109 - بَاب يُقَاتَلُ مِنْ وَرَاءِ الْإِمَامِ وَيُتَّقَى بِهِ 2956 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ الْأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَاءِ الْإِمَامِ وَيُتَّقَى بِهِ ) يُقَاتَلُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ ، وَلَمْ يَزِدِ الْبُخَارِيُّ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ . وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُقَاتَلَةُ لِلدَّفْعِ عَنِ الْإِمَامِ ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ خَلْفِهِ حَقِيقَةً أَوْ قُدَّامَهُ ، وَوَرَاءُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ . قَوْلُهُ : ( نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ )
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب يُقَاتَلُ مِنْ وَرَاءِ الْإِمَامِ وَيُتَّقَى بِهِ · ص 135 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب فرض الجمعة · ص 334 قال البخاري - رحمه الله - : 876 - نا أبو اليمان ، أنا شعيب ، نا أبو الزناد ، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج مولى ربيعة بن الحارث حدثه ، أنه سمع أبا هريرة ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم ، فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبع ، اليهود غدا ، والنصارى بعد غد . قوله : نحن الآخرون - يعني : في الزمان ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ، وأمته آخر الأمم . وقوله : السابقون - يعني : في الفضل والكرامة على الله ؛ قال الله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وفي حديث بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنتم موفون سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل . وفي رواية أبي حازم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا الحديث - : نحن الآخرون من أهل الدنيا ، الأولون يوم القيامة ، المقضي لهم قبل الخلائق . خرجه مسلم . وخرجه من حديث حذيفة - بمثله . وخرج من حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث زيادة : ونحن أول من يدخل الجنة . وهذا كله - أيضا - من سبقهم ؛ فإنهم أول من يحاسب يوم القيامة ، ومن يجوز على الصراط ، ومن يدخل الجنة . وقوله : بيد هو اسم ملازم للإضافة إلى أن وصلتِها ، ومعناه - هاهنا - : غير ، ولا يستثنى به في الاتصال ، بل في الانقطاع . والمعنى : لكن أهل الكتاب أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتينا نحن الكتاب من بعدهم ، فلهم السبق في الزمان بهذا الاعتبار في الدنيا ، لا في الفضل ، ولا في الآخرة . ونقل الربيع ، عن الشافعي : أنه قال في : بيد أنهم : من أجل أنهم - فجعله تعليلا . وقوله : ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه . ثم - هاهنا - لترتيب الأخبار ، ويحتمل أنه لترتيب المخبر به ، والمراد : أنهم أوتوا الكتاب ، ثم فرض عليهم هذا اليوم - والإشارة إلى يوم الجمعة - فاختلفوا فيه ، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فالناس لنا فيه تبع . وهذا - أيضا - مما حازت به الأمة السبق مع تأخر زمانهم ، فإن اليهود والنصارى لما فرض عليهم تعظيم الجمعة ، والعبادة فيه لله ، واتخاذه عيدا للاجتماع فيه لذكر الله فيه ، ضلوا عنه ، فاختارت اليهود السبت ؛ لأنه يوم فرغ فيه الخلق ، واختارت النصارى الأحد ؛ لأنه يوم بدئ فيه الخلق ، فهدانا الله للجمعة ، فصار عيدنا أسبق من عيدهم ، وصاروا لنا في عيدنا تبعا ، فمنهم من عيده الغد من يوم الجمعة ، ومنهم من عيده بعد غد . وإنما ضلت الطائفتان قبلنا لتقديمهم رأيهم على ما جاءت به رسلهم وأنبياؤهم ، واهتدت هذه الأمة باتباعهم ما جاءهم به رسلهم عن ربهم ، من غير تغيير له ولا تبديل . وفي الحديث : دليل على أن الجمعة فرض من الله واجب علينا ، كما كان على من قبلنا ، فإن الله فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة ، واتخاذه عيدا ومجمعا لذكر الله وعبادته ، فبدلوه بغيره من الأيام ، وهدانا الله له ، فدل ذلك على أنه مفروض علينا تعظيمه ، واتخاذه عيدا ؛ لذكر الله والاجتماع فيه لعبادته ، وهذا من أدل دليل على أن شهود الجمعة فرض على هذه الأمة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به · ص 221 ( باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به ) أي هذا باب يذكر فيه أن الإمام جنة يقاتل من ورائه ، ويقاتل على صيغة المجهول ، والمراد به المقاتلة للدفع عن الإمام سواء كان ذلك من خلفه أو قدامه ، ولفظ وراء يطلق على المعنيين ، قوله : ( ويتقى به ) أيضا على صيغة المجهول عطف على يقاتل أي يتقى بالإمام شر العدو وأهل الفساد والظلم ، وكيف لا وإنه يمنع المسلمين من أيدي الأعداء ويحمي بيضة الإسلام ويتقي منه الناس ويخافون سطوته . 163 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، قال : حدثنا أبو الزناد ، أن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : نحن الآخرون السابقون . وبهذا الإسناد : من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني ، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به ، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا ، وإن قال بغيره فإن عليه منه . مطابقته للترجمة في قوله : ( وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به ) وسند هذا الحديث بهؤلاء الرجال قد مر غير مرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . وأخرج النسائي بعض الحديث : الإمام جنة في البيعة وفي السير . قوله : ( نحن الآخرون ) أي في الدنيا ، ( السابقون ) في الآخرة ، وهذه القطعة مرت في كتاب الوضوء في باب البول في الماء الدائم ، فإنه أخرجه هناك وقال : حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، قال : أخبرنا أبو الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " نحن الآخرون السابقون " ثم قال وبإسناده قال : " لا يبولن . . . " الحديث . قوله : ( وبهذا الإسناد ) أي الإسناد المذكور ، قال صلى الله عليه وسلم : " من أطاعني " إلى آخره ، قال الخطابي : كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة ولا يطيعون غير رؤساء قبائلهم ، فلما ولي في الإسلام الأمراء أنكرته نفوسهم وامتنع بعضهم من الطاعة ، وإنما قال لهم صلى الله عليه وسلم هذا القول ليعلمهم أن طاعة الأمراء الذين كان يوليهم وجبت عليهم لطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس هذا الأمر خاصا بمن باشره الشارع بتولية الإمام به كما نبه عليه القرطبي بل هو عام في كل أمير عدل للمسلمين ، ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية ، قوله : ( وإنما الإمام جنة ) بضم الجيم وتشديد النون أي سترة لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين ، ويمنع الناس بعضهم من بعض ، والجنة الدرع ، وسمي المجن مجنا لأنه يستر به عند القتال ، والإمام كالساتر ، وقال الهروي : معنى الإمام جنة أن يقي الإمام الزلل والسهو كما يقي الترس صاحبه من وقع السلاح . وقال الخطابي : يحتمل أن يكون أراد به جنة في القتال وفيما يكون منه في أمره دون غيره . قوله : ( يقاتل من ورائه ) على صيغة المجهول كما ذكرناه آنفا أي يقاتل معه الكفار والبغاة وسائر أهل الفساد ، فإن لم يقاتل من ورائه وأتى عليه مرج أمر الناس وأكل القوي الضعيف وضيعت الحدود والفرائض ، وتطاول أهل الحرب إلى المسلمين . قوله : ( ويتقى به ) مجهول أيضا وأصله يوتقى به التاء مبدلة من الواو وبعد الإبدال تدغم التاء في التاء لأن أصله من الوقاية ، وقال المهلب : معنى يتقى به يرجع إليه في الرأي والعقل وغير ذلك . قوله : ( وإن قال بغيره ) أي وأن أمر بغير تقوى الله وعدله والتعبير عن الأمر بالقول شائع ، وقيل : معناه وإن فعل بغيره ، وقال بعضهم : هذا ليس بظاهر فإنه قسيم قوله : فإن أمر فيحمل على أن المراد وإن أمر ، قلت : العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان فتقول : قال بيده أي أخذ ، وقال برجله أي مشى ، وقال بالماء على يده أي قلب ، وقال بثوبه أي رفعه ، فإذا كان كذلك لا ينكر استعمال قال هنا بمعنى فعل . وقال الخطابي : قال هنا بمعنى حكم ، يقال : قال الرجل واقتال إذا حكم ، ثم قيل : إنه هنا مشتق من القيل بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف ، وهو الملك الذي ينفذ حكمه ، وهذا في لغة حمير . قوله : فإن عليه منه ) أي فإن الوبال الحاصل عليه لا على المأمور . قال الكرماني : ويحتمل أن يكون بعضه عليه . قلت : هذا على تقدير أن تكون من للتبعيض ، والظاهر أن المأمور أيضا لا يخلو عن التبعة على ما حكي أن الحسن البصري وعامر الشعبي حضرا مجلس عمر بن هبيرة فقال لهما : إن أمير المؤمنين يكتب إلي في أمور فما تريان ؟ فقال الشعبي : أصلح الله الأمير أنت مأمور والتبعة على آمرك . فقال الحسن : إذا خرجت من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فإن الله تعالى ينجيك من الأمير ولا ينجيك الأمير من الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال .