بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 60 - كِتَاب أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ 1 - بَاب خَلْقِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ صَلْصَالٍ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ فَصَلْصَلَ ، كَمَا يُصَلْصِلُ الْفَخَّارُ ، وَيُقَالُ : مُنْتِنٌ يُرِيدُونَ بِهِ صَلَّ ، كَمَا يُقَالُ صَرَّ الْبَابُ ، وَصَرْصَرَ عِنْدَ الْإِغْلَاقِ ، مِثْلُ كَبْكَبْتُهُ يَعْنِي كَبَبْتُهُ . فَمَرَّتْ بِهِ اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ ، أَلا تَسْجُدَ أَنْ تَسْجُدَ . وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ . فِي كَبَدٍ فِي شِدَّةِ خَلْقٍ . وَرِيَاشًا : الْمَالُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ : وَهُوَ مَا ظَهَرَ مِنْ اللِّبَاسِ . مَا تُمْنُونَ النُّطْفَةُ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ النُّطْفَةُ فِي الْإِحْلِيلِ . كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ، فَهُوَ شَفْعٌ السَّمَاءُ شَفْعٌ ، وَالْوَتْرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ فِي أَحْسَنِ خَلْقٍ . أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا مَنْ آمَنَ . خُسْرٍ ضَلَالٍ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فقال : إِلَّا مَنْ آمَنَ . لازِبٍ لَازِمٌ . نُنْشِئُكُمْ فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ . نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ نُعَظِّمُكَ ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَهُوَ قَوْلُهُ : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا فَأَزَلَّهُمَا فَاسْتَزَلَّهُمَا . وَيَتَسَنَّهْ : يَتَغَيَّرْ . آسِنٌ : مُتَغَيِّرٌ . وَالْمَسْنُونُ : الْمُتَغَيِّرُ . حَمَإٍ جَمْعُ حَمْأَةٍ ، وَهُوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ . يَخْصِفَانِ أَخْذُ الْخِصَافِ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ وَيَخْصِفَانِ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ . سَوْآتُهُمَا كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا . وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ هَاهُنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . الْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ : مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهُ . قَبِيلُهُ : جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ . 3326 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، ثُمَّ قَالَ : اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، فَاسْتَمِعْ ، مَا يُحَيُّونَكَ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَالُوا : السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُ اللَّهِ ، فَزَادُوهُ : وَرَحْمَتُ اللَّهِ ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ ، فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ . قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : كِتَابُ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيٍّ بْنِ شَبُّوَيْهِ نَحْوَهُ ، وَقَدَّمَ الْآيَةَ الْآتِيَةَ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الْبَابِ ، وَوَقَعَ فِي ذِكْرِ عَدَدِ الْأَنْبِيَاءِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا أَنَّهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا ، الرُّسُلُ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ . صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ . وَالْأَنْبِيَاءُ جَمْعُ نَبِيٍّ ، وَقَدْ قُرِئَ بِالْهَمْز ، فَقِيلَ : هُوَ الْأَصْلُ ، وَتَرْكُهُ تَسْهِيلٌ ، وَقِيلَ الَّذِي بِالْهَمْزِ مِنَ النَّبَأِ ، وَالَّذِي بِغَيْرِ هَمْزٍ مِنَ النُّبُوَّةِ وَهِيَ الرِّفْعَةُ ، وَالنُّبُوَّةُ نِعْمَةٌ يَمُنُّ بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَلَا يَبْلُغُهَا أَحَدٌ بِعِلْمِهِ وَلَا كَشْفِهِ وَلَا يَسْتَحِقُّهَا بِاسْتِعْدَادِ وِلَايَتِهِ ، وَمَعْنَاهَا الْحَقِيقِيُّ شَرْعًا مَنْ حَصَلَتْ لَهُ النُّبُوَّةُ . وَلَيْسَتْ رَاجِعَةٌ إِلَى جِسْمِ النَّبِيِّ وَلَا إِلَى عَرَضٍ مِنْ أَعْرَاضِهِ ، بَلْ وَلَا إِلَى عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا ، بَلِ الْمَرْجِعُ إِلَى إِعْلَامِ اللَّهِ لَهُ بِأَنِّي نَبَّأْتُكَ أَوْ جَعَلْتُكَ نَبِيًّا . وَعَلَى هَذَا فَلَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ كَمَا لَا تَبْطُلُ بِالنَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ خَلْقِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ آثَارًا ، ثُمَّ أَحَادِيثَ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ ، وَمِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَغَيْرِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ فَجَعَلَهُ طِينًا ثُمَّ تَرَكَهُ ، حَتَّى إِذَا كَانَ حَمَأً مَسْنُونًا خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ ، حَتَّى إِذَا كَانَ صَلْصَالًا كَالْفَخَّارِ كَانَ إِبْلِيسُ يَمُرُّ بِهِ فَيَقُولُ : لَقَدْ خُلِقْتَ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ ; ثُمَّ نَفَخَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ . وَكَانَ أَوَّلُ مَا جَرَى فِيهِ الرُّوحَ بَصَرَهُ وَخَيَاشِيمَهُ ، فَعَطَسَ فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ . فَقَالَ اللَّهُ : يَرْحَمُكَ رَبُّكَ ، الْحَدِيثَ . وَفِي الْبَابِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ : مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا : أنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ . الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ . وَمِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ رَفَعَهُ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ تَرَكَهُ مَا شَاءَ أَنْ يَدَعَهُ ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يَطِيفُ بِهِ ; فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَتَمَالَكُ . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ . وَآدَمُ اسْمٌ سُرْيَانِيٌّ وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ آدَامُ بِإِشْبَاعِ فَتْحَةِ الدَّالِ بِوَزْنِ خَانَامَ وَزنة فَاعَالُ ، وَامْتَنَعَ صَرْفُهُ لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ . وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ : التُّرَابُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ آدَامُ ، فَسُمِّيَ آدَمُ بِهِ ، وَحُذِفَتِ الْأَلِفُ الثَّانِيَةُ . وَقِيلَ : هُوَ عَرَبِيٌّ ، جَزَمَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ ، وَالْجَوَالِيقِيُّ . وَقِيلَ : هُوَ بِوَزْنِ أَفْعَلَ مِنَ الْأَدْمَةِ ، وَقِيلَ : مِنَ الْأَدِيمِ ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ وَهَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنه يَكُونَ كَأَعْيَنَ ، وَمَنْعُ الصَّرْفِ لِلْوَزْنِ وَالْعَلَمِيَّةِ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنْ أَدَمْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِذَا خَلَطْتُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَاءً وَطِينًا فَخُلِطَا جَمِيعًا . قَوْلُهُ : ( صَلْصَالٌ : طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ فَصَلْصَلَ كَمَا يُصَلْصِلُ الْفَخَّارُ ) هُوَ تَفْسِيرُ الْفَرَّاءِ ، هَكَذَا ذَكَرَهُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الصَّلْصَالُ الْيَابِسُ الَّذِي لَمْ تُصِبْهُ نَارٌ ، فَإِذَا نَقَرْتَهُ صَلَّ فَسُمِعَتْ لَهُ صَلْصَلَةٌ ، فَإِذَا طُبِخَ بِالنَّارِ فَهُوَ فَخَّارٌ . وَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ صَوْتٌ فَهُوَ صَلْصَالٌ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ : مُنْتِنٌ ، يُرِيدُونَ بِهِ صَلَّ ، كَمَا يَقُولُونَ : صَرَّ الْبَابُ وَصَرْصَرَ عِنْدَ الْإِغْلَاقِ ، مِثْلَ كَبْكَبْتُهُ يَعْنِي كَبَبْتُهُ ) أَمَّا تَفْسِيرُهُ بِالْمُنْتِنِ فَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَرَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُنْتِنَ تَفْسِيرُهُ الْمَسْنُونُ ، وَأَمَّا بَقِيَّتُهُ فَكَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ . قَوْلُهُ : ( فَمَرَّتْ بِهِ : اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ . قَوْلُهُ : ( أَلا تَسْجُدَ : أَنْ تَسْجُدَ ) يَعْنِي أَنَّ لَا زَائِدَةٌ ، وَأَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَكَذَا قَالَهُ وَزَادَ : وَ لَا مِنْ حُرُوفِ الزَّوَائِدِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَتُلِحِّينَنِي فِي اللَّهْوِ أَنْ لَا أُحِبَّهُ وَلِلَّهْوِ دَاعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ وَقِيلَ : لَيْسَتْ زَائِدَةٌ ، بَلْ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ ، فَحَمَلَكَ عَلَى أَلا تَسْجُدَ ؟ قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ، كَذَا وَقَعَ هُنَا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبُّوَيْهِ فِي صَدْرِ التَّرْجَمَةِ ، وَهُوَ أَوْلَى ، وَمِثْلُهُ لِلنَّسَفِيِّ ، وَلِبَعْضِهِمْ هُنَا بَابٌ وَالْمُرَادُ بِالْخَلِيفَةِ : آدَمُ ، أَسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَابِطٍ مَرْفُوعًا ، قَالَ : وَالْأَرْضُ مَكَّةُ ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ مُقْتَضَى مَا نَقَلَهُ السُّدِّيُّ عَنْ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُمْ يَعْنُونَ بَنِي آدَمَ يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا الْآيَةَ ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ أَنَّهُ خَلِيفَةُ الْمَلَائِكَةِ أَوْ خَلِيفَةُ الْجِنِّ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَنْ سَكَنَهَا قَبْلَ آدَمَ ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ قَالَ : زَعَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ إِذْ فِي قَوْلِهِ : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ صِلَةٌ ، وَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّ جَمِيعَ الْمُفَسِّرِينَ رَدُّوهُ حَتَّى قَالَ الزَّجَّاجُ : إِنَّهَا جَرْأَةٌ مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ . قَوْلُهُ : لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَزَادَ : إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ مَا زَائِدَةٌ . قَوْلُهُ : ( فِي كَبَدٍ فِي شِدَّةِ خَلْقٍ ) هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، رَوَيْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ ثُمَّ ذَكَرَ مَوْلِدَهُ وَنَبَاتَ أَسْنَانِهِ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الْكَبَدُ الشِّدَّةُ ، قَالَ لَبِيدٌ : يَا عَيْنُ هَلَّا بَكَيْتِ أَرْبَدَ إِذْ قُمْنَا وَقَامَ الْخُصُومُ فِي كَبَدِ قَوْلُهُ : ( وَرِيَاشًا : الْمَالُ ) هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ ، وَهُوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَزَادَ : تَقُولُ أَعْطَانِي رِيشَهُ أَيْ كِسَوْتَهُ ، قَالَ : وَالرِّيَاشُ أَيْضًا الْمَعَاشُ . قَوْلُهُ : ( مَا تُمْنُونَ : النُّطْفَةُ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ قَالَ : يُقَالُ : أَمْنَى وَمَنَى ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ . وَقَوْلُهُ تُمْنُونَ يَعْنِي النُّطَفَ إِذَا قُذِفَتْ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ ( أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَ ذَلِكَ أَمْ نَحْنُ ) . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ النُّطْفَةُ فِي الْإِحْلِيلِ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ قَادِرٌ عَلَى رَجْعِ النُّطْفَةِ الَّتِي فِي الْإِحْلِيلِ إِلَى الصُّلْبِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ ، وَيُعَكِّرُ عَلَى تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ أَنَّ بَقِيَّةَ الْآيَاتِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْإِنْسَانِ وَرَجْعِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِقَوْلِهِ : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهُوَ شَفْعٌ ، السَّمَاءُ شَفْعٌ ، وَالْوِتْرُ اللَّهُ ) وهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ أَيْضًا ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَلَفْظُهُ كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ شَفْعٌ : السَّمَاءُ ، وَالْأَرْضُ ، وَالْبَرُّ وَالْبَحْرُ ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَنَحْوُ هَذَا شَفْعٌ ، وَالْوِتْرُ اللَّهُ وَحْدَهُ ، وَبِهَذَا زَالَ الْإِشْكَالُ ، فَإِنَّ ظَاهِرَ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى قَوْلِهِ : السَّمَاءُ شَفْعٌ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّ السَّمَاوَاتِ سَبْعٌ وَالسَّبْعُ لَيْسَ بِشَفْعٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادُ مُجَاهِدٍ ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أن كُلُّ شَيْءٍ لَهُ مُقَابِلٌ يُقَابِلُهُ وَيُذْكَرُ مَعَهُ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ شَفْعٌ ، كَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، إِلَخْ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ ، وَالشَّقَاءُ وَالسَّعَادَةُ ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةُ ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، وَالسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ . وَالْوِتْرُ اللَّهُ . وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ نَحْوَهُ . وَأُخْرِجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ أَنَّهُ قَالَ : الْوِتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَالشَّفْعُ يَوْمُ الذَّبْحِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَيَّامِ الذَّبْحِ . وَهَذَا يُنَاسِبُ مَا فَسَّرُوا بِهِ قَوْلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ : وَلَيَالٍ عَشْرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ . قَوْلُهُ : فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ فِي أَحْسَنِ خَلْقٍ ، أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا مَنْ آمَنَ ) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ ، أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( خُسْرٍ : ضَلَالٍ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ : إِلَّا مَنْ آمَنَ ) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا ، قَالَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ يَعْنِي فِي ضَلَالٍ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ إِلا مَنْ آمَنَ وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى ، وَإِلَّا فَالتِّلَاوَةُ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا قَوْلُهُ : ( لَازِبٍ : لَازِمٍ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : مِنْ طِينٍ لازِبٍ قَالَ : لَازِقٍ . وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مِنَ التُّرَابِ وَالْمَاءِ يَصِيرُ طِينًا يَلْزَقُ . وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ بِاللَّازِمِ فَكَأَنَّهُ بِالْمَعْنَى ، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ : مَعْنَى اللَّازِبِ اللَّازِمُ ، قَالَ النَّابِغَةُ : وَلَا يَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لَازِبِ أَيْ لَازِمٍ . قَوْلُهُ : ( نُنْشِئَكُمْ فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ ) كَأَنَّهُ يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَقَوْلُهُ : فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ هُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ : مَا لا تَعْلَمُونَ قَوْلُهُ : نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ نُعَظِّمُكَ ) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ ، نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : فَتَلَقَّى آدَمُ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَاتِ أَنَّ هَذَا التَّلَقِّيَ كَانَ قَبْلَ الْهُبُوطِ ؛ لِأَنَّ بَعْدَهُ : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ : قُلْنَا اهْبِطُوا كَانَ سَابِقًا لِلتَّلَقِّي ، وَلَيْسَ فِي الْآيَاتِ صِيغَةُ تَرْتِيبٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ فَأَزَلَّهُمَا اسْتَزَلَّهُمَا ، وَيَتَسَنَّهْ : يَتَغَيَّرُ . آسِنٍ الْمَسْنُونُ الْمُتَغَيِّرُ . حَمَإٍ جَمْعُ حَمْأَةٍ وَهُوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ ، وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هِيَ مِنْ تَفْسِيرِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَكَأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَصْلِ : وَقَالَ غَيْرُهُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَغَيْرِهِ بِحَذْفِ قَالَ فَكَأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ أَشْكَلُ . وَقَوْلُهُ : فَأَزَلَّهُمَا أَيْ دَعَاهُمَا إِلَى الزَّلَّةِ ، وَإِيرَادُ قَوْلِهِ يَتَسَنَّهْ يَتَغَيَّرُ فِي أَثْنَاءِ قِصَّةِ آدَمَ ذُكِرَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِلْمَسْنُونِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ : إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْهُ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا - بَعْدَ أَنْ قَالَ : إِنَّ تَفْسِيرَ يَتَسَنَّهْ وَ آسِنٍ - : لَعَلَّهُ ذَكَرَهُ بِالتَّبَعِيَّةِ لِقَوْلِهِ مَسْنُونٍ وَفِي هَذَا تَكْثِيرٌ لِحَجْمِ الْكِتَابِ لَا لِتَكْثِيرِ الْفَوَائِدِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَقْصُودِهِ . قُلْتُ : وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الشَّارِحِ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى الْأَصْلِ بِمِثْلِ هَذَا ، وَلَا ارْتِيَابَ فِي أَنَّ إِيرَادَ شَرْحِ غَرِيبِ الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ فَوَائِدُ ، وَادِّعَاؤُهُ نَفْيَ تكثير الْفَائِدَةِ مَرْدُودٌ ، وَهَذَا الْكِتَابُ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ مَوْضُوعِهِ إِيرَادَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ فَهِمُوا مِنْ إِيرَادِهِ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ : أَنَّ مَقْصُودَهُ أَنْ يَكُونَ كِتَابُهُ جَامِعًا لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ ، وَمِنْ جُمْلَةِ الدِّرَايَةِ شَرْحُ غَرِيبِ الْحَدِيثِ . وَجَرَتْ عَادَتُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا وَرَدَتْ فِيهِ لَفْظَةٌ غَرِيبَةٌ وَقَعَتْ أَوْ أَصْلُهَا أَوْ نَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يَشْرَحَ اللَّفْظَةَ الْقُرْآنِيَّةَ ، فَيُفِيدُ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ وَتَفْسِيرَ الْحَدِيثِ مَعًا ، وَلَمَّا لَمْ يَجِدْ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَحَادِيثَ تُوَافِقُ شَرْطَهُ سَدَّ مَكَانَهَا بِبَيَانِ تَفْسِيرِ الْغَرِيبِ الْوَاقِعِ فِي الْقُرْآنِ ، فَكَيْفَ يَسُوغُ نَفْيُ الْفَائِدَةِ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( يَخْصِفَانِ أَخَذَ الْخِصَافَ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ وَيَخْصِفَانِ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : يَخْصِفَانِ قَالَ : يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ خَصَفْتُ النَّعْلَ أَيْ خَرَزْتُهَا . قَوْلُهُ : ( سَوْآتِهِمَا كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ الْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهُ ، وَهُوَ هُنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ أَيْ إِلَى وَقْتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( قَبِيلُهُ جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ وَقَبِيلُهُ قَالَ : الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا ، أَفْرَدَ الْأَخِيرَ مِنْهَا بِبَابٍ فِي بَعْضِ النُّسَخِ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، كَذَا في وَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ الرَّاوِي عَنْ مَعْمَرٍ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، فَقَالَ : خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَأْتِي فِي أَوَّلِ الِاسْتِئْذَانِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْعِتْقِ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الضَّمِيرَ لِآدَمَ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَدَهُ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي خَلَقَهُ عَلَيْهَا ، لَمْ يَنْتَقِلْ فِي النَّشْأَةِ أَحْوَالًا ، وَلَا تَرَدَّدَ فِي الْأَرْحَامِ أَطْوَارًا كَذُرِّيَّتِهِ ، بَلْ خَلَقَهُ اللَّهُ رَجُلًا كَامِلًا سَوِيًّا مِنْ أَوَّلِ مَا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، فَعَادَ الضَّمِيرُ أَيْضًا عَلَى آدَمَ ، وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى صُورَتِهِ : أَيْ لَمْ يُشَارِكْهُ فِي خَلْقِهِ أَحَدٌ ، إِبْطَالًا لِقَوْلِ أَهْلِ الطَّبَائِعِ . وَخُصَّ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ : ( سِتُّونَ ذِرَاعًا ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَدْرِ الذِّرَاعِ الْمُتَعَارَفِ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ ذِرَاعَ كُلِّ أَحَدٍ بِقَدْرِ رُبُعِهِ فَلَوْ كَانَ بِالذِّرَاعِ الْمَعْهُودِ لَكَانَتْ يَدُهُ قَصِيرَةً فِي جَنْبِ طُولِ جَسَدِهِ قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ : اذْهَبْ فَسَلِّمْ ) سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الِاسْتِئْذَانِ . قَوْلُهُ : ( فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ ) أَيْ عَلَى صِفَتِهِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صِفَاتِ النَّقْصِ مِنْ سَوَادٍ وَغَيْرِهِ تَنْتَفِي عِنْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ هُنَا : وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، وَإِثْبَاتُ الْوَاوِ فِيهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ قَوْلَهُ طُولُهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ طُولُهُ إِلَخْ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : كَانَ طُولُ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا فِي سَبْعَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا ، وَأَمَّا مَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا : أَنَّ آدَمَ لَمَّا أُهْبِطَ كَانَتْ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ ، فَحَطَّهُ اللَّهُ إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ مُفْرِطَ الطُّولِ فِي ابْتِدَاءِ خَلْقِهِ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ خُلِقَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ عَلَى طُولِ سِتِّينَ ذِرَاعًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا : أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلًا طُوَالًا كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سُحُوقٌ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ ) أَيْ أَنَّ كُلَّ قَرْنٍ يَكُونُ نَشَأْتُهُ فِي الطُّولِ أَقْصَرَ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ ، فَانْتَهَى تَنَاقُصُ الطُّولِ إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : قَوْلُهُ : فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ ؛ أَيْ كَمَا يَزِيدُ الشَّخْصُ شَيْئًا فَشَيْئًا ، وَلَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ السَّاعَتَيْنِ وَلَا الْيَوْمَيْنِ حَتَّى إِذَا كَثُرَتِ الْأَيَّامُ تَبَيَّنَ ، فَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْمُ فِي النَّقْصِ ، وَيَشْكُلُ عَلَى هَذَا مَا يُوجَدُ الْآنَ مِنْ آثَارِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ كَدِيَارِ ثَمُودَ فَإِنَّ مَسَاكِنَهُمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَامَاتِهِمْ لَمْ تَكُنْ مُفْرِطَةَ الطُّولِ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ التَّرْتِيبُ السَّابِقُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عَهْدَهُمْ قَدِيمٌ ، وَأَنَّ الزَّمَانَ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ آدَمَ دُونَ الزَّمَانِ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي إِلَى الْآنَ مَا يُزِيلُ هَذَا الْإِشْكَالِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب خَلْقِ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَذُرِّيَّتِهِ · ص 415 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً · ص 205 باب قول الله تعالى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً أي : هذا باب في بيان قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ إلى آخره ، يعني اذكر يا محمد ، حين قال ربك للملائكة الآية ، أخبر الله تعالى بامتنانه على بني آدم بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم بقوله : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ وحكى ابن حزم عن أبي عبيدة أنه زعم أن إذ هاهنا زائدة ، وأن تقدير الكلام وقال ربك ، ورد عليه ابن جرير : قال القرطبي : وكذا رده جميع المفسرين حتى قال الزجاج : هذا اجتراء من أبي عبيدة . قوله : إني جاعل في الأرض خليفة : أي قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل ، كما قال تعالى : و هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ قال أكثر المفسرين : وليس المراد هنا بالخليفة آدم عليه الصلاة والسلام فقط ، كما قاله طائفة ؛ إذ لو كان المراد آدم عينا لم حسن قول الملائكة : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وقولهم : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ليس على وجه الاعتراض ، ولا على وجه الحسد ، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك ، مع أن فيهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك : أي نصلي ولا يصدر منا شيء خلاف ذلك ، فقال الله تعالى في جوابهم : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ أي إني أعلم بالمصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ، فإني سأجعل فيهم الأنبياء والرسل ، ويوجد فيهم الصديقون ، والشهداء والصالحون ، والعباد والزهاد ، والأولياء ، والأبرار المقربون ، والعلماء العاملون ، والخاشعون ، والمتبعون رسله ، وفي هذا المقام مقال كثير ليس هذا الكتاب موضعه ، وإنما ذكرنا نبذة منه لأجل الترجمة . قال ابن عباس : لما عليها حافظ إلا عليها حافظ . أشار به إلى ما في قوله تعالى : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ثم فسر بأن لما هنا بمعني إلا التي هي حرف الاستثناء ، واختلف القراء في تشديد لما وتخفيفه ، فقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتشديد على أن تكون إن نافية ، وتكون لما بمعنى إلا ، وهي لغة هذيل ، يقولون : نشدتك الله لما قمت يعنون إلا قمت ، والمعنى : ما نفس إلا عليها حافظ من ربها ، والباقون قرؤوا بالتخفيف ، جعلوا ما صلة ، وإن مخففة من الثقيلة : أي إن كل نفس لعليها حافظ من ربها يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكتسب من خير أو شر ، وعن ابن عباس هم الحفظة من الملائكة ، وقال قتادة : هم حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك ، وقيل : هو الله رقيب عليها . في كبد في شدة خلق . أشار به إلى ما في قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ثم فسر الكبد بقوله : في شدة خلق ، وهكذا رواه ابن عيينة في تفسيره ، وأخرجه الحاكم في مستدركه . ورياشا المال ، وقال غيره : الرياش والريش واحد ، وهو ما ظهر من اللباس . أشار به إلى ما في قوله تعالى : قَدْ أَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ورياشا ، وفسر الرياش بالمال وهو قول ابن عباس ، رواه ابن أبي حاتم عنه من طريق علي بن أبي طلحة ، قوله : وقال غيره : أي غير ابن عباس إلى آخره قول أبي عبيدة ، وقيل : الريش الجمال والهيئة ، وقيل : المعاش . ما تمنون النطفة في أرحام النساء . أشار به إلى ما في قوله تعالى : أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ثم فسره بقوله النطفة في أرحام النساء ، وهذا قول الفراء ، ويقال : منى الرجل وأمنى . وقال مجاهد : إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ النطفة في الإحليل . يعني قادر على رجع النطفة إلى الإحليل ، وهذا التعليق وصله ابن جرير من حديث عبد الله بن أبي نجيح ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن مجاهد ، وفي لفظ الماء بدل النطفة ، وفي رواية إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ، ومن الصبا إلى القطيعة ، وقال ابن زيد : إنه على حبس ذلك الماء لقادر ، وعن قتادة معناه أن الله قادر على بعثه وإعادته . كل شيء خلقه فهو شفع السماء شفع ، والوتر الله عز وجل . أشار به إلى ما في قوله تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ أي كل شيء خلقه الله تعالى فهو شفع ، قوله : السماء شفع معناه أنه شفع للأرض ، كما أن الحار شفع للبارد مثلا ، وبهذا يندفع وهم من يتوهم أن السماوات سبع ، فكيف يقول شفع ، وهذا الذي قاله هو قول مجاهد الذي وصله الطبري ، ولفظه كل شيء خلقه الله شفع : السماء والأرض ، والبحر والبر ، والجن والإنس ، والشمس والقمر ، ونحو هذا شفع ، والوتر الله وحده . في أحسن تقويم في أحسن خلق . أشار به إلى ما في قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثم فسره بقوله في أحسن خلق ، وقيل : أحسن تعديل بشكله وصورته وتسوية الأعضاء ، وقيل : في أحسن تقويم في أعدل قامة ، وأحسن صورة ، وذلك أنه خلق كل شيء منكسا على وجهه إلا الإنسان ، وقال أبو بكر بن الطاهر : مزينا بالعقل مؤدبا بالأمر مهذبا بالتمييز مديد القامة يتناول مأكوله بيمينه . أسفل سافلين إلا من آمن . أشار به إلى ما في قوله تعالى : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا معناه أن الإنسان يكون عاقبة أمره إذا لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية إن رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا ، يعني أقبح من قبح صورة ، وأشوهه خلقة ، وهم أصحاب النار فعلى هذا التفسير الاستثناء وهو قوله : إِلا الَّذِينَ آمَنُوا متصل ظاهر الاتصال ، وقيل : السافلون الضعفى والهرمى والزمنى ؛ لأن ذاك التقويم يزول عنهم ، ويتبدل خلقهم ، فعلى هذا الاستثناء منقطع ، فالمعنى لكن الذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم أجر دائم غير ممنون : أي غير مقطوع على طاعتهم وصبرهم على ابتلاء الله بالشيخوخة والهرم ، وعلى مقاساة المشاق ، والقيام بالعبادة ، فيكتب لهم في حال هرمهم وخرفهم مثل الذين كانوا يعملون في حال شبابهم وصحتهم . خسر ضلال ثم استثنى إلا من آمن . أشار به إلى ما في قوله تعالى : إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ثم فسر الخسر بالضلال ، ثم استثنى الله تعالى من أهل الخسر الذين آمنوا وعملوا الصالحات . لازب لازم . أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى : إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ أي لازم ، وهكذا روي عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة عنه . ننشئكم في أي خلق نشاء . أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى : وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ ثم فسر ذلك بقوله في أي خلق نشاء . نسبح بحمدك نعظمك . أشار به إلى ما في قوله تعالى : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ثم فسر ذلك بقوله نعظمك ، وكذا روي عن مجاهد . وقال أبو العالية : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فهو قوله : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا أبو العالية اسمه رفيع بن مهران الرياحي ، أدرك الجاهلية ، وأسلم بعد موت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بسنتين ، ودخل على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، وصلى خلف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وروى عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وقد فسر أبو العالية الكلمات في قوله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ بقوله تعالى : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ وروي ذلك أيضا عن مجاهد ، وسعيد بن جبير ، والحسن البصري ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، ومحمد بن كعب القرظي ، وخالد بن معدان ، وعطاء الخراساني ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وقال أبو إسحاق السبيعي عن رجل من بني تميم قال : أتيت ابن عباس فسألته ما الكلمات التي تلقى آدم عليه الصلاة والسلام من ربه قال : علم آدم شأن الحج . فأزلهما فاستزلهما . أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ثم فسره بقوله فاستزلهما : أي دعاهما إلى الزلة ، وفي تفسير ابن كثير : يصح أن يكون الضمير عائدا إلى الجنة ، فيكون المعنى كما قرأ حمزة وعاصم : فأزالهما ، أي نحاهما ، ويصح أن يكون عائدا على أقرب المذكورين وهو الشجرة فيكون المعنى ، كما قال الحسن وقتادة فأزلهما : أي من قبل الزلل فيكون تقدير الكلام فأزلهما الشيطان عنها أي بسببها . ويتسنه يتغير آسن متغير والمسنون المتغير . أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى : فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ أي لم يتغير ، وأشار بقوله : آسن إلى ما في قوله تعالى : فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ أي غير متغير ، وأشار بقوله والمسنون إلى ما في قوله تعالى : مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ أي من طين متغير ، وكل هذه من مادة واحدة ، وقال الكرماني ( فإن قلت ) : ما وجه تعلقه بقصة آدم عليه السلام ، ( قلت ) : ذكر بتبعية المسنون ؛ لأنه قد يقال باشتقاقه منه ، انتهى . ( قلت ) : الداعي إلى هذا السؤال والجواب هو أن جميع ما ذكره من الألفاظ من أول الباب إلى الحديث الذي يأتي متعلق بآدم وأحواله غير قوله : يتسنه ، فإنه متعلق بقضية عزير عليه السلام ، وغير قوله : آسن فإنه متعلق بالماء ، فلذلك سأل وأجاب ومع هذا قال ، وأمثال هذه تكثير لحجم الكتاب لا تكثير للفوائد ، والله تعالى أعلم بمقصوده ، ( قلت ) : لا يخلو عن زيادة فائدة ، ولكن كتابه موضوع لبيان الأحاديث لا لبيان اللغات لألفاظ القرآن . حمأ جمع حمأة وهو الطين المتغير . أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى : مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وقال : الحمأ جمع حمأة ، ثم فسره بقوله : وهو الطين المتغير ، وكذا فسره أبو عبيدة . يخصفان أخذا الخصاف من ورق الجنة يؤلفان الورق ، ويخصفان بعضه إلى بعض . أشار به إلى ما في قوله تعالى : فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ثم فسر يخصفان بقوله : أخذا : أي آدم وحواء عليهما السلام الخصاف ، وهو بكسر الخاء المعجمة ، وتخفيف الصاد المهملة جمع خصفة بالتحريك ، وهي الحلة التي تعمل من الخوص للتمر ، ويجمع على خصف أيضا بفتحتين ، قوله : يؤلفان الورق : أي ورق الشجر ، ويخصفان يعني يلزقان بعضه ببعض ليسترا به عوراتهما ، وكذلك الاختصاف ، ومنه قرأ الحسن : يخصفان بالتشديد إلا أنه أدغم التاء في الصاد ، وعن مجاهد في تفسير قوله : يَخْصِفَانِ أي يرقعان كهيئة الثوب ، وتقول العرب : خصفت النعل : أي خرزتها . وسوآتهما كناية عن فرجهما . أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى : بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ثم فسر السوأة بأنها كناية عن الفرج ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وفرجهما بالإفراد ، ويروى وفرجيهما بالتثنية ، والضمير يرجع إلى آدم وحواء . ومتاع إلى حين هاهنا إلى يوم القيامة ، والحين عند العرب من ساعة إلى ما لا يحصى عدده . أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ثم فسر الحين بأنه إلى يوم القيامة ، وكذا رواه الطبري بإسناده ، عن ابن عباس ، وأشار بقوله : والحين عند العرب إلى آخره إلى أن لفظ الحين يستعمل لمعان كثيرة ، والحاصل أن الحين في الأصل بمعنى الوقت . قبيله جيله الذي هو منهم . أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ ثم فسر قبيله : أي قبيل الشيطان بأنه جيله بكسر الجيم : أي جماعته الذين هو أي الشيطان منهم ، وروى الطبري عن مجاهد في قوله : وقبيله قال : الجن والشياطين . 1 - حدثني عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ، ثم قال : اذهب فسلم على أولئك من الملائكة ، فاستمع ما يحيونك تحيتك وتحية ذريتك ، فقال : السلام عليكم ، فقالوا : السلام عليك ورحمة الله ، فزادوه ورحمة الله ، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن . مطابقته للترجمة ظاهرة لا سيما إذا كان المراد من الخليفة في الآية المذكورة هو آدم عليه الصلاة والسلام ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . وعبد الله بن محمد هو المعروف بالمسندي ، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ، وهمام بن منبه الأنباري الصنعاني أخو وهب بن منبه ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الاستئذان عن يحيى بن جعفر ، وأخرجه مسلم في صفة الجنة عن محمد بن رافع . قوله : وطوله الواو فيه للحال ، قوله : ستون ذراعا قال ابن التين : المراد ذراعنا ؛ لأن ذراع كل أحد مثل ربعه ولو كانت بذراعه لكانت يده قصيرة في جنب طول جسمه كالإصبع والظفر ، وقيل : يحتمل أن يكون بذراع نفسه ، والأول أشهر ، وقال القرطبي : إن الله تعالى يعيد أهل الجنة إلى خلقة أصلهم الذي هو آدم عليه الصلاة والسلام ، وعلى صفته وطوله الذي خلقه الله عليه في الجنة ، وكان طوله فيها ستين ذراعا في الارتفاع بذراع نفسه قال : ويحتمل أن يكون هذا الذراع مقدرا بأذرعتنا المتعارفة عندنا ، وقيل : إنه كان يقارب أعلاه السماء ، وإن الملائكة كانت تتأذى بنفسه فخفضه الله إلى ستين ذراعا ، وظاهر الحديث خلافه ، وروى ابن جرير من حديث عطاء بن أبي رباح قال : لما خلق الله آدم في الجنة كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم ، ويأنس إليهم ، فهابته الملائكة حتى شكت إلى الله ذلك في دعائها ، فخفضه الله إلى الأرض ، وقاله قتادة وأبو صالح ، عن ابن عباس وأبو يحيى القتات ، عن مجاهد ، عن ابن عباس . وأخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش من حديث طلحة بن عمرو الحضرمي ، عن ابن عباس ، وروى أحمد من حديث سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة مرفوعا : كان طول آدم ستين ذراعا في سبعة أذرع عرضا ، وروى ابن أبي حاتم بإسناد حسن ، عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن الله تعالى خلق آدم رجلا طوالا ، كثير شعر الرأس ، كأنه نخلة سحوق . قوله : اذهب فسلم هو أول مشروعية السلام وهو دال على أن تأكده وإفشاءه سبب للمحبة الدينية ، ودخول الجنة العلية ، وقد قيل بوجوبه حكاه القرطبي ، ويؤخذ منه أن الوارد على جلوس يسلم عليهم ، والأفضل تعريفه فإن نكره جاز. وفيه الزيادة في الرد على الابتداء ، ولا يشترط في الرد الإتيان بالواو ، قوله : ما يحيونك من التحية ، ويروى ما يجيبونك من الإجابة ، قوله : تحيتك بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هذه تحيتك وتحية ذريتك من بعدك . قوله : فكل من يدخل الجنة على صورة آدم - صلى الله عليه وسلم - : أي كل من يرزقه الله تعالى دخول الجنة يدخلها وهو على صورة آدم في الحسن والجمال ، ولا يدخل على صورته التي كان عليها من السواد إن كان من أهل الدنيا السود ، ولا يدخل أيضا على صورته التي كان عليها بوصف من العاهات والنقائص ، قوله : فلم يزل الخلق ينقص : أي من طوله ، أراد أن كل قرن يكون وجوده أقصر من القرن الذي قبله ، فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة ، واستقر الأمر على ذلك وهو معنى قوله حتى الآن .