باب قول الله تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
حدثني عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ، ثم قال : اذهب فسلم على أولئك من الملائكة ، فاستمع ما يحيونك تحيتك وتحية ذريتك ، فقال : السلام عليكم ، فقالوا : السلام عليك ورحمة الله ، فزادوه ورحمة الله ، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن . مطابقته للترجمة ظاهرة لا سيما إذا كان المراد من الخليفة في الآية المذكورة هو آدم عليه الصلاة والسلام ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . وعبد الله بن محمد هو المعروف بالمسندي ، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ، وهمام بن منبه الأنباري الصنعاني أخو وهب بن منبه ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الاستئذان عن يحيى بن جعفر ، وأخرجه مسلم في صفة الجنة عن محمد بن رافع .
قوله : وطوله الواو فيه للحال ، قوله : ستون ذراعا قال ابن التين : المراد ذراعنا ؛ لأن ذراع كل أحد مثل ربعه ولو كانت بذراعه لكانت يده قصيرة في جنب طول جسمه كالإصبع والظفر ، وقيل : يحتمل أن يكون بذراع نفسه ، والأول أشهر ، وقال القرطبي : إن الله تعالى يعيد أهل الجنة إلى خلقة أصلهم الذي هو آدم عليه الصلاة والسلام ، وعلى صفته وطوله الذي خلقه الله عليه في الجنة ، وكان طوله فيها ستين ذراعا في الارتفاع بذراع نفسه قال : ويحتمل أن يكون هذا الذراع مقدرا بأذرعتنا المتعارفة عندنا ، وقيل : إنه كان يقارب أعلاه السماء ، وإن الملائكة كانت تتأذى بنفسه فخفضه الله إلى ستين ذراعا ، وظاهر الحديث خلافه ، وروى ابن جرير من حديث عطاء بن أبي رباح قال : لما خلق الله آدم في الجنة كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم ، ويأنس إليهم ، فهابته الملائكة حتى شكت إلى الله ذلك في دعائها ، فخفضه الله إلى الأرض ، وقاله قتادة وأبو صالح ، عن ابن عباس وأبو يحيى القتات ، عن مجاهد ، عن ابن عباس . وأخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش من حديث طلحة بن عمرو الحضرمي ، عن ابن عباس ، وروى أحمد من حديث سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة مرفوعا : كان طول آدم ستين ذراعا في سبعة أذرع عرضا ، وروى ابن أبي حاتم بإسناد حسن ، عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن الله تعالى خلق آدم رجلا طوالا ، كثير شعر الرأس ، كأنه نخلة سحوق . قوله : اذهب فسلم هو أول مشروعية السلام وهو دال على أن تأكده وإفشاءه سبب للمحبة الدينية ، ودخول الجنة العلية ، وقد قيل بوجوبه حكاه القرطبي ، ويؤخذ منه أن الوارد على جلوس يسلم عليهم ، والأفضل تعريفه فإن نكره جاز .
وفيه الزيادة في الرد على الابتداء ، ولا يشترط في الرد الإتيان بالواو ، قوله : ما يحيونك من التحية ، ويروى ما يجيبونك من الإجابة ، قوله : تحيتك بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هذه تحيتك وتحية ذريتك من بعدك . قوله : فكل من يدخل الجنة على صورة آدم - صلى الله عليه وسلم - : أي كل من يرزقه الله تعالى دخول الجنة يدخلها وهو على صورة آدم في الحسن والجمال ، ولا يدخل على صورته التي كان عليها من السواد إن كان من أهل الدنيا السود ، ولا يدخل أيضا على صورته التي كان عليها بوصف من العاهات والنقائص ، قوله : فلم يزل الخلق ينقص : أي من طوله ، أراد أن كل قرن يكون وجوده أقصر من القرن الذي قبله ، فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة ، واستقر الأمر على ذلك وهو معنى قوله حتى الآن .