باب ما يحذر من الغدر
حدثنا الحميدي ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر ، قال : سمعت بسر بن عبيد الله أنه سمع أبا إدريس ، قال : سمعت عوف بن مالك ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم ، فقال : اعدد ستا بين يدي الساعة : موتي ، ثم فتح بيت المقدس ، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم ، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا ، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته ، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا . مطابقته للترجمة في قوله فيغدرون . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : الحميدي ، وهو عبد الله بن الزبير بن عيسى ونسبته إلى أحد أجداده .
الثاني : الوليد بن مسلم القرشي أبو العباس . الثالث : عبد الله بن العلاء بن زبر بفتح الزاي وسكون الباء الموحدة والراء ، الربعي بفتح الراء والباء الموحدة وبالعين المهملة . الرابع : بسر بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة ، وفي آخره راء ابن عبيد الله الحضرمي .
الخامس : أبو إدريس عائذ الله بالعين المهملة والهمزة بعد الألف وبالذال المعجمة . وقال ابن الأثير : بكسر الياء آخر الحروف بعد الألف ، الخولاني بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبالنون . السادس : عوف بن مالك الأشجعي ، مات بالشام سنة ثلاث وسبعين .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه السماع في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن هؤلاء كلهم شاميون إلا شيخ البخاري فإنه مكي ، وفيه عبد الله بن العلاء : سمعت بسر بن عبيد الله ، ووقع في رواية الطبراني من طريق دحيم عن الوليد عن عبد الله بن العلاء ، عن زيد بن واقد ، عن بسر بن عبيد الله ، ولا يضر هذا رواية البخاري فإن عبد الله بن العلاء صرح بالسماع عن بسر ، وكذا في رواية أبي داود وابن ماجه وغيرهما مثل رواية البخاري ليس فيها زيد بن واقد . وأبو داود أخرجه في الأدب عن مؤمل بن الفضل وعن صفوان بن صالح ، وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن دحيم عن الوليد بن مسلم . ( ذكر معناه ) قوله في غزوة تبوك كانت في سنة .
قوله وهو في قبة من أدم القبة بضم القاف وتشديد الباء الموحدة الخرقاهة ، وكل بناء مدور فهو قبة ، والجمع قباب وقبية . والأدم بفتحتين اسم لجمع أديم ، وهو الجلد المدبوغ المصلح بالدباغ . قوله ستا أي ست علامات لقيام القيامة ، قوله ثم موتان بضم الميم وسكون الواو ، قال القزاز : هو الموت ، وقال غيره : الموت الكثير الوقوع ، ويقال : بالضم لغة تميم وغيرهم يفتحونها ، ويقال للبليد موتان القلب بفتح الميم والسكون ، وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى : يغلط بعض المحدثين فيقول بضم الميم والواو وإنما ذاك اسم الأرض التي لم تحز بالزرع والإصلاح ، ووقع في رواية ابن السكن ثم موتتان بلفظ التثنية ولا وجه له هنا ، قوله كقعاص الغنم بضم القاف وتخفيف العين المهملة وبعد الألف صاد مهملة ، وهو داء يأخذ الغنم فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجاءة وكذلك غيرها من الدواب .
وقال ابن فارس : القعاص داء يأخذ في الصدر كأنه يكسر العنق ، وقيل : هو الهلاك المعجل ، وبعضهم ضبطه بتقديم العين على القاف ولم أر ذلك في شرح من شروح البخاري ، وما ذكره ابن الأثير وابن قرقول وغيرهما إلا بتقديم القاف على العين . قوله ثم استفاضة المال ، والاستفاضة من فاض الماء والدمع وغيرهما إذا كثر ، قوله فيظل ساخطا أي يبقى ساخطا استقلالا للمبلغ وتحقيرا له ، قوله ثم هدنة الهدنة بضم الهاء الصلح وأصل الهدنة السكون ، يقال : هدن يهدن ، فسمي الصلح على ترك القتال هدنة ومهادنة لأنه سكون عن القتال بعد التحرك فيه . قوله بني الأصفر هم الروم ، قوله غاية بالغين المعجمة وبالياء آخر الحروف الراية ، وقال ابن الجوزي : رواه بعضهم بالباء الموحدة وهي الأجمة وشبه كثرة الرماح للعسكر بها فاستعيرت له ، يعني يأتون قريبا من ألف ألف رجل .
قاله الكرماني ، وقال غيره : الجملة في الحساب تسعمائة ألف وستون ألفا ، وقال الخطابي : الغاية الغيضة فاستعيرت للرايات ترفع لرؤساء الجيش ، وقال الجواليقي : غاية وراية واحد لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف وإذا مشت تبعها ، وهذه الست المذكورة ظهرت منها الخمس : موت النبي صلى الله عليه وسلم ، وفتح بيت المقدس ، والموتان كان في طاعون عمواس زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مات فيه سبعون ألفا في ثلاثة أيام ، واستفاضة المال كانت في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه عند تلك الفتوح العظيمة والفتنة استمرت بعده ، والسادسة لم تجئ بعد . وروى ابن دحية من حديث حذيفة مرفوعا : إن الله تعالى يرسل ملك الروم وهو الخامس من أولاد هرقل ، يقال له صمارة ، فيرغب إلى المهدي في الصلح وذلك لظهور المسلمين على المشركين ، فيصالحه إلى سبعة أعوام ، فيضع عليهم الجزية عن يد وهم صاغرون ولا يبقى لرومي حرمة ، ويكسر لهم الصليب ثم يرجع المسلمون إلى دمشق فإذا هم كذلك إذا رجل من الروم قد التفت فرأى أبناء الروم وبناتهم في القيود ، فرفع الصليب ورفع صوته وقال : ألا من كان يعبد الصليب فلينصره ، فيقوم إليه رجل من المسلمين فيكسر الصليب ويقول : الله أغلب وأعز ، فحينئذ يغدرون وهم أولى بالغدر فيجتمع عند ذلك ملوك الروم خفية فيأتون إلى بلاد المسلمين وهم على غفلة مقيمين على الصلح ، فيأتون إلى أنطاكية في اثني عشر ألف راية تحت كل راية اثنى عشر ألفا ، فعند ذلك يبعث المهدي إلى أهل الشام والحجاز والكوفة والبصرة والعراق يستنصر بهم ، فيبعث إليه أهل الشرق أنه قد جاءنا عدو من أهل خراسان شغلنا عنك ، فيأتي إليه بعض أهل الكوفة والبصرة فيخرج بهم إلى دمشق وقد مكث الروم فيها أربعين يوما يفسدون ويقتلون ، فينزل الله صبره على المسلمين فيخرجون إليهم فيشتد الحرب بينهم ، ويستشهد من المسلمين خلق كثير ، فيا لها من وقعة ومقتلة ! ما أعظمها وأعظم هولها ! ويرتد من العرب يومئذ أربع قبائل سليم وفهد وغسان وطي فيلحقون بالروم ، ثم إن الله ينزل الصبر والنصر والظفر على المؤمنين ويغضب على الكافرين ، فعصابة المسلمين يومئذ خير خلق الله تعالى والمخلصين من عباده ، وليس فيهم مارد ولا مارق ولا شارد ولا مرتاب ولا منافق ، ثم إن المسلمين يدخلون إلى بلاد الروم ويكبرون على المدائن والحصون فتقع أسوارها بقدرة الله تعالى ، فيدخلون المدائن والحصون ويغنمون الأموال ويسبون النساء والأطفال ، وتكون أيام المهدي أربعين سنة ، عشر منها بالمغرب واثني عشر سنة بالمدينة واثني عشر سنة بالكوفة وستة بمكة ، وتكون منيته فجاءة .