5 - بَاب الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَقَابِ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ 2792 - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْغَدْوَةُ وَالرَّوْحَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أَيْ فَضْلُهَا ، وَالْغَدْوَةُ بِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الْغُدُوِّ وَهُوَ الْخُرُوجُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى انْتِصَافِهِ ، وَالرَّوْحَةُ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الرَّوَاحِ وَهُوَ الْخُرُوجُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا . قَوْلُهُ : ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أَيِ الْجِهَادِ . قَوْلُهُ : ( وَقَابَ قَوْسِ أَحَدِكُمْ ) أَيْ قَدْرَهُ ، وَالْقَابُ بِتَخْفِيفِ الْقَافِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ مَعْنَاهُ الْقَدْرُ ، وَكَذَلِكَ الْقِيدُ بِكَسْرِ الْقَافِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ دَالٌ وَبِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ الدَّالِ ، وَقِيلَ الْقَابُ مَا بَيْنَ مِقْبَضِ الْقَوْسِ وَسِيَتِهِ ، وَقِيلَ مَا بَيْنَ الْوَتَرِ وَالْقَوْسِ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْقَوْسِ هُنَا الذِّرَاعُ الَّذِي يُقَاسُ بِهِ ، وَكَأَنَّ الْمَعْنَى بَيَانُ فَضْلِ قَدْرِ الذِّرَاعِ مِنَ الْجَنَّةِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حُمَيْدٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( لَغَدْوَةٌ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْغَدْوَةُ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ فِي أَوَّلِهِ بِصِيغَةِ التَّعْرِيفِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَاللَّامُ لِلْقَسَمِ . قَوْلُهُ : ( خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ تَنْزِيلِ الْمَغِيبِ مَنْزِلَةَ الْمَحْسُوسِ تَحْقِيقًا لَهُ فِي النَّفْسِ لِكَوْنِ الدُّنْيَا مَحْسُوسَةً فِي النَّفْسِ مُسْتَعْظَمَةً فِي الطِّبَاعِ فَلِذَلِكَ وَقَعَتِ الْمُفَاضَلَةُ بِهَا ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الدُّنْيَا لَا يُسَاوِي ذَرَّةً مِمَّا فِي الْجَنَّةِ . وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الثَّوَابِ خَيْرٌ مِنَ الثَّوَابِ الَّذِي يَحْصُلُ لِمَنْ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ الدُّنْيَا كُلُّهَا لَأَنْفَقَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِيَ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشًا فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، فَتَأَخَّرَ لِيَشْهَدَ الصَّلَاةَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ مَا أَدْرَكْتَ فَضْلَ غَدْوَتِهِمْ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ تَسْهِيلُ أَمْرِ الدُّنْيَا وَتَعْظِيمُ أَمْرِ الْجِهَادِ ، وَأَنَّ مَنْ حَصَلَ لَهُ مِنَ الْجَنَّةِ قَدْرُ سَوْطٍ يَصِيرُ كَأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ أَمْرٌ أَعْظَمُ مِنْ جَمِيعِ مَا فِي الدُّنْيَا فَكَيْفَ بِمَنْ حَصَّلَ مِنْهَا أَعْلَى الدَّرَجَاتِ ، وَالنُّكْتَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ التَّأْخِيرِ عَنِ الْجِهَادِ الْمَيْلُ إِلَى سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا فَنَبَّهَ هَذَا الْمُتَأَخِّرَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ الْيَسِيرَ مِنَ الْجَنَّةِ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ مَا فِي الدُّنْيَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَابِ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ · ص 17 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الغدوة والروحة في سبيل الله · ص 91 ( باب الغدوة والروحة في سبيل الله ) أي : هذا باب في بيان فضل الغدوة ، وهي من طلوع الشمس إلى الزوال ، وهي بالفتح المرة الواحدة من الغد ، وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه ، والروحة من الزوال إلى الليل ، وهو بالفتح المرة الواحدة من الرواح ، وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها . قوله : " في سبيل الله " وهو الجهاد . وقاب قوس أحدكم من الجنة " وقاب " بالجر عطفا على الغدوة المجرور بالإضافة ، تقديره : وفي بيان فضل قدر قوس أحدكم في الجنة ، قال صاحب العين : قاب القوس قدر طولها . وقال الخطابي : هو ما بين السية والمقبض . وعن مجاهد : قدر ذراع ، والقوس الذراع بلغة أزد شنؤة . وقيل : القوس ذراع يقاس به . وقال الداودي : قاب القوس ما بين الوتر والقوس . وفي المخصص : القوس أنثى وتصغر بغير هاء ، والجمع : أقواس وقياس وقسي وقسى ، ويقال : لكل قوس قابان ، ويقال : الأشهر أن القاب قدر ، وكذلك القيب والقاد والقيد ، وعين القاب واو .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الغدوة والروحة في سبيل الله · ص 91 10 - حدثنا معلى بن أسد ، قال : حدثنا وهيب ، قال : حدثنا حميد ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها . مطابقته للترجمة ظاهرة . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ووهيب تصغير وهب ، هو ابن خالد البصري . وحميد بضم الحاء هو الطويل . والحديث من أفراد البخاري من هذا الوجه . وأخرجه ابن ماجه عن نصر بن علي ، ومحمد بن المثنى ، كلاهما عن عبد الوهاب الثقفي ، عن حميد . وأخرجه مسلم عن القعنبي عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس . وأخرجه الترمذي من رواية مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ، وقال : هذا حديث حسن غريب . قلت : انفرد بإخراجه الترمذي ، وأخرج مسلم والنسائي من رواية أبي عبد الرحمن الحبلي ، واسمه عبد الله بن يزيد ، قال : سمعت أبا أيوب رضي الله تعالى عنه يقول ، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس وغربت . وأخرج البزار وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما من رواية عمرو بن صفوان ، عن عروة بن الزبير ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها . وقال الذهبي : صفوان بن عمرو لا يعرف . وأخرج البزار في مسنده من رواية الحسن عن عمران بن حصين ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال . فذكره ، وفي إسناده يوسف بن خالد السمتي ، وهو ضعيف . وأخرجه أحمد في مسنده ، والطبراني في الكبير ، من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه مطولا ، وفيه والذي نفسي بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة وإسناده ضعيف . قوله : لغدوة مبتدأ تخصص بالصفة وهو قوله : في سبيل الله والتقدير : لغدوة كائنة في سبيل الله . قوله : أو روحة عطف عليه ، وكلمة أو للتقسيم لا للشك . قوله : خير خبر المبتدأ واللام في لغدوة لام التأكيد ، وقال بعضهم : للقسم ، وفيه نظر . وقال المهلب : معنى قوله خير من الدنيا أن ثواب هذا الزمن القليل في الجنة خير من الدنيا كلها ، وكذا قوله : لقاب قوس أحدكم أي : موضع سوط في الجنة ، يريد ما صغر في الجنة من المواضع كلها من بساتينها وأرضها ، فأخبر أن قصير الزمان وصغير المكان في الآخرة خير من طويل الزمان وكبير المكان في الدنيا ، تزهيدا وتصغيرا لها وترغيبا في الجهاد ، إذ بهذا القليل يعطيه الله في الآخرة أفضل من الدنيا وما فيها ، فما ظنك بمن أتعب فيه نفسه وأنفق ماله ! وقال غيره : معنى خير من الدنيا : ثواب ذلك في الجنة خير من الدنيا . وقيل : خير من أن يتصدق بما في الدنيا إذا ملكها . وقيل : إذا ملك ما في الدنيا وأنفقها في وجوه البر والطاعة غير الجهاد . وقال القرطبي : أي الثواب الحاصل على مشية واحدة في الجهاد خير لصاحبه من الدنيا وما فيها لو جمعت له بحذافيرها . والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدو والرواح من بلدته ، بل يحصل هذا حتى بكل غدوة أو روحة في طريقه إلى الغد ، وقال النووي : وكذا غدوه ورواحه في موضع القتال ، لأن الجميع يسمى غدوة وروحة في سبيل الله .