلك ، أي : أقصر ، فيكون فوق الثدي لم ينزل إليه ، ولم يصل به لقلته . قوله : وعرض على صيغة المجهول ، وعمر بن الخطاب مسند إليه ، مفعول ناب عن الفاعل . قوله : وعليه قميص جملة اسمية ، وقعت حالا ، وقوله يجره جملة من الفعل والفاعل ، وهو الضمير المرفوع الذي فيه العائد إلى عمر رضي الله عنه ، والمفعول وهو الضمير المنصوب الذي يرجع إلى القميص ، والجملة في محل الرفع ؛ لأنها صفة للقميص ، ويجوز أن يكون محلها النصب على الحال من الأحوال المتداخلة ، وقد علم أن الجملة الفعلية المضارعية إذا وقعت حالا ، وكانت مثبتة تكون بلا واو . قوله : قالوا ، أي : الصحابة . قوله : ذلك : مفعول قوله : أولت . قوله : الدين بالنصب ، أي : أولت الدين . ( بيان المعاني والبيان ) فيه من الفصاحة استعمال جواب بينا بدون إذا ، وإذ . ومنها استعمال جمع الكثرة في الثدي لأجل المطابقة ، وفيه من التشبيه البليغ ، وهو أنه شبه الدين بالقميص ، ووجه التشبيه الستر ، وذلك أن القميص يستر عورة الإنسان ، ويحجبه من وقوع النظر عليها ، فكذلك الدين يستره من النار ويحجبه عن كل مكروه ، فالنبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما أوله الدين بهذا الاعتبار . وقال أهل العبارة : القميص في النوم معناه الدين ، وجره يدل على بقاء آثاره الجميلة ، وسننه الحسنة في المسلمين بعد وفاته ليقتدى بها ، وقال ابن بطال :معلوم أن عمر رضي الله عنه في إيمانه أفضل من عمل من بلغ قميصه ثديه ، وتأويله عليه السلام ذلك بالدين يدل على أن الإيمان الواقع على العمل يسمى دينا كالإيمان الواقع على القول . وقال القاضي : أخذ ذلك أهل التعبير من قوله تعالى : وثيابك فطهر ، يريد به نفسك ، وإصلاح عملك ودينك على تأويل بعضهم ؛ لأن العرب تعبر عن العفة بنقاء الثوب والمئزر ، وجره عبارة عما فضل عنه ، وانتفع الناس به بخلاف جره في الدنيا للخيلاء فإنه مذموم . فإن قيل : يلزم من الحديث أن يكون عمر رضي الله عنه أفضل من أبي بكر رضي الله عنه ؛ لأن المراد بالأفضل الأكثر ثوابا ، والأعمال علامات الثواب ، فمن كان دينه أكثر فثوابه أكثر ، وهو خلاف الإجماع . قلت : لا يلزم إذ القسمة غير حاصرة لجواز قسم رابع سلمنا انحصار القسمة لكن ما خصص القسم الثالث بعمر رضي الله عنه ، ولم يحصره عليه سلمنا التخصيص به ، لكنه معارض بالأحاديث الدالة على أفضلية الصديق رضي الله عنه بحسب تواتر القدر المشترك بينها ، ومثله يسمى بالمتواتر من جهة المعنى ، فدليلكم آحاد ، ودليلنا متواتر سلمنا التساوي بين الدليلين ، لكن الإجماع منعقد على أفضليته ، وهو دليل قطعي ، وهذا دليل ظني ، والظن لا يعارض القطع ، وهذا الجواب يستفاد من نفس تقرير الدليل ، وهذه قاعدة كلية عند أهل المناظرة في أمثال هذه الإيرادات بأن يقال : ما أردته إما مجمع عليه أو لا ، فإن كان فالدليل مخصوص بالإجماع ، وإلا فلا يتم الإيراد إذ لا إلزام إلا بالمجمع عليه ، لا يقال : كيف ، يقال : الإجماع منعقد على أفضلية الصديق رضي الله تعالى عنه ، وقد أنكر ذلك طائفة الشيعة والخوارج من العثمانية ؛ لأنا نقول لا اعتبار بمخالفة أهل الضلال ، والأصل إجماع أهل السنة والجماعة . ( بيان استنباط الفوائد ) منها الدلالة على تفاضل أهل الإيمان . ومنها الدلالة على فضيلة عمر رضي الله عنه . ومنها تعبير الرؤيا ، وسؤال العالم بها عنها . ومنها جواز إشاعة العالم الثناء على الفاضل من أصحابه إذا لم يحس به بإعجاب ونحوه ، ويكون الغرض التنبيه على فضله لتعلم منزلته ، ويعامل بمقتضاها ، ويرغب الاقتداء به ، والتخلق بأخلاقه .