15 - بَاب مَا يُحْذَرُ مِنْ الْغَدْرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ الآية 3176 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ بُسْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ قَالَ : سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ - وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ - فَقَالَ : اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ : مَوْتِي ، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا ، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنْ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ ، فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُحْذَرُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مُخَفَّفًا وَمُثَقَّلًا ( مِنَ الْغَدْرِ ) . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ الْآيَةَ ) هُوَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى لَفْظِ الْغَدْرِ ، وَحَسْبُ بِإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ كَافٍ . وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ احْتِمَالَ طَلَبِ الْعَدُوِّ لِلصُّلْحِ خَدِيعَةً لَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِجَابَةِ إِذَا ظَهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ ، بَلْ يُعْزَمُ وَيُتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ بُسْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ شَامِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ ، وَفِي تَصْرِيحِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ بِالسَّمَاعِ لَهُ مِنْ بُسْرٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ دُحَيْمٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، فَزَادَ فِي الْإِسْنَادِ زَيْدَ بْنَ وَاقِدٍ فَهُوَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طُرُقٍ لَيْسَ فِيهَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ . قَوْلُهُ : ( أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْمُؤَمَّلِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنِ الْوَلِيدِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ . فَقَالَ ادْخُلْ . فَقُلْتُ : أَكُلِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : كُلُّكَ . فَدَخَلْتُ فَقَالَ الْوَلِيدُ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مِنْ صِغَرِ الْقُبَّةِ . قَوْلُهُ : ( سِتًّا ) أَيْ سِتَّ عَلَامَاتٍ لِقِيَامِ السَّاعَةِ ، أَوْ لِظُهُورِ أَشْرَاطِهَا الْمُقْتَرِبَةِ مِنْهَا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ مُوتَانِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ، قَالَ الْقَزَّازُ : هُوَ الْمَوْتُ . وَقَالَ غَيْرُهُ الْمَوْتُ الْكَثِيرُ الْوُقُوعِ ، وَيُقَالُ بِالضَّمِّ لُغَةُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ يَفْتَحُونَهَا . وَيُقَالُ لِلْبَلِيدِ مَوْتَانُ الْقَلْبِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالسُّكُونِ ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : يَغْلَطُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فَيَقُولُ مَوَتَانٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ ، وَإِنَّمَا ذَاكَ اسْمُ الْأَرْضِ الَّتِي لَمْ تُحْيَا بِالزَّرْعِ وَالْإِصْلَاحِ . ( تَنْبِيهٌ ) : فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ ثُمَّ مَوْتَتَانِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ . قَوْلُهُ : ( كَعُقَاصِ الْغَنَمِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفُ الْقَافِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ ، هُوَ دَاءٌ يَأْخُذُ الدَّوَابَّ فَيَسِيلُ مِنْ أُنُوفِهَا شَيْءٌ فَتَمُوتُ فَجْأَةً . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : وَمِنْهُ أُخِذَ الْإِقْعَاصُ وَهُوَ الْقَتْلُ مَكَانَهُ . وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : الْعِقَاصُ دَاءٌ يَأْخُذُ فِي الصَّدْرِ كَأَنَّهُ يَكْسِرُ الْعُنُقَ . وَيُقَالُ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ ظَهَرَتْ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ ) أَيْ كَثْرَتُهُ ، وَظَهَرَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ عِنْدَ تِلْكَ الْفُتُوحِ الْعَظِيمَةِ ، وَالْفِتْنَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا افْتُتِحَتْ بِقَتْلِ عُثْمَانَ ، وَاسْتَمَرَّتِ الْفِتَنُ بَعْدَهُ ، وَالسَّادِسَةُ لَمْ تَجِئْ بَعْدُ . قَوْلُهُ : ( هُدْنَةٌ ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ هِيَ الصُّلْحُ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ بَعْدَ التَّحَرُّكِ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( بَنِي الْأَصْفَرِ ) هُمُ الرُّومُ . قَوْلُهُ : ( غَايَةٍ ) أَيْ رَايَةٍ ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا غَايَةُ الْمُتَّبِعِ إِذَا وَقَفَتْ وَقَفَ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ذِي مِخْبَرٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي نَحْوِ هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ رَايَةٍ بَدَلَ غَايَةٍ . وَفِي أَوَّلِهِ سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا أَمْنًا ، ثُمَّ تَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا فَتُنْصَرُونَ ، ثُمَّ تَنْزِلُونَ مَرْجًا فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصَّلِيبِ الصَّلِيبَ ، فَيَقُولُ : غَلَبَ الصَّلِيبُ ، فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَقُومُ إِلَيْهِ فَيَدْفَعُهُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وَيَجْتَمِعُونَ لِلْمَلْحَمَةِ فَيَأْتُونَ فَذَكَرَهُ . وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إِذَا وَقَعَتِ الْمَلَاحِمُ بَعَثَ اللَّهُ بَعْثًا مِنَ الْمَوَالِي يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِمُ الدِّينَ ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَرْفُوعًا : الْمَلْحَمَةُ الْكُبْرَى وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَفَعَهُ : بَيْنَ الْمَلْحَمَةِ وَفَتْحِ الْمَدِينَةِ سِتُّ سِنِينَ ، وَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي السَّابِعَةِ وَإِسْنَادُهُ أَصَحُّ مِنْ إِسْنَادِ حَدِيثِ مُعَاذٍ ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : رَوَاهُ بَعْضُهُمْ غَابَةٍ بِمُوَحَّدَةٍ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْغَابَةُ الْأَجَمَةُ كَأَنَّهُ شَبَّهَ كَثْرَةَ الرِّمَاحِ بِالْأَجَمَةِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْغَابَةُ الْغَيْضَةُ ، فَاسْتُعِيرَتْ لِلرَّايَاتِ تُرْفَعُ لِرُؤَسَاءِ الْجَيْشِ لِمَا يُشْرَعُ مَعَهَا مِنَ الرِّمَاحِ ، وَجُمْلَةُ الْعَدَدِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ تِسْعُمِائَةِ أَلْفٍ وَسِتُّونَ أَلْفًا ، وَلَعَلَّ أَصْلَهُ أَلْفُ أَلْفٍ فَأُلْغِيَتْ كُسُورُهُ . وَوَقَعَ مِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ذِي مِخْبَرٍ ، وَلَفْظُهُ : فَيَجْتَمِعُونَ لِلْمَلْحَمَةِ ، فَيَأْتُونَ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَابَةً تَحْتَ كُلِّ غَابَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ : تَذَاكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ وَشَيْخُنَا مِنْ شُيُوخِ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَكَانَ فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عُمْرَانَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ : الْمُهَلَّبُ فِيهِ أَنَّ الْغَدْرَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ . وَفِيهِ أَشْيَاءُ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ قَدْ ظَهَرَ أَكْثَرُهَا . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : أَمَّا قِصَّةُ الرُّومِ فَلَمْ يَجْتَمِعْ إِلَى الْآنَ وَلَا بَلَغَنَا أَنَّهُمْ غَزَوْا فِي الْبَرِّ فِي هَذَا الْعَدَدِ فَهِيَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ بَعْدُ . وَفِيهِ بِشَارَةٌ وَنِذَارَةٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَثْرَةِ ذَلِكَ الْجَيْشِ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عَدَدَ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ سَيَكُونُ أَضْعَافَ مَا هُوَ عَلَيْهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ لِمُعَاذٍ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِي : اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ ، فَقَدْ وَقَعَ مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ ، يَعْنِي : مَوْتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالطَّاعُونَ ، قَالَ : وَبَقِيَ ثَلَاثٌ ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ : إنَّ لِهَذَا أَهْلًا . وَوَقَعَ فِي الْفِتَنِ لِنُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ تَكُونُ فِي زَمَنِ الْمَهْدِيِّ عَلَى يَدِ مَلِكٍ مِنْ آلِ هِرَقْلَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُحْذَرُ مِنْ الْغَدْرِ · ص 319 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يحذر من الغدر · ص 98 باب ما يحذر من الغدر أي هذا باب في بيان ما يحذر من سوء الغدر وهو ضد الوفاء ونقض العهد ، يحذر على صيغة المجهول من حذر ويحذر حذرا ، ويروى يحذر بالتشديد من التحذير . وقوله تعالى : وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ الآية . وقوله بالجر عطفا على ما يحذر لأنه مجرور بالإضافة ، تقديره وفي بيان قوله تعالى وَإِنْ يُرِيدُوا أي وإن يرد الكفار بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ أي كافيك وحده . وهذه الآية بعد قوله وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ وبعدها ذكر نعمة الله عليه بقوله هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ أي جمعها على الإيمان بك وعلى طاعتك ومناصرتك ، فإنك ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم . 17 - حدثنا الحميدي ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر ، قال : سمعت بسر بن عبيد الله أنه سمع أبا إدريس ، قال : سمعت عوف بن مالك ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم ، فقال : اعدد ستا بين يدي الساعة : موتي ، ثم فتح بيت المقدس ، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم ، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا ، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته ، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا . مطابقته للترجمة في قوله فيغدرون . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : الحميدي ، وهو عبد الله بن الزبير بن عيسى ونسبته إلى أحد أجداده . الثاني : الوليد بن مسلم القرشي أبو العباس . الثالث : عبد الله بن العلاء بن زبر بفتح الزاي وسكون الباء الموحدة والراء ، الربعي بفتح الراء والباء الموحدة وبالعين المهملة . الرابع : بسر بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة ، وفي آخره راء ابن عبيد الله الحضرمي . الخامس : أبو إدريس عائذ الله بالعين المهملة والهمزة بعد الألف وبالذال المعجمة . وقال ابن الأثير : بكسر الياء آخر الحروف بعد الألف ، الخولاني بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبالنون . السادس : عوف بن مالك الأشجعي ، مات بالشام سنة ثلاث وسبعين . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه السماع في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن هؤلاء كلهم شاميون إلا شيخ البخاري فإنه مكي ، وفيه عبد الله بن العلاء : سمعت بسر بن عبيد الله ، ووقع في رواية الطبراني من طريق دحيم عن الوليد عن عبد الله بن العلاء ، عن زيد بن واقد ، عن بسر بن عبيد الله ، ولا يضر هذا رواية البخاري فإن عبد الله بن العلاء صرح بالسماع عن بسر ، وكذا في رواية أبي داود وابن ماجه وغيرهما مثل رواية البخاري ليس فيها زيد بن واقد . وأبو داود أخرجه في الأدب عن مؤمل بن الفضل وعن صفوان بن صالح ، وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن دحيم عن الوليد بن مسلم . ( ذكر معناه ) قوله في غزوة تبوك كانت في سنة . . قوله وهو في قبة من أدم القبة بضم القاف وتشديد الباء الموحدة الخرقاهة ، وكل بناء مدور فهو قبة ، والجمع قباب وقبية . والأدم بفتحتين اسم لجمع أديم ، وهو الجلد المدبوغ المصلح بالدباغ . قوله ستا أي ست علامات لقيام القيامة ، قوله ثم موتان بضم الميم وسكون الواو ، قال القزاز : هو الموت ، وقال غيره : الموت الكثير الوقوع ، ويقال : بالضم لغة تميم وغيرهم يفتحونها ، ويقال للبليد موتان القلب بفتح الميم والسكون ، وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى : يغلط بعض المحدثين فيقول بضم الميم والواو وإنما ذاك اسم الأرض التي لم تحز بالزرع والإصلاح ، ووقع في رواية ابن السكن ثم موتتان بلفظ التثنية ولا وجه له هنا ، قوله كقعاص الغنم بضم القاف وتخفيف العين المهملة وبعد الألف صاد مهملة ، وهو داء يأخذ الغنم فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجاءة وكذلك غيرها من الدواب . وقال ابن فارس : القعاص داء يأخذ في الصدر كأنه يكسر العنق ، وقيل : هو الهلاك المعجل ، وبعضهم ضبطه بتقديم العين على القاف ولم أر ذلك في شرح من شروح البخاري ، وما ذكره ابن الأثير وابن قرقول وغيرهما إلا بتقديم القاف على العين . قوله ثم استفاضة المال ، والاستفاضة من فاض الماء والدمع وغيرهما إذا كثر ، قوله فيظل ساخطا أي يبقى ساخطا استقلالا للمبلغ وتحقيرا له ، قوله ثم هدنة الهدنة بضم الهاء الصلح وأصل الهدنة السكون ، يقال : هدن يهدن ، فسمي الصلح على ترك القتال هدنة ومهادنة لأنه سكون عن القتال بعد التحرك فيه . قوله بني الأصفر هم الروم ، قوله غاية بالغين المعجمة وبالياء آخر الحروف الراية ، وقال ابن الجوزي : رواه بعضهم بالباء الموحدة وهي الأجمة وشبه كثرة الرماح للعسكر بها فاستعيرت له ، يعني يأتون قريبا من ألف ألف رجل . قاله الكرماني ، وقال غيره : الجملة في الحساب تسعمائة ألف وستون ألفا ، وقال الخطابي : الغاية الغيضة فاستعيرت للرايات ترفع لرؤساء الجيش ، وقال الجواليقي : غاية وراية واحد لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف وإذا مشت تبعها ، وهذه الست المذكورة ظهرت منها الخمس : موت النبي صلى الله عليه وسلم ، وفتح بيت المقدس ، والموتان كان في طاعون عمواس زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مات فيه سبعون ألفا في ثلاثة أيام ، واستفاضة المال كانت في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه عند تلك الفتوح العظيمة والفتنة استمرت بعده ، والسادسة لم تجئ بعد . وروى ابن دحية من حديث حذيفة مرفوعا : إن الله تعالى يرسل ملك الروم وهو الخامس من أولاد هرقل ، يقال له صمارة ، فيرغب إلى المهدي في الصلح وذلك لظهور المسلمين على المشركين ، فيصالحه إلى سبعة أعوام ، فيضع عليهم الجزية عن يد وهم صاغرون ولا يبقى لرومي حرمة ، ويكسر لهم الصليب ثم يرجع المسلمون إلى دمشق فإذا هم كذلك إذا رجل من الروم قد التفت فرأى أبناء الروم وبناتهم في القيود ، فرفع الصليب ورفع صوته وقال : ألا من كان يعبد الصليب فلينصره ، فيقوم إليه رجل من المسلمين فيكسر الصليب ويقول : الله أغلب وأعز ، فحينئذ يغدرون وهم أولى بالغدر فيجتمع عند ذلك ملوك الروم خفية فيأتون إلى بلاد المسلمين وهم على غفلة مقيمين على الصلح ، فيأتون إلى أنطاكية في اثني عشر ألف راية تحت كل راية اثنى عشر ألفا ، فعند ذلك يبعث المهدي إلى أهل الشام والحجاز والكوفة والبصرة والعراق يستنصر بهم ، فيبعث إليه أهل الشرق أنه قد جاءنا عدو من أهل خراسان شغلنا عنك ، فيأتي إليه بعض أهل الكوفة والبصرة فيخرج بهم إلى دمشق وقد مكث الروم فيها أربعين يوما يفسدون ويقتلون ، فينزل الله صبره على المسلمين فيخرجون إليهم فيشتد الحرب بينهم ، ويستشهد من المسلمين خلق كثير ، فيا لها من وقعة ومقتلة ! ما أعظمها وأعظم هولها ! ويرتد من العرب يومئذ أربع قبائل سليم وفهد وغسان وطي فيلحقون بالروم ، ثم إن الله ينزل الصبر والنصر والظفر على المؤمنين ويغضب على الكافرين ، فعصابة المسلمين يومئذ خير خلق الله تعالى والمخلصين من عباده ، وليس فيهم مارد ولا مارق ولا شارد ولا مرتاب ولا منافق ، ثم إن المسلمين يدخلون إلى بلاد الروم ويكبرون على المدائن والحصون فتقع أسوارها بقدرة الله تعالى ، فيدخلون المدائن والحصون ويغنمون الأموال ويسبون النساء والأطفال ، وتكون أيام المهدي أربعين سنة ، عشر منها بالمغرب واثني عشر سنة بالمدينة واثني عشر سنة بالكوفة وستة بمكة ، وتكون منيته فجاءة .