باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر
حدثني محمد بن المثنى ، قال : حدثنا يحيى ، قال : حدثنا هشام ، قال : حدثني أبي ، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يخيل إليه أنه صنع شيئا ولم يصنعه . مطابقته للترجمة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم سحره يهودي وعفا عنه كما ذكرنا عن قريب ، فإن قلت : ليس في الترجمة ما ذكرته ، قلت : تتمة القصة تدل عليه ، ويحيى هو ابن سعيد القطان ، وهشام هو ابن عروة بن الزبير يروي عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها . قوله سحر على صيغة المجهول ، واسم اليهودي الذي سحره لبيد بن أعصم ذكر في تفسير النسفي عن ابن عباس ، وعائشة رضي الله تعالى عنهم : كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدنت إليه اليهود ، فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه فأعطاها اليهود ، فسحروه فيها ، وكان الذي تولى ذلك رجل منهم يقال له لبيد بن أعصم ، ثم دسها في بئر لبني زريق يقال لها ذروان ، ويقال : أروان ، فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر شعر رأسه ، ولبث ستة أشهر يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ، وجعل يذوب ولا يدري ما عراه ويخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله ، فبينا هو نائم إذ أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه : ما بال الرجل ؟ قال : طب ، قال : وما طب ؟ قال : سحر ، قال : ومن سحره ؟ قال : لبيد بن الأعصم اليهودي ، قال : وبم طبه ؟ قال : بمشط وبمشاطة ، قال : وأين هو ؟ قال : في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ذروان ، والجف قشر الطلع والراعوفة صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقي عليها ، فانتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم مذعورا ، فقال : يا عائشة ، أما شعرت أن الله تعالى أخبرني بدائي ؟ ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا والزبير وعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهم فنزحوا ماء تلك البئر وكأنه نقاعة الحناء ، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطه ، وإذا وتر معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغرزة بالإبر ، فأنزل الله تعالى المعوذتين ، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ، ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة حين انحلت العقدة الأخيرة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال ، وجعل جبريل عليه الصلاة والسلام يقول : بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من عين وحاسد والله يشفيك ، فقالوا : يا رسول الله ، أفلا نأخذ الخبيث فنقتله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : أما أنا فقد شفاني الله وأكره أن أثير على الناس شرا ، قالت عائشة : ما غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا ينتقم من أحد لنفسه قط إلا أن يكون شيئا هو لله فيغضب لله وينتقم ، وسيأتي هذا في كتاب الطب عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، قوله يخيل إليه على صيغة المجهول .
وقد اعترض بعض الملحدين على حديث عائشة ، وقالوا : كيف يجوز السحر على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والسحر كفر وعمل من أعمال الشياطين ؟ فكيف يصل ضرره إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع حياطة الله له وتسديده إياه بملائكته وصون الوحي عن الشياطين ؟ وأجيب بأن هذا اعتراض فاسد وعناد للقرآن لأن الله تعالى قال لرسوله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾إلى قوله : فِي الْعُقَدِ والنفاثات السواحر في العقد كما ينفث الراقي في الرقية حين سحر ، وليس في جواز ذلك عليه ما يدل على أن ذلك يلزمه أبدا أو يدخل عليه داخلة في شيء من ذاته أو شريعته ، وإنما كان له من ضرر السحر ما ينال المريض من ضرر الحمى والبرسام من ضعف الكلام وسوء التخيل ، ثم زال ذلك عنه وأبطل الله كيد السحر ، وقد قام الإجماع على عصمته في الرسالة ، والله الموفق .