باب الغدوة والروحة في سبيل الله
حدثنا معلى بن أسد ، قال : حدثنا وهيب ، قال : حدثنا حميد ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها . مطابقته للترجمة ظاهرة . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ووهيب تصغير وهب ، هو ابن خالد البصري .
وحميد بضم الحاء هو الطويل . والحديث من أفراد البخاري من هذا الوجه . وأخرجه ابن ماجه عن نصر بن علي ، ومحمد بن المثنى ، كلاهما عن عبد الوهاب الثقفي ، عن حميد .
وأخرجه مسلم عن القعنبي عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس . وأخرجه الترمذي من رواية مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ، وقال : هذا حديث حسن غريب . قلت : انفرد بإخراجه الترمذي ، وأخرج مسلم والنسائي من رواية أبي عبد الرحمن الحبلي ، واسمه عبد الله بن يزيد ، قال : سمعت أبا أيوب رضي الله تعالى عنه يقول ، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس وغربت .
وأخرج البزار وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما من رواية عمرو بن صفوان ، عن عروة بن الزبير ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها . وقال الذهبي : صفوان بن عمرو لا يعرف . وأخرج البزار في مسنده من رواية الحسن عن عمران بن حصين ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال .
فذكره ، وفي إسناده يوسف بن خالد السمتي ، وهو ضعيف . وأخرجه أحمد في مسنده ، والطبراني في الكبير ، من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه مطولا ، وفيه والذي نفسي بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة وإسناده ضعيف . قوله : لغدوة مبتدأ تخصص بالصفة وهو قوله : في سبيل الله والتقدير : لغدوة كائنة في سبيل الله .
قوله : أو روحة عطف عليه ، وكلمة أو للتقسيم لا للشك . قوله : خير خبر المبتدأ واللام في لغدوة لام التأكيد ، وقال بعضهم : للقسم ، وفيه نظر . وقال المهلب : معنى قوله خير من الدنيا أن ثواب هذا الزمن القليل في الجنة خير من الدنيا كلها ، وكذا قوله : لقاب قوس أحدكم أي : موضع سوط في الجنة ، يريد ما صغر في الجنة من المواضع كلها من بساتينها وأرضها ، فأخبر أن قصير الزمان وصغير المكان في الآخرة خير من طويل الزمان وكبير المكان في الدنيا ، تزهيدا وتصغيرا لها وترغيبا في الجهاد ، إذ بهذا القليل يعطيه الله في الآخرة أفضل من الدنيا وما فيها ، فما ظنك بمن أتعب فيه نفسه وأنفق ماله ! وقال غيره : معنى خير من الدنيا : ثواب ذلك في الجنة خير من الدنيا .
وقيل : خير من أن يتصدق بما في الدنيا إذا ملكها . وقيل : إذا ملك ما في الدنيا وأنفقها في وجوه البر والطاعة غير الجهاد . وقال القرطبي : أي الثواب الحاصل على مشية واحدة في الجهاد خير لصاحبه من الدنيا وما فيها لو جمعت له بحذافيرها .
والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدو والرواح من بلدته ، بل يحصل هذا حتى بكل غدوة أو روحة في طريقه إلى الغد ، وقال النووي : وكذا غدوه ورواحه في موضع القتال ، لأن الجميع يسمى غدوة وروحة في سبيل الله .