16 - بَاب الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ 24 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ ) هُوَ مُنَوَّنٌ ، وَوَجْهُ كَوْنِ الْحَيَاءِ مِنَ الْإِيمَانِ تَقَدَّمَ مَعَ بَقِيَّةِ مَبَاحِثِهِ فِي بَابِ أُمُورِ الْإِيمَانِ ، وَفَائِدَةُ إِعَادَتِهِ هُنَا أَنَّهُ ذُكِرَ هُنَاكَ بِالتَّبَعِيَّةِ وَهُنَا بِالْقَصْدِ مَعَ فَائِدَةِ مُغَايَرَةِ الطَّرِيقِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ) هُوَ التِّنِّيسِيُّ نَزِيلُ دِمَشْقَ ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ سِوَاهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا ) وَلِلْأَصِيلِيِّ حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، وَلِكَرِيمَةَ ابْنِ أَنَسٍ ، وَالْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ . قَوْلُهُ : ( مَرَّ عَلَى رَجُلٍ ) لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ مَرَّ بِرَجُلٍ وَمَرَّ بِمَعْنَى اجْتَازَ يُعَدَّى بِعَلَى وَبِالْبَاءِ ، وَلَمْ أَعْرِفِ اسْمَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ الْوَاعِظِ وَأَخِيهِ . وَقَوْلُهُ يَعِظُ أَيْ يَنْصَحُ أَوْ يُخَوِّفُ أَوْ يُذَكِّرُ ، كَذَا شَرَحُوهُ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُشْرَحَ بِمَا جَاءَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَلَفْظُهُ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ يَقُولُ : إِنَّكَ لَتَسْتَحِي ، حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ : قَدْ أَضَرَّ بِكَ ، انْتَهَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَ لَهُ الْعِتَابَ وَالْوَعْظَ فَذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ ، لَكِنَّ الْمَخْرَجُ مُتَّحِدٌ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرَّاوِي بِحَسَبِ مَا اعْتَقَدَ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ مِنْهُمَا يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ ، وَ فِي سَبَبِيَّةٌ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ كَثِيرَ الْحَيَاءِ فَكَانَ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنِ اسْتِيفَاءِ حُقُوقِهِ ، فَعَاتَبَهُ أَخُوهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعْهُ أَيِ : اتْرُكْهُ عَلَى هَذَا الْخُلُقِ السُّنِّيِّ ، ثُمَّ زَادَهُ فِي ذَلِكَ تَرْغِيبًا لِحُكْمِهِ بِأَنَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَإِذَا كَانَ الْحَيَاءُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنِ اسْتِيفَاءِ حَقِّ نَفْسِهِ جَرَّ لَهُ ذَلِكَ تَحْصِيلَ أَجْرِ ذَلِكَ الْحَقِّ ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمَتْرُوكُ لَهُ مُسْتَحِقًّا . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيَاءَ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنِ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي كَمَا يَمْنَعُ الْإِيمَانَ ، فَسُمِّيَ إِيمَانًا كَمَا يُسَمَّى الشَّيْءُ بِاسْمِ مَا قَامَ مَقَامَهُ . وَحَاصِلُهُ أَنَّ إِطْلَاقَ كَوْنِهِ مِنَ الْإِيمَانِ مَجَازٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّاهِيَ مَا كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَيَاءَ مِنْ مُكَمِّلَاتِ الْإِيمَانِ ، فَلِهَذَا وَقَعَ التَّأْكِيدُ ، وَقَدْ يَكُونُ التَّأْكِيدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَضِيَّةَ فِي نَفْسِهَا مِمَّا يُهْتَمُّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُنْكَرٌ . قَالَ الرَّاغِبُ : الْحَيَاءُ انْقِبَاضُ النَّفْسِ عَنِ الْقَبِيحِ ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِنْسَانِ لِيَرْتَدِعَ عَنِ ارْتِكَابِ كُلِّ مَا يَشْتَهِي فَلَا يَكُونُ كَالْبَهِيمَةِ . وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ جُبْنٍ وَعِفَّةٍ فَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ الْمُسْتَحِي فَاسِقًا ، وَقَلَّمَا يَكُونُ الشُّجَاعُ مُسْتَحِيًا ، وَقَدْ يَكُونُ لِمُطْلَقِ الِانْقِبَاضِ كَمَا فِي بَعْضِ الصِّبْيَانِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ انْقِبَاضُ النَّفْسِ خَشْيَةَ ارْتِكَابِ مَا يُكْرَهُ ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا ، وَمُقَابِلُ الْأَوَّلِ فَاسِقٌ وَالثَّانِي مَجْنُونٌ وَالثَّالِثِ أَبْلَهُ . قَالَ : وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ ، أَيْ : أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْإِيمَانِ ، وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ : حَقِيقَةُ الْحَيَاءِ خَوْفُ الذَّمِّ بِنِسْبَةِ الشَّرِّ إِلَيْهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنْ كَانَ فِي مُحَرَّمٍ فَهُوَ وَاجِبٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي مَكْرُوهٍ فَهُوَ مَنْدُوبٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي مُبَاحٍ فَهُوَ الْعُرْفِيُّ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ . وَيَجْمَعُ كُلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْمُبَاحَ إِنَّمَا هُوَ مَا يَقَعُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ : رَأَيْتُ الْمَعَاصِيَ مَذَلَّةً ، فَتَرَكْتُهَا مُرُوءَةً ، فَصَارَتْ دِيَانَةً . وَقَدْ يَتَوَلَّدُ الْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ التَّقَلُّبِ فِي نِعَمِهِ فَيَسْتَحِيي الْعَاقِلُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى مَعْصِيَتِهِ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : خَفِ اللَّهَ عَلَى قَدْرِ قُدْرَتِهِ عَلَيْكَ . وَاسْتَحي مِنْهُ عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ · ص 93 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الحياء من الإيمان · ص 93 فصل خرج البخاري ومسلم : 23 - من حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء ، فقال : دعه ؛ فإن الحياء من الإيمان . هذا المعنى مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه كثيرة ، وقد سبق حديث أبي هريرة الحياء شعبة من الإيمان . والحياء نوعان : أحدهما : غريزي ، وهو خلق يمنحه الله العبد ويجبله عليه ، فيكفه عن ارتكاب القبائح والرذائل ، ويحثه على فعل الجميل . وهو من أعلى مواهب الله للعبد ، فهذا من الإيمان باعتبار أنه يؤثر ما يؤثره الإيمان من فعل الجميل ، والكف عن القبيح . وربما ارتقى صاحبه بعده إلى درجة الإيمان ، فهو وسيلة إليه ، كما قال عمر : من استحيا اختفى ، ومن اختفى اتقى ، ومن اتقى وقي . وقال بعض التابعين : تركت الذنوب حياء أربعين سنة ، ثم أدركني الورع . وقال ابن سمعون : رأيت المعاصي نذالة ، فتركتها مروءة ، فاستحالت ديانة . والنوع الثاني : أن يكون مكتسبا ؛ إما من مقام الإيمان كحياء العبد من مقامه بين يدي الله يوم القيامة ، فيوجب له ذلك الاستعداد للقائه . أو من مقام الإحسان ، كحياء العبد من اطلاع الله عليه وقربه منه ، فهذا من أعلى خصال الإيمان . وفي حديث مرسل استحي من الله كما تستحيي من رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك . وروي موصولا . وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كشف العورة خاليا ، فقال : الله أحق أن يستحيا منه . وفي حديث ابن مسعود المرفوع الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى ، والبطن وما حوى ، وأن تذكر الموت والبلى . ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء . خرجه الترمذي وغيره . وخرج البخاري في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ إنها نزلت في قوم كانوا يجامعون نساءهم ، ويتخلون فيستحيون من الله ، فنزلت الآية . وكان الصديق يقول : استحيوا من الله ؛ فإني أذهب إلى الغائط فأظل متقنعا بثوبي حياء من ربي عز وجل . وكان أبو موسى إذا اغتسل في بيت مظلم لا يقيم صلبه حياء من الله عز وجل . قال بعض السلف : خف الله على قدر قدرته عليك ، واستحي منه على قدر قربه منك . وقد يتولد الحياء من الله من مطالعة النعم ، فيستحيي العبد من الله أن يستعين بنعمته على معاصيه ، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الحياء من الإيمان · ص 175 باب الحياء من الإيمان . أي : هذا باب ، والباب منون ، والحياء مرفوع ، سواء أضفت إليه الباب أم لا ؛ لأنه مبتدأ ، ومن الإيمان خبره . فإن قلت : قد قلت : إن الباب منون ، ولا شك أنه خبر مبتدأ محذوف فيكون جملة ، وقوله الحياء من الإيمان جملة أخرى ، وعلى تقدير عدم الإضافة ما الرابطة بين الجملتين . قلت : هي محذوفة تقدير الكلام : هذا باب فيه الحياء من الإيمان ، يعني بيان أن الحياء من الإيمان ، وبيان تفسير الحياء ، ووجه كونه من الإيمان قد تقدما في باب أمور الإيمان . وجه المناسبة بين البابين أن في الباب الأول بيان تفاضل الإيمان في الأعمال ، وهذا الباب أيضا من جملة ما يفضل به الإيمان ، وهو الحياء الذي يحجب صاحبه عن أشياء منكرة عند الله وعند الخلق . 1 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار ، وهو يعظ أخاه في الحياء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه فإن الحياء من الإيمان . الحديث مطابق للترجمة ؛ لأنه أخذ جزأ منه فبوب عليه كما هو عادته . بيان رجاله ، وهم خمسة : الأول : عبد الله بن يوسف التنيسي نزيل دمشق ، وقد ذكره . الثاني : الإمام مالك بن أنس . الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الرابع : سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي التابعي الجليل أحد الفقهاء السبعة بالمدينة على أحد الأقوال ، وقال ابن المسيب كان سالم أشبه ولد عبد الله بعبد الله ، وعبد الله أشبه ولد عمر بعمر رضي الله عنه . وقال مالك : لم يكن في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد منه ، كان يلبس الثوب بدرهمين . وقال ابن راهويه : أصح الأسانيد كلها الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، وكان أبوه يلام في إفراط حب سالم ، وكان يقبله ، ويقول : ألا تعجبون من شيخ يقبل شيخا ، مات بالمدينة سنة ست ومائة ، وقيل : خمس ، وقيل : ثمان ، وصلى عليه هشام بن عبد الملك ، وله إخوة : عبد الله ، وعاصم ، وحمزة ، وبلال ، وواقد ، وزيد . وكان عبد الله وصى أبيهم فيهم ، روى عنه منهم أربعة : عبد الله ، وسالم ، وحمزة ، وبلال . الخامس : عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه . ( بيان لطائف إسناده ) . منها أن رجاله كلهم مدنيون ما خلا عبد الله . ومنها أن فيه التحديث ، والإخبار ، والعنعنة . ومنها أن في رواية الأكثرين : أخبرنا مالك . وفي رواية الأصيلي : حدثنا مالك بن أنس . وفي رواية كريمة : مالك بن أنس . والحديث في الموطأ . ( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه هنا عن عبد الله ، عن مالك . وأخرجه في البر والصلة عن أحمد بن يونس ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزهري ، وأخرجه مسلم هنا أيضا عن الناقدي ، وزهير عن سفيان ، وعن عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، ولم يقع لمسلم لفظة : دعه ، وأخرجه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي أيضا . ( بيان اللغات ) . قوله : مر علي رجل ، يقال : مر عليه ، ومر به ، بمعنى واحد ، أي : اجتاز ، وفي ( العباب ) مر عليه ، وبه يمر مرا ، أي : اجتاز ، وبنو يربوع يقولون : مر علينا بكسر الميم ، ومر يمر مرا ومرورا وممرا ، أي : ذهب ، والممر موضع المرور أيضا ، والأنصار جمع الناصر ، كالأصحاب جمع الصاحب ، أو جمع النصير كالأشراف جمع الشريف . قوله : يعظ أخاه ، أي : ينصح أخاه من الوعظ ، وهو النصح والتذكير بالعواقب ، وقال ابن فارس هو التخويف والإنذار . وقال الخليل بن أحمد : هو التذكير بالخير فيما يرق القلب ، وفي ( العباب ) الوعظ ، والعظة والموعظة مصادر . قولك : وعظته عظة . قوله : دعه ، أي : اتركه ، وهو أمر لا ماضي له ، قالوا : أماتوا ماضي يدع ويذر . قلت : استعمل ماضي دع ، ومنه قراءة من قرأ : ما ودعك ربك . بالتخفيف ، فعلى هذا هو أمر من ودع يدع ، وأصل يدع يودع حذفت الواو فصار يدع ، والأمر دع ، وفي ( العباب ) قولهم : دع ذا ، أي : اتركه ، وأصله : ودع يدع ، وقد أميت ماضيه ، لا يقال : ودعه إنما يقال : تركه ، ولا وادع ، ولكن تارك ، وربما جاء في ضرورة الشعر ، ودعه فهو مودوع على أصله . قال أنس بن زنينم . ليت شعري عن خليلي ما الذي غاله في الوعد حتى ودعه ثم قال الصغاني : وقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم أصل هذه اللغة فيما روى ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه قال : قرأ : ما ودعك ربك . بالتخفيف أعني بتخفيف الدال ، وكذلك قرأ بهذه القراءة عروة ، ومقاتل ، وأبو حيوة ، وابن أبي عبلة ، ويزيد النحوي رحمهم الله تعالى . ( بيان الإعراب ) : قوله : مر علي رجل جملة في محل الرفع ؛ لأنها وقعت خبرا ؛ لأن قوله : من الأنصار صفة لرجل ، والألف واللام فيه للعهد ، أي : أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين آووا ونصروا من أهل المدينة رضي الله عنهم . قوله : وهو يعظ أخاه جملة اسمية محلها النصب على الحال . قوله : في الحياء يتعلق بقوله : يعظ . قوله : ودعه جملة من الفعل والفاعل والمفعول ؛ لأنها وقعت مقول القول . قوله : فإن الحياء الفاء فيه للتعليل . ( بيان المعاني والبيان ) : قوله : وهو يعظ أخاه يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون الرجل الذي وعظ أخا للواعظ في الإسلام على ما هو عرف الشرع ، فعلى هذا يكون مجازا لغويا أو حقيقة عرفية ، والآخر وهو الظاهر أن يكون أخاه في القرابة والنسب ، فعلى هذا هو حقيقة . قوله : في الحياء فيه حذف ، أي : في شأن الحياء ، وفي حقه ومعناه أنه ينهاه عنه ويخوفه منه ، فزجره النبي صلى الله عليه وسلم عن وعظه ، فقال : دعه ، أي : اتركه على حيائه ؛ فإن الحياء من الإيمان . وقال التيمي : الوعظ : الزجر ، يعني : يزجره عن الحياء ، ويقول له : لا تستحي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه يستحي ؛ فإن الحياء من الإيمان ، إذ الشخص يكف عن أشياء من مناهي الشرع للحياء ، ويكثر مثل هذا في زماننا . وقال ابن قتيبة : معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان فسمي إيمانا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه ، وقال بعضهم : الأولى أن نشرح ، يعني قوله : يعظ بما جاء عن المصنف في الأدب من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن ابن شهاب ، ولفظه يعاتب أخاه في الحياء ، يقول : إنك لتستحيي حتى كأنه يقول : قد أضربك ، انتهى . قلت : هذا بعيد من حيث اللغة فإن معنى الوعظ الزجر ، ومعنى العتب الوجد ، وفي ( العباب ) عتبه عليه إذا وجد يعتب عليه ، ويعتب عتبا ومعتبا على أن الروايتين تدلان على معنيين جليين ، ليس في واحد منهما خفاء حتى يفسر أحدهما بالآخر غاية ما في الباب أن الواعظ المذكور وعظ أخاه في استعماله الحياء ، وعاتبه عليه ، والراوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ الوعظ ، وفي الأخرى بلفظ المعاتبة ، وذلك أن الرجل كان كثير الحياء ، وكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه فوعظه أخوه على مباشرة الحياء ، وعاتبه على ذلك ، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : دعه ، أي : اتركه على هذا الخلق الحسن ؛ لأن الحياء خير له في ذلك بل في كل الأوقات ، وكل الحالات يدل على ذلك ما جاء في الرواية الأخرى : الحياء لا يأتي إلا بخير ، وفي رواية أخرى : الحياء خير كله . فإن قلت : ما وجه التأكيد بأن في قوله : فإن الحياء من الإيمان ، وإنما يؤكد بأن ونحوها إذا كان المخاطب منكرا أو شاكا . قلت : الظاهر أن المخاطب كان شاكا بل كان منكرا له ؛ لأنه منعه من ذلك ، فلو كان معترفا بأنه من الإيمان لما منعه من ذلك ، ولئن سلمنا أنه لم يكن منكرا لكنه جعل كالمنكر لظهور أمارات الإنكار عليه ، ويجوز أن يكون هذا من باب التأكيد لدفع إنكار غير المخاطب ، ويجوز أن يكون التأكيد من جهة أن القصة في نفسها مما يجب أن يهتم بها ، ويؤكد عليها ، وإن لم يكن ثمة إنكار أو شك من أحد فافهم . وقال بعضهم : والظاهر أن الناهي ما كان يعرف أن الحياء من مكملات الإيمان فلهذا وقع التأكيد . قلت : هذا كلام من لم يذق شيئا ما من علم المعاني ، فإن الخطاب لمثل هذا الناهي الذي ذكره لا يحتاج إلى تأكيد ؛ لأنه ليس بمنكر ولا متردد ، وإنما هو خالي الذهن ، وهو لا يحتاج إلى التأكيد فإنه كما يسمع الكلام ينتقش في ذهنه على ما عرف في كتب المعاني والبيان . فإن قلت : ما معنى الحياء ؟ قلت : قد فسرته فيما مضى عند قوله : والحياء شعبة من الإيمان ، وقال التيمي : الحياء : الاستحياء ، وهو ترك الشيء لدهشة تلحقك عنده . قال تعالى : ويستحيون نساءكم ، أي : يتركون . قال : وأظن أن الحياة منه ؛ لأنه البقاء من الشخص ، وقال الكرماني : ليس هو ترك الشيء ، بل هو دهشة تكون سببا لترك الشيء . قلت : التحقيق أن الحياء تغير وانكسار عند خوف ما يعاب أو يذم ، وليس هو بدهشة ، ولا ترك الشيء ، وإنما ترك الشيء من لوازمه . فإن قلت : يمنع ما قلت إسناده إلى الله تعالى في قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا قلت : هذا من باب المشاكلة ، وهي أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته ، فلما قال المنافقون : أما يستحي رب محمد يذكر الذباب والعنكبوت في كتابه ؟ أجيبوا بأن الله لا يستحي ، والمراد لا يترك ضرب المثل بهذه الأشياء ، فأطلق عليه الاستحياء على سبيل المشاكلة كما في قوله : فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ومن هذا القبيل قوله عليه السلام : إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا ، وهذا جار على سبيل الاستعارة التبعية التمثيلية شبه ترك الله تعالى تخييب العبد ، ورد يديه صفرا بترك الكريم رد المحتاج حياء ، فقيل : ترك الله رد المحتاج حياء ، كما قيل : ترك الكريم رد المحتاج حياء ، فأطلق الحياء ثمة كما أطلق الحياء هاهنا ، فلذلك استعير ترك المستحيي لترك ضرب المثل ، ثم نفي عنه . فإن قلت : ما معنى من في قوله : من الإيمان . قلت : معناه التبعيض ، والدليل عليه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث السالف : الحياء شعبة من الإيمان . فإن قلت : قد علم ذلك منه ، فما فائدة التكرار ؟ قلت : كان المقصود ثمة بيان أمور الإيمان ، وأنه من جملتها ، فذكر ذلك بالتبعية وبالعرض ، وهاهنا ذكره بالقصد ، وبالذات مع فائدة مغايرة الطريق . فإن قلت : إذا كان الحياء بعض الإيمان ، فإذا انتفى الحياء انتفى بعض الإيمان ، وإذا انتفى بعض الإيمان انتفى حقيقة الإيمان ، فينتج من هذه المقدمات انتفاء الإيمان عمن لم يستح ، وانتفاء الإيمان كفر . قلت : لا نسلم صدق كون الحياء من حقيقة لإيمان ؛ لأن المعنى فإن الحياء من مكملات الإيمان ، ونفي الكمال لا يستلزم نفي الحقيقة ، نعم الإشكال قائم على قول من يقول : الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان ، وهذا لم يقل به المحققون كما ذكرنا فيما مضى . قلت : من فوائده الحض على الامتناع من قبائح الأمور ورذائلها ، وكل ما يستحى من فعله ، والدلالة على أن النصيحة إنما تعد إذا وقعت موقعها ، والتنبيه على زجر مثل هذا الناصح .