3461- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ . الْحَدِيثُ التَّاسِعُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ . قَوْلُهُ : ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ) قَالَ الْمُعَافَى النَّهْرَوَانِيُّ فِي كِتَابِ الْجَلِيسِ لَهُ : الْآيَةُ فِي اللُّغَةِ تُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ : الْعَلَامَةُ الْفَاصِلَةُ ، وَالْأُعْجُوبَةُ الْحَاصِلَةُ ، وَالْبَلِيَّةُ النَّازِلَةُ . فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى : آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَمِنَ الثَّانِي : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمِنَ الثَّالِثِ : جَعَلَ الْأَمِيرُ فُلَانًا الْيَوْمَ آيَةً . وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ قِيلَ لَهَا آيَةٌ لِدَلَالَتِهَا وَفَصْلِهَا وَإِبَانَتِهَا . وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ وَلَوْ آيَةً أَيْ وَاحِدَةً لِيُسَارِعَ كُلُّ سَامِعٍ إِلَى تَبْلِيغِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْآيِ وَلَوْ قَلَّ لِيَتَّصِلَ بِذَلِكَ نَقْلُ جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . اهـ كَلَامُهُ . قَوْلُهُ : ( وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ ) أَيْ لَا ضِيقَ عَلَيْكُمْ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّجْرُ عَنِ الْأَخْذِ عَنْهُمْ وَالنَّظَرِ فِي كُتُبِهِمْ ، ثُمَّ حَصَلَ التَّوَسُّعُ فِي ذَلِكَ ، وَكَأَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْأَحْكَامِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْقَوَاعِدِ الدِّينِيَّةِ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ ، ثُمَّ لَمَّا زَالَ الْمَحْذُورُ وَقَعَ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ لِمَا فِي سَمَاعِ الْأَخْبَارِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانِهِمْ مِنْ الِاعْتِبَارِ ، وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْلِهِ لَا حَرَجَ : لَا تَضِيقُ صُدُورُكُمْ بِمَا تَسْمَعُونَهُ عَنْهُمْ مِنَ الْأَعَاجِيبِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ كَثِيرًا ، وَقِيلَ : لَا حَرَجَ فِي أَنَّ لَا تُحَدِّثُوا عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوَّلًا : حَدِّثُوا صِيغَةُ أَمْرٍ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، فَأَشَارَ إِلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، وَأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلْإِبَاحَةِ بِقَوْلِهِ : وَلَا حَرَجَ أَيْ فِي تَرْكِ التَّحْدِيثِ عَنْهُمْ . قِيلَ : الْمُرَادُ رَفْعُ الْحَرَجِ عَنْ حَاكِي ذَلِكَ لِمَا فِي أَخْبَارِهِمْ مِنَ الْأَلْفَاظِ الشَّنِيعَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمِ : اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا . وَقَوْلُهُمْ : اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْلَادُ إِسْرَائِيلَ نَفْسِهِ وَهُمْ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ ، وَالْمُرَادُ حَدِّثُوا عَنْهُمْ بِقِصَّتِهِمْ مَعَ أَخِيهِمْ يُوسُفَ ، وَهَذَا أَبْعَدُ الْأَوْجُهِ . وَقَالَ مَالِكٌ الْمُرَادُ جَوَازُ التَّحَدُّثِ عَنْهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ حَسَنٍ ، أَمَّا مَا عُلِمَ كَذِبُهُ فَلَا . وَقِيلَ الْمَعْنَى حَدِّثُوا عَنْهُمْ بِمِثْلِ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ . وَقِيلَ الْمُرَادُ جَوَازُ التَّحَدُّثِ عَنْهُمْ بِأَيِّ صُورَةٍ وَقَعَتْ مِنَ انْقِطَاعٍ أَوْ بَلَاغٍ لِتَعَذُّرِ الِاتِّصَالِ فِي التَّحَدُّثِ عَنْهُمْ ، بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي التَّحَدُّثِ بِهَا الِاتِّصَالُ ، وَلَا يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ لِقُرْبِ الْعَهْدِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُجِيزُ التَّحَدُّثَ بِالْكَذِبِ ، فَالْمَعْنَى حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا لَا تَعْلَمُونَ كَذِبَهُ ، وَأَمَّا مَا تُجَوِّزُونَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي التَّحَدُّثِ بِهِ عَنْهُمْ ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ : إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ . وَلَمْ يَرِدِ الْإِذْنُ وَلَا الْمَنْعُ مِنَ التَّحَدُّثِ بِمَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ ، وَذَكَرْتُ عَدَدَ مَنْ رَوَاهُ وَصِفَةَ مَخَارِجِهِ بِمَا يُغْنِي عَنِ الْإِعَادَةِ . وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَغْلِيظِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ ، حَتَّى بَالَغَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فَحَكَمَ بِكُفْرِ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ ، وَكَلَامُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ يَمِيلُ إِلَيْهِ . وَجَهِلَ مَنْ قَالَ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَزَهِّدَةِ : إِنَّ الْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُوزُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَقْوِيَةِ أَمْرِ الدِّينِ وَطَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ ، وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الْوَعِيدَ وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ لَا فِي الْكَذِبِ لَهُ ، وَهُوَ اعْتِلَالٌ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَعِيدِ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ الْكَذِبَ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ ، وَالدِّينُ بِحَمْدِ اللَّهِ كَامِلٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى تَقْوِيَتِهِ بِالْكَذِبِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا ذُكِرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ · ص 575 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما ذكر عن بني إسرائيل · ص 45 115 - حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ، أخبرنا الأوزاعي ، حدثنا حسان بن عطية ، عن أبي كبشة ، عن عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار . مطابقته للترجمة ظاهرة . والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو ، وأبو كبشة السلولي اسمه هو كنيته . والحديث أخرجه الترمذي أيضا في العلم عن محمد بن يوسف وعن عبد الرحمن بن ثابت . قوله : ( ولو آية ) ؛ أي علامة ظاهرة ، فهو تتميم ومبالغة ، أي ولو كان المبلغ فعلا أو إشارة ونحوها ، قال القاضي البيضاوي : إنما قال آية أي من القرآن ولم يقل حديثا ، فإن الآيات مع تكفل الله بحفظها واجبة التبليغ ، فتبليغ الحديث يفهم منه بالطريق الأولى . وقيل : إنما قال آية ليسارع كل سامع إلى تبليغ ما وقع له من الآي ولو قل ليشمل بذلك نقل جميع ما جاء به صلى الله عليه وسلم . قوله : ( وحدثوا عن بني إسرائيل ) ؛ يعني مما وقع لهم من الأمور العجيبة والغريبة ، وقيل : المراد ببني إسرائيل أولاد إسرائيل نفسه وهم أولاد يعقوب ، والمراد حدثوا عنهم بقصتهم مع أخيهم يوسف ، وهذا بعيد وفيه تضييق . وقال مالك : المراد جواز التحديث عنهم بما كان من أمر حسن ، أما ما علم كذبه فلا . وقيل : المعنى حدثوا عنهم مثل ما ورد في القرآن والحديث الصحيح . وقيل : المراد جواز التحدث عنهم بأي صورة وقعت من انقطاع أو بلاغ لتعذر الاتصال في التحديث عنهم بخلاف الأحكام الإسلامية ، فإن الأصل في التحديث بها الاتصال ، ولا يتعذر ذلك لقرب العهد . قوله : ( ولا حرج ) ؛ أي ولا ضيق عليكم في الحديث عنهم ، وإنما قال ولا حرج لأنه كان قد تقدم منه - صلى الله عليه وسلم - الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم ثم حصل التوسع في ذلك ، وكان النهي قبل استقرار الأحكام الشرعية والقواعد الدينية خشية الفتنة ، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في ذلك من الاعتبار عند سماع الأخبار التي وقعت في زمانهم . وقيل : لا حرج أي لا تضيق صدوركم بما سمعتموه عنهم من الأعاجيب ، فإن ذلك وقع لهم كثيرا . وقيل : لا حرج في أن لا تحدثوا عنهم ؛ لأن قوله أولا حدثوا صيغة أمر يقتضي الوجوب ، فأشار إلى عدم الوجوب وأن الأمر فيه للإباحة بقوله : ولا حرج ؛ أي في ترك التحديث عنهم . وقيل : المراد رفع الحرج عن حاكي ذلك لما في أخبارهم من الألفاظ المستبشعة نحو قولهم : اذهب أنت وربك فقاتلا ، وقولهم : اجعل لنا إلها . قلت : قوله : صيغة أمر يقتضي الوجوب ليس ذلك على إطلاقه ، وإنما الأمر إنما يقتضي الوجوب بصيغته إذا تجرد عن القرائن ، وهنا قوله : ولا حرج قرينة على أنه ليس بواجب ولا هو للندب . وقال الكرماني : الأمر للإباحة ، إذ لا وجوب ولا ندب فيه بالإجماع . قوله : ( ومن كذب علي ... ) إلى آخره قد مر نحوه في كتاب العلم في باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن البخاري روى في هذا الباب عن خمسة من الصحابة وهم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وأنس بن مالك وسلمة بن الأكوع وأبو هريرة ، وروى أيضا في الجنائز في باب ما يكره من النياحة عن المغيرة ، وروى أيضا هاهنا عن عبد الله بن عمرو ، وقد تكلمنا هناك بما فيه الكفاية . قوله : ( فليتبوأ ) بكسر اللام هو الأصل ، وبالسكون هو المشهور ، وهو أمر من التبوء وهو اتخاذ المباءة أي المنزل ، وقال الجوهري : تبوأت منزلا أي نزلته .