22 - بَاب إِذَا احْتَلَمَتْ الْمَرْأَةُ 282 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ : جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا احْتَلَمَتِ الْمَرْأَةُ ) إِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالْمَرْأَةِ مَعَ أَنَّ حُكْمَ الرَّجُلِ كَذَلِكَ لِمُوَافَقَةِ صُورَةِ السُّؤَالِ ، وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ مَنَعَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيُّ ، وَاسْتَبْعَدَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ صِحَّتَهُ عَنْهُ ، لَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَفِيهِ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَنُسِبَتْ هُنَاكَ إِلَى أُمِّهَا وَهُنَا إِلَى أَبِيهَا ، وَقَدِ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاجِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ لَكِنْ قَالَ عَنْ عَائِشَةَ وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ وَقَعَتْ بَيْنَ أُمِّ سُلَيْمٍ وَعَائِشةَ . وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأُمِّ سَلَمَةَ لَا لِعَائِشَةَ ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةِ هِشَامٍ وَهُوَ ظَاهِرُ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ ، لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنِ الذُّهْلِيِّ أَنَّهُ صَحَّحَ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَأَشَارَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى تَقْوِيَةِ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ; لِأَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ تَابَعَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا رِوَايَةَ نَافِعٍ ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ لَهُ وَعَائِشَةُ عِنْدَهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ سُلَيْمٍ وَكَانَتْ مُجَاوِرَةً لِأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ هِيَ الَّتِي رَاجَعَتْهَا ، وَهَذَا يُقَوِّي رِوَايَةَ هِشَامٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ جَمِيعًا أَنْكَرَتَا عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ حُضُورُ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ . وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ أَنَسًا ، وَعَائِشَةَ ، وَأُمَّ سَلَمَةَ حَضَرُوا الْقِصَّةَ . انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَحْضُرِ الْقِصَّةَ وَإِنَّمَا تَلَقَّى ذَلِكَ مِنْ أُمِّهِ أُمِّ سُلَيْمٍ ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَإِنَّمَا تَلَقَّى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَوْ غَيْرِهَا . وَقَدْ سَأَلَتْ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ وَفِي آخِرِهِ كَمَا لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ غُسْلٌ إِذَا رَأَى ذَلِكَ فَلَمْ يُنْزِلْ وَسَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَبُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ) قَدَّمَتْ هَذَا الْقَوْلَ تَمْهِيدًا لِعُذْرِهَا فِي ذِكْرِ مَا يُسْتَحْيى مِنْهُ ، وَالْمُرَادُ بِالْحَيَاءِ هُنَا مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ ، إِذِ الْحَيَاءُ الشَّرْعِيُّ خَيْرٌ كُلُّهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَنَّ الْحَيَاءَ لُغَةً : تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَيُحْمَلُ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْحَيَاءِ فِي الْحَقِّ ، أَوْ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذِكْرِ الْحَقِّ . وَقَدْ يُقَالُ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ فِي الْإِثْبَاتِ . وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّفْيِ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَفْهُومُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْتَحْيِي مِنْ غَيْرِ الْحَقِّ عَادَ إِلَى جَانِبِ الْإِثْبَاتِ فَاحْتِيجَ إِلَى تَأْوِيلِهِ . قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ . قَوْلُهُ : ( هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلِ ) مِنْ زَائِدَةٌ وَقَدْ سَقَطَتْ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ . قَوْلُهُ : ( احْتَلَمَتْ ) الِاحْتِلَامُ افْتِعَالٌ مِنَ الْحُلْمِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ يُقَالُ مِنْهُ حَلَمَ بِالْفَتْحِ وَاحْتَلَمَ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا أَمْرٌ خَاصٌّ مِنْهُ وَهُوَ الْجِمَاعُ . وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا يُجَامِعُهَا فِي الْمَنَامِ أَتَغْتَسِلُ ؟ . قَوْلُهُ : ( إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ ) أَيِ الْمَنِيَّ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ هِشَامٍ إِذَا رَأَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَاءَ فَلْتَغْتَسِلْ ، وَزَادَ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : وَهَلْ تَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ ؟ وَكَذَلِكَ رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ أَصْحَابُ هِشَامٍ عَنْهُ غَيْرَ مَالِكٍ فَلَمْ يَذْكُرْهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ فِي بَابِ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ ، وَفِيهِ أَوَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ ؟ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ يَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ أَيْ أَتَرَى الْمَرْأَةُ الْمَاءَ وَتَحْتَلِمُ ؟ وَفِيهِ فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَجْهَهَا وَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنْ هِشَامٍ فَضَحِكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا تَبَسَّمَتْ تَعَجُّبًا ، وَغَطَّتْ وَجْهَهَا حَيَاءً ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ ، عَنْ هِشَامٍ فَقَالَتْ لَهَا : يَا أُمَّ سُلَيْمٍ فَضَحْتِ النِّسَاءَ وَكَذَا لِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كِتْمَانَ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِنَّ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ شَهْوَتِهِنَّ لِلرِّجَالِ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ النِّسَاءِ يَحْتَلِمْنَ ، وَعَكَسَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ النِّسَاءِ لَا يَحْتَلِمْنَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ بَطَّالٍ الْجَوَازُ لَا الْوُقُوعُ أَيْ فِيهِنَّ قَابِلِيَّةُ ذَلِكَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْإِنْزَالِ ، وَنَفَى ابْنُ بَطَّالٍ الْخِلَافَ فِيهِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ عَنِ النَّخَعِيِّ . وَكَأَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ لَمْ تَسْمَعْ حَدِيثَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ أَوْ سَمِعَتْهُ ، وَقَامَ عِنْدَهَا مَا يُوهِمُ خُرُوجَ الْمَرْأَةِ عَنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ نُدُورُ بُرُوزِ الْمَاءِ مِنْهَا . وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ لِلْمَرْأَةِ مَاءٌ ؟ فَقَالَ : هُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ إِذَا رَأَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَاءَ كَمَا يَرَاهُ الرَّجُلُ وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلٌ حَتَّى تُنْزِلَ كَمَا يُنْزِلُ الرَّجُلُ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَاءَ الْمَرْأَةِ لَا يَبْرُزُ ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ إِنْزَالُهَا بِشَهْوَتِهَا وَحُمِلَ قَوْلُهُ إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ أَيْ عَلِمَتْ بِهِ ; لِأَنَّ وُجُودَ الْعِلْمِ هُنَا مُتَعَذِّرٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ بِهِ عِلْمَهَا بِذَلِكَ وَهِيَ نَائِمَةٌ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ ; لِأَنَّ الرَّجُلَ لَوْ رَأَى أَنَّهُ جَامَعَ وَعَلِمَ أَنَّهُ أَنْزَلَ فِي النَّوْمِ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَلَمْ يَرَ بَلَلًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا ، فَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ عِلْمَهَا بِذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اسْتَيْقَظَتْ فَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ فِي الْيَقَظَةِ مَا كَانَ فِي النَّوْمِ إِنْ كَانَ مُشَاهَدًا ، فَحَمْلُ الرُّؤْيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَفِيهِ اسْتِفْتَاءُ الْمَرْأَةِ بِنَفْسِهَا وَسِيَاقُ صُوَرِ الْأَحْوَالِ فِي الْوَقَائِعِ الشَّرْعِيَّةِ لِمَا يُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ . وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَسُّمِ فِي التَّعَجُّبِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا احْتَلَمَتْ الْمَرْأَةُ · ص 462 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا احتلمت المرأة · ص 340 22 - باب إذا احتلمت المرأة 282 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عَن هشام بن عروة ، عَن أبيه ، عَن زبيب بنت أبي سلمة ، عَن أم سلمة ، أنها قالت : جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، إن الله لا يستحيي من الحق ! هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت ؟ فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نعم ، إذا رأت الماء ) . وقد خرجه البخاري في آخر ( كِتابِ العلم ) في ( باب الحياء في العلم ) بزيادة في آخره ، واقتصر في هَذا الباب على ما يحتاج إليه فيهِ . وقد خرجه مسلم من حديث عائشة ، وأنس ، ومن حديثه عَن أمه أم سليم ، وله طرق متعددة . وهذا الحديث نص على أن المرأة إذا رأت حلمًا في منامها ، ورأت الماء في اليقظة - أن عليها الغسل . وإلى هَذا ذهب جمهور العلماء ، ولا يعرف فيهِ خلاف ، إلا عَن النخعي وَهوَ شذوذ . ولعل النخعي أنكر وقوع ذَلِكَ من المرأة كَما أنكرته أم سلمة على أم سليم ، حتى قالَ لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( تربت يمينكَ ، وبم يشبهها ولدها ؟ ) فبين صلى الله عليه وسلم أن للمرأة ماء كما للرجل ، وأنها إذا رأت الماء في نومها باحتلام فإنه يجب عليها الغسل منهُ . وفي ذَلِكَ تنبيه على أن الرجل كذلك ، وأنه إذا رأى حلمًا ورأى الماء أنهُ يلزمه الغسل . وهذا مما لا اختلاف فيهِ بين العلماء . وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه من حديث علي بن زيد بن جدعان ، عَن سعيد بن المسيب ، عَن خولة بنت حكيم - أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عَن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل ، فقالَ : ( ليسَ عليها غسل حتى تنزل ، كَما أن الرجل ليسَ عليهِ غسل حتى ينزل ) . وقد روي عَن ابن المسيب مرسلًا . ولو رأى الرجل والمرأة بللًا ولم يذكرا احتلامًا ؛ فإن كانت أوصاف المني موجودة فيهِ لزمه الغسل ، وإن احتمل أن يكون منيا وأن يكون مذيًا وغير ذَلِكَ ففيه قولان : أحدهما : عليهِ الغسل ، حكاه الترمذي في ( كتابه ) عَن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، والتابعين ، وعن سفيان وأحمد . وممن روي عَنهُ أنه قالَ : يغتسل - ابن عباس ، وعطاء ، والشعبي ، والنخعي . وَهوَ قول أبي حنيفة ، وظاهر مذهب أحمد ، إلا أنهُ استثنى من ذَلِكَ أن يكون ثم سبب يقتضي خروج غير المني ، مثل أن يكون قَد سبق منهُ ملاعبته لأهله ، أو فكر قبل نومه ، أو يكون بهِ إبردة فخرج منهُ بلل بسببها ، فلم يوجب الغسل في هَذهِ الصور ؛ لأن إحالة البلل الخارج على السبب الموجود المعلوم أولى من إحالته على سبب موهوم . فإن لَم يوجد شيء من هَذهِ الأسباب لزمه الغسل ؛ لأن خروج المني من النائم بالاحتلام هوَ الأغلب ، فيحال البلل عند الشك عليهِ دونَ المذي وغيره ؛ لأن خروج ذَلِكَ في النوم أندر ، ولأن ذمته قَد اشتغلت بطهارة قطعًا ، ولا يتيقن ، بل ولا يغلب على الظن صحة صلاته بدون الإتيان بطهارة الوضوء والغسل ، فلزمه ذَلِكَ . والقول الثاني : لا غسل عليهِ بذلك حتى يتيقن أنهُ مني ، وَهوَ قول مجاهد وقتادة والحكم وحماد ومالك والشافعي وإسحاق وأبي يوسف ؛ لأن الأصل الطهارة ، فلا يجب الغسل بالشك . والقول الأول أصح . ولا يشبه هَذا من تيقن الطهارة وشك في الحدث ؛ فإن ذاك لَم يتيقن شيئًا موجبًا لطهارة في ذمته ، بل هوَ مستصحب للطهارة المتيقنة ، ولم يتيقن اشتغال ذمته بشيء ، وهذا قَد تيقن أن ذمته اشتغلت بطهارة ، فلا تبرأ ذمته بدون الإتيان بالوضوء والغسل . ورجح هَذا القول طائفة من محققي الشافعية أيضا . وأما إن رأى الرجل والمرأة احتلامًا ، ولم ير بللًا - فلا غسل عليهِ ، كَما دل عليهِ هَذا الحديث الصحيح ، وحكاه الترمذي عَن عامة أهل العلم ، وحكاه ابن المنذر إجماعًا عَن كل من يحفظ عَنهُ من أهل العلم . وحكى ابن أبي موسى من أصحابنا رواية عَن أحمد أنهُ إذا رأى في منامه احتلامًا ، ووجد لذة الإنزال في منامه ، ولم يجد بللًا عند استيقاظه - أنهُ يلزمه الغسل ، وبناه على قول الإمام أحمد المشهور عَنهُ : إن المني إذا انتقل من محله ، ولم يخرج ، فإنه يجب الغسل بانتقاله . وفي هَذا نظر ؛ فإنه قَد لا يتحقق انتقاله بمجرد وجود اللذة في النوم . وقد ورد في هَذا حديث صريح خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي من حديث عبد الله بن عمر ، عَن أخيه عبيد الله ، عَن القاسم ، عَن عائشة ، قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عَن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا ، قالَ : ( يغتسل ) . وعن الرجل يرى أنهُ قَد احتلم ، ولم يجد بللًا ، قالَ : ( لا غسل عليهِ ) . قالت أم سليم : يا رسول الله ، هل على المرأة ترى ذَلِكَ غسل ؟ قالَ : ( نعم ، إنما النساء شقائق الرجال ) . وليس عندَ ابن ماجه ( قالت أم سليم ) إلى آخره . وقد استنكر أحمد هَذا الحديث في رواية مهنا ، وقال في رواية الفضل ابن زياد : أذهب إليه . قالَ الترمذي : إنما روى هَذا عبد الله بن عمر ، وقد تكلم فيهِ يحيى القطان من قبل حفظه . قلت : وقد روي معناه أيضا من حديث كعب بن مالك . خرجه أبو نعيم في ( تاريخ أصبهان ) ، وإسناده لا يصح . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا احتلمت المرأة · ص 234 باب إذا احتلمت المرأة أي هذا باب ما يكون فيه من الحكم إذا احتلمت المرأة ، والاحتلام من الحلم ، وهو عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء ، يقال : حلم بالفتح إذا رأى ، وتحلم إذا ادعى الرؤيا كاذبا . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في كل منهما بيان حكم الاغتسال من الجنابة . فإن قلت : حكم الرجل إذا احتلم مثل حكم المرأة ، فما وجه تقييد هذا الباب بالمرأة وتخصيصه بها . قلت : الجواب عنه بوجهين : أحدهما أن صورة السؤال كانت في المرأة ، فقيد الباب بها لموافقته صورة السؤال . والثاني : فيه الإشارة إلى الرد على من منع منه في حق المرأة دون الرجل ، فنبه على أن حكم المرأة كحكم الرجل في هذا الباب ، ألا ترى كيف قال عليه الصلاة والسلام في جواب أم سليم : المرأة ترى ذلك ، أعليها الغسل ؟ نعم ، إنما النساء شقائق الرجال . رواه أبو داود والمعنى أن النساء نظائر الرجال وأمثالهم في الأخلاق والطباع ، كأنهن شققن منهن ، وحواء خلقت من آدم عليهما السلام ، والشقائق جمع شقيقة ، ومنه شقيق الرجل وهو أخوه لأبيه وأمه ، ويجمع على أشقاء أيضا بتشديد القاف ، ونسب منع هذا الحكم في المرأة إلى إبراهيم النخعي على ما روى ابن أبي شيبة في مصنفه عنه ذلك بإسناد جيد ، فكأن النووي لم يقف على هذا ، أو استبعد صحته عنه . 33 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم سلمة أم المؤمنين ، أنها قالت : جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : يا رسول الله ، إن الله لا يستحي من الحق ، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت ؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نعم ، إذا رأت الماء . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله وهم ستة : الأول :عبد الله بن يوسف التنيسي . الثاني : مالك بن أنس . الثالث : هشام بن عروة . الرابع : أبوه عروة بن الزبير بن العوام . الخامس : زينب بنت أبي سلمة ، واسم أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي ، وفي ( تهذيب التهذيب ) أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي أحد السابقين عبد الله أخو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الرضاعة ، وذكر البخاري هذا الحديث في باب الحياء في العلم ، وفيه : زينب بنت أم سلمة فنسبت زينب هناك إلى أمها ، وهاهنا إلى أبيها ، واسم أم سلمة هند بنت أبي أمية ، واسمه حذيفة ، ويقال : سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وأم سلمة أم المؤمنين كانت قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند أبي سلمة المذكور ، وزينب هي أخت سلمة ، فكنى كل واحد من أم زينب وأبيها بسلمة ، فلذلك تنسب زينب تارة إلى أبيها ببنت أبي سلمة ، وتارة إلى أمها ببنت أم سلمة ، والمعنى واحد. السادس : أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ، وأم سليم بضم السين المهملة وفتح اللام ، واختلف في اسمها ، فقيل : سهلة ، وقيل : رميلة ، وقيل : رميثة ، وقيل : مليكة ، وقيل : الغميصاء ، وقيل : الرميصاء ، وأنكره أبو داود ، وقال : الرميصاء أختها . وعند ابن سعد أنيفة ، وأنكره ابن حبان وأم سليم بنت ملحان الخزرجية النجارية والدة أنس بن مالك ، زوجة أبي طلحة كانت فاضلة دينة ، واسم أبي طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النقيب كبير القدر بدري مشهور . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع ، وهو في موضع واحد . وفيه : الإخبار كذلك في موضع واحد . وفيه : العنعنة في أربعة مواضع . وفيه القول . وفيه : ثلاث صحابيات . وفيه أن رواته مدنيون ما خلا عبد الله بن يوسف . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري في ستة مواضع في الغسل هاهنا عن عبد الله بن يوسف ، وفي الأدب عن إسماعيل وعن محمد بن المثنى وعن مالك بن إسماعيل ، وفي خلق آدم عن مسدد ، وفي العلم عن محمد بن سلام . وأخرجه مسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، وعن ابن أبي عمر . وأخرجه الترمذي في الطهارة عن ابن أبي عمر به . وأخرجه النسائي فيه ، وفي العلم عن شعيب بن يوسف . وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن ابن أبي شيبة وعلي بن محمد ، ورواه أبو داود عن أحمد بن صالح ، قال : حدثنا عنبسة عن يونس بن شهاب ، قال : قال عروة عن عائشة : إن أم سليم الأنصارية ، وهي أم أنس بن مالك قالت : يا رسول الله ، إن الله لا يستحي من الحق ، أرأيت المرأة إذا رأت في النوم ما يرى الرجل ، أتغتسل أو لا ؟ قالت عائشة : فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نعم فلتغتسل إذا وجدت الماء . قالت عائشة : فأقبلت عليها ، فقلت : أف لك ، وهل ترى ذلك المرأة ، فأقبل علي رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : تربت يمينك يا عائشة ، ومن أين يكون الشبه . ذكر الاختلاف في هذا الحديث : هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة كما رأيته ، وقد اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من طرق عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب . ورواه أيضا مسلم من رواية الزهري عن عروة ، لكن قال عن عائشة . قال أبو داود : وكذلك رواه عقيل ، والزبيدي ويونس ، وابن أخي الزهري ، وابن أبي الوزير ، عن مالك ، عن الزهري . ووافق الزهري مسافع الحجبي ، قال : عن عروة عن عائشة . وأما هشام بن عروة ، فقال : عن عروة ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم سلمة ، أن أم سليم جاءت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وقال القاضي عياض عن أهل الحديث : إن الصحيح أن القصة وقعت لأم سلمة لا لعائشة ، ونقل ابن عبد البر عن الذهلي ، أنه صحح الروايتين . قلت : قول عياض يرجح رواية هشام بن عروة . وقول أبي داود عن مسافع يرجح رواية الزهري ، وقال النووي : يحتمل أن تكون عائشة وأم سلمة جميعا أنكرتا على أم سليم . والزبيدي هو محمد بن الوليد ويونس بن يزيد ، وابن أخي الزهري اسمه محمد بن عبد الله بن مسلم ، وابن أبي الوزير اسمه إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي ، مولاهم المكي ، ومسافع بضم الميم وبالسين المهملة ، وكسر الفاء ابن عبد الله أبو سليمان القرشي الحجبي المكي . ( ذكر اختلاف ألفاظ هذا الحديث ) لفظ البخاري في باب الحياء في العلم بعد قوله : إذا رأت الماء فغطت أم سلمة يعني وجهها ، وقالت : يا رسول الله ، أوتحتلم المرأة ؟ قال : نعم ، تربت يمينك فبم يشبهها ولدها ؟ وفي لفظ له بعد قوله : إذا رأت الماء ، فضحكت أم سلمة ، فقالت : أتحتلم المرأة ، فقال : النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فبم شبه الولد ؟ وفي لفظ : قالت أم سلمة : فقلت : فضحت النساء . وعند مسلم من حديث أنس ، أن أم سليم حدثت أنها سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعائشة عنده : يا رسول الله ، المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام من نفسها ما يرى الرجل من نفسه ، فقالت عائشة : يا أم سليم ، فضحت النساء ، تربت يمينك ، فقال لها : مه ، بل أنت تربت يمينك ، نعم فلتغتسل يا أم سليم . وفي لفظ : فقالت أم سليم واستحييت من ذلك : وهل يكون هذا ؟ قال : نعم ، ماء الرجل غليظ أبيض ، وماء المرأة رقيق أصفر ، أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه ، وفي لفظ : فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل ، وفي لفظ : قالت عائشة : فقلت لها : أف لك ، أترى المرأة ذلك ؟ وفي لفظ : تربت يداك وألت ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دعيها تربت يمينك وألت ، وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك ؟ إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الرجل أخواله ، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه ، وفي لفظ أبي داود : أتغتسل أم لا ؟ فقال : فلتغتسل إذا وجدت الماء ، وفي لفظ : والمرأة عليها غسل ؟ قال : نعم ، إنما النساء شقائق الرجال ، وفي لفظ النسائي : فضحكت أم سلمة . وعند ابن أبي شيبة : وقال : هل تجد شهوة ؟ قالت : لعله . قال : تجد بللا ؟ قالت : لعله ، فقال : فلتغتسل ، فلقيها النسوة فقلن : فضحتنا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : والله ما كنت لا أنتهي حتى أعلم في حل أنا أم في حرام . وعند الطبراني في ( الأوسط ) : قلت : يا رسول الله ، أمر يقربني إلى الله ، أحببت أن أسألك عنه . قال : أصبت يا أم سليم ، فقلت... الحديث . وعند البزار: فقالت أم سلمة : وهل للنساء من ماء ؟ قال : نعم ، إنما هن شقائق الرجال . وعند ابن عمر : إذا رأت ذلك فأنزلت ، فعليها الغسل ، فقالت أم سليم : أيكون هذا ؟ وعند الإمام أحمد : أنها قالت : يا رسول الله ، إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل ؟ وعند عبد الرزاق في هذه القصة : إذا رأت أحداكن الماء كما يرى الرجل ، وقد جاء عن جماعة من الصحابيات أنهن سألن رضي الله تعالى عنهن كسؤال أم سليم منهن خولة بنت حكيم روى حديثها ابن ماجه من طريق علي بن زيد بن جدعان : ليس عليها غسل حتى تنزل كما ينزل الرجل . وبسرة ذكره ابن أبي شيبة بسند لا بأس به وسهلة بنت سهيل ، رواه الطبراني في ( الأوسط ) من حديث ابن لهيعة أكثر الكلام مضى في باب الحياء في العلم . وقال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه العلم أن الرجل إذا رأى في منامه أنه احتلم أو جامع ولم يجد بللا أن لا غسل عليه ، واختلفوا فيمن رأى بللا ولم يتذكر احتلاما ، فقالت طائفة : يغتسل . روينا ذلك عن ابن عباس والشعبي وسعيد بن جبير والنخعي ، وقال أحمد : أحب إلي أن يغتسل إلا رجل به أبردة ، وقال أبو إسحاق : يغتسل إذا كانت بلت نطفة . وروينا عن الحسن أنه قال : إذا كان انتشر إلى أهله من الليل فوجد من ذلك بلة فلا غسل عليه ، وإن لم يكن كذلك اغتسل . وفيه : قول ثالث ، وهو أن لا يغتسل حتى يوقن بالماء الدافق ، هكذا قال مجاهد : وهو قول قتادة ، وقال مالك والشافعي وأبو يوسف : يغتسل إذا علم بالماء الدافق . وقال الخطابي : ظاهره يوجب الاغتسال إذا رأى البلة ، وإن لم يتيقن أنه الماء الدافق وروي هذا القول عن جماعة من التابعين ، وقال أكثر أهل العلم : لا يجب عليه الاغتسال حتى يعلم أنه بلل الماء الدافق . وقال ابن عبد البر : فيه دليل على أن النساء ليس كلهن يحتلمن ؛ ولهذا أنكرت عائشة على أم سلمة ، وقد يعدم الاحتلام في بعض الرجال فالنساء أجدر أن يعدم ذلك فيهن ، وقد قيل : إن إنكار عائشة لذلك إنما كان لصغر سنها وكونها مع زوجها ؛ لأنها لم تحض إلا عنده، ولم تفقده فقدا طويلا إلا بموته عليه الصلاة والسلام ، فلذلك لم تعرف في حياته الاحتلام ؛ لأن الاحتلام لا يعرفه النساء ولا أكثر الرجال إلا عند عدم الرجال بعد المعرفة به ، فإذا فقد النساء أزواجهن احتلمن ، والوجه الأول عندي أصح وأولى ؛ لأن أم سلمة فقدت زوجها ، وكانت كبيرة عالمة بذلك ، وأنكرت منه ما أنكرت عائشة ، فدل ذلك على أن من النساء من لا تنزل الماء في غير الجماع الذي يكون في اليقظة . ولقائل أن يقول : إن أم سلمة أيضا تزوجت أبا سلمة شابة ، ولما توفي عنها زوجها تزوجها سيد المرسلين ، لا سيما مع شغلها بالعبادة وشبهها التي هي ، وجاء لغيرها أو تكون قالته إنكارا على أم سليم لكونها واجهت به سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوضحه فقالت أم سلمة : وغطت وجهها . وقال ابن بطال : فيه دليل على أن كل النساء يحتلمن . وفيه : دليل على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال ، ونفى ابن بطال الخلاف فيه ، وقد ذكرنا في أول الباب خلاف النخعي . وفيه رد على من زعم أن ماء المرأة لا يبرز ، وإنما تعرف إنزالها بشهوتها ، وحمل قوله : إذا رأت الماء ، أي : إذا علمت به ؛ لأن وجود العلم هنا متعذر ؛ لأن الرجل لو رأى أنه جامع وعلم أنه أنزل في النوم ، ثم استيقظ فلم ير بللا لا يجب عليه الغسل فكذلك المرأة وإن أراد علمها بذلك بعد أن استيقظت فلا يصح ؛ لأنه لا يستمر في اليقظة ما كان في النوم إلا إن كان مشاهدا ، فحمل الكلام على ظاهره هو الصواب ، فإن قلت : قد جاء عن أم سلمة : فضحكت ، وجاء : فغطت وجهها فما التوفيق بينهما . قلت : معنى ضحكت تبسمت تعجبا وغطت وجهها حياء ، ومعنى تربت يمينك في الأصل لا أصابت خيرا غير أن في ( لسان العرب ) يطلق ذلك وأمثالها ويراد به المدح ، وفي كتاب ( أدب الخواص ) للوزير أبي القاسم المغربي ، وفي كتاب ( الأيك والغصون ) لأبي العلاء المعري معنى قوله : ترتب يمينك ، أي : افتقرت من العلم مما سألت عنه أم سليم ، وفي ( المحكم ) : ترب الرجل صار في يده التراب ، وترب تربا لصق بالتراب من الفقر ، وترب تربا ومتربة خسر وافتقر ، وحكى قطرب ترب وأترب . قوله : وألت بعد قوله : تربت يمينك معناه صاحت لما أصابها من شدة هذا الكلام ، وروي ألت بضم الهمزة مع التشديد ، أي : طعنت بالآلة وهي الحربة العريضة النصل .