3468 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ - عَامَ حَجَّ - عَلَى الْمِنْبَرِ فَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ - وَكَانَتْ فِي يَدَيْ حَرَسِيٍّ - فَقَالَ : يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ : إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هذه نِسَاؤُهُمْ . الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ : حَدَيثُ مُعَاوِيَةَ . قَوْلُهُ : ( عَامَ حَجَّ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ الْآتِيَةِ آخِرَ الْبَابِ : آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا قُلْتُ : وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ ، وَهِيَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا فِي خِلَافَتِهِ . قَوْلُهُ : ( فَتَنَاوَلَ قُصَّةً ) بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ شَعْرُ النَّاصِيَةِ ، وَالْحَرَسِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَرَسِ وَهُوَ وَاحِدُ الْحُرَّاسِ . قَوْلُهُ : ( أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ إِذْ ذَاكَ فِيهِمْ كَانُوا قَدْ قَلُّوا ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ غَالِبَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَوْمَئِذٍ قَدْ مَاتُوا ، وَكَأَنَّهُ رَأَى جُهَّالَ عَوَامِّهِمْ صَنَعُوا ذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ يُذَكِّرَ عُلَمَاءَهُمْ وَيُنَبِّهَهُمْ بِمَا تَرَكُوهُ مِنْ إِنْكَارِ ذَلِكَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ مَنْ بَقِيَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ إِذْ ذَاكَ الْإِنْكَارَ إِمَّا لِاعْتِقَادِ عَدَمِ التَّحْرِيمِ مِمَّنْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ فَحَمَلَهُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، أَوْ كَانَ يَخْشَى مِنْ سَطْوَةِ الْأُمَرَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَلَى مَنْ يَسْتَبِدَّ بِالْإِنْكَارِ لِئَلَّا يُنْسَبَ إِلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى أُولِي الْأَمْرِ ، أَوْ كَانُوا مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْخَبَرُ أَصْلًا ، أَوْ بَلَغَ بَعْضَهُمْ لَكِنْ لَمْ يَتَذَكَّرُوهُ حَتَّى ذَكَّرَهُمْ بِهِ مُعَاوِيَةُ ، فَكُلُّ هَذِهِ أَعْذَارٌ مُمْكِنَةٌ لِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا إِذْ ذَاكَ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَأَمَّا مَنْ حَضَرَ خُطْبَةَ مُعَاوِيَةَ وَخَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ : أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خُطْبَةِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ ، وَلَمْ يَتَّفِقْ أَنْ يَحْضُرَهُ إِلَّا مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَقَالَ : أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِالْإِنْكَارِ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَ الْحُكْمَ وَأَقَرَّهُ . قَوْلُهُ : ( وَيَقُولُ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى يَنْهَى ، وَفَاعِلُ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ ، فَلَمَّا فَعَلُوهُ كَانَ سَبَبًا لِهَلَاكِهِمْ ، مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مِنَ ارْتِكَابِهِمْ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْمَنَاهِي ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريباب حديث بَيْنَا امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنَهَا · ص 596 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب · ص 54 122 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن حميد ابن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج على المنبر ، فتناول قصة من شعر كانت في يدي حرسي فقال : يا أهل المدينة ، أين علماؤكم ؟ سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن مثل هذه ويقول : إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم . مطابقته للترجمة في قوله : إنما هلكت بنو إسرائيل . والحديث أخرجه البخاري أيضا في اللباس عن إسماعيل ، وأخرجه مسلم في اللباس عن يحيى بن يحيى عن مالك ، وعن ابن أبي عمر وعن حرملة بن يحيى وعن عبد بن حميد . وأخرجه أبو داود في الترجل عن القعنبي به ، وأخرجه الترمذي في الاستئذان عن سويد بن نصر ، وأخرجه النسائي في الزينة عن قتيبة عن سفيان به . ذكر معناه : قوله : ( عام حج ) ، وفي رواية للبخاري عن سعيد بن المسيب آخر قدمة قدمها وكان ذلك في سنة إحدى وخمسين وهي آخر حجة حجها معاوية في خلافته . قوله : ( على المنبر ) حال من معاوية ، والمراد به منبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم . قوله : ( قصة ) بضم القاف وتشديد الصاد المهملة ، وهي شعر الرأس من جهة الناصية ، وهنا المراد منه قطعة ، من قصصت الشعر أي قطعته . قوله : ( حرسي ) منسوب إلى الحراس أحد الحرس ، وهم الذين يحرسون السلطان . قال الكرماني : الواحد حرسي ؛ لأنه قد صار اسم جنس فنسب إليه ، ولا تقل حارس إلا أن تذهب به إلى معنى الحراسة دون الجنس ، ويطلق الحرسي ويراد به الجندي . قوله : ( فقال : أهل المدينة ) ؛ أي يا أهل المدينة ، وفي أكثر النسخ لفظ يا غير محذوفة . قوله : ( أين علماؤكم ) ، قال بعضهم : فيه إشارة إلى أن العلماء إذ ذاك فيهم كانوا قليلا ، وهو كذلك لأن غالب الصحابة يومئذ كانوا قد ماتوا ، وكان رَأَى جهالَ عوامهم صنعوا ذلك فأراد أن يذكر علماءهم ويؤنبهم بما تركوه من الإنكار في ذلك . قلت : إن كان غالب الصحابة ماتوا في ذلك الوقت فقد قام مقامهم أكثر منهم جماعة من التابعين الكبار والصغار وأتباعهم ، ولم يكن معاوية قصد هذا المعنى الذي ذكره هذا القائل ، وإنما كان قصده الإنكار عليهم بإهمالهم إنكار مثل هذا المنكر وغفلتهم عن تغييره ، وفي هذا اعتناء الولاة بإزالة المنكرات وتوبيخ من أهملها . قوله : ( ويقول ) عطف على قوله : وينهى ؛ أي يقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : ( إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها ) ؛ أي حين اتخذ القصة نساؤهم ، وكان هذا سببا لهلاكهم فدل على أن ذلك كان حراما عليهم ، فلما فعلوه مع ما انضم إلى ذلك مما ارتكبوا من المعاصي هلكوا ، وفيه معاقبة العامة بظهور المنكر .