330 - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ تَنْفِرُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لَهُنَّ . وَقَوْلُهُ فِيهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ هُوَ مَقُولُ طَاوُسٍ لَا ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَذَا قَوْلُهُ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْتِي بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَأَخَّرَ إِلَى أَنْ تَطْهُرَ مِنْ أَجَلِ طَوَافِ الْوَدَاعِ ، ثُمَّ بَلَغَتْهُ الرُّخْصَةُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُنَّ فِي تَرْكِهِ فَصَارَ إِلَيْهِ ، أَوْ كَانَ نَسِيَ ذَلِكَ فَتَذَكَّرَهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَطُوفُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ · ص 510 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المرأةِ تحيضُ بعدَ الإفاضةِ · ص 534 27 - باب المرأةِ تحيضُ بعدَ الإفاضةِ خرج فيهِ حديثين : أحدهما : 328 - من حديث عمرة عَن عائشة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن صفية قَد حاضت ، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لعلها تحبسنا ، ألم تكن طافت معكن ؟ ) قالوا : بلى . قالَ : ( فاخرجي ) . والثاني : 329 - من حديث طاوس عَن ابن عباس ، قالَ : رخص للحائض أن تنفر إذا حاضت . 330 - وكان ابن عمر يقول في أول أمره : إنها لا تنفر . ثم سمعته يقول : تنفر ؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لهن . قَد سبق أن الحائض ممنوعة من الطواف في حال حيضها ، فإن حاضت قبل طواف الإفاضة فإنها لا تنفر حتى تطوف للإفاضة . وإن طافت طواف الإفاضة ، ثم حاضت - فذهب جمهور أهل العلم إلى أنها تنفر ، كَما دلت عليهِ هَذهِ الأحاديث الثلاثة ، أعني : حديث عائشة ، وابن عمر ، وابن عباس . وقد روي عَن عمر وابنه عبد الله وزيد بن ثابت أنهم قالوا : لا تنفر حتى تطهر ، وتطوف للوداع . ووافق جماعة من الأنصار زيد بن ثابت في قوله هَذا ، وتركوا قول ابن عباس . فأما ابن عمر فقد صح عَنهُ برواية طاوس هَذهِ أنه رجع عَن ذَلِكَ . وأما زيد ففي ( صحيح مسلم ) عَن طاوس أيضا أنه قالَ : كنت معَ ابن عباس إذ قالَ زيد بن ثابت : أتفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون عهدها بالبيت ؟ فقالَ لَهُ ابن عباس : إما لا ، فسل فلانة الأنصارية ، هل أمرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالَ : فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك ، وَهوَ يقول : ما أراك إلا قَد صدقت ! وأما عمر فقد روي أيضا أنه رجع عما قاله في ذَلِكَ ، فروى عبد الرزاق ، أبنا محمد بن راشد ، عَن سليمان بن موسى ، عَن نافع ، قالَ : رد عمر نساء من ثنية هرشى ، وذلك أنهن أفضن يوم النحر ، ثم حضن فنفرن ، فردهن حتى يطهرن ويطفن بالبيت . قالَ : ثم بلغ عمر بعد ذَلِكَ حديث [غير] ما صنع ، فترك عمر صنيعه الأول . قالَ : وأبنا محمد بن راشد : أخبرني عبدة بن أبي لبابة ، عَن هشام بن يحيى المخزومي - أن رجلًا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب ، فسأله عَن امرأة زارت يوم النحر ، ثم حاضت ؟ قالَ : فلا تنفر حتى تطهر ، فيكون آخر عهدها بالبيت . فقالَ الرجل : فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر في مثل هَذهِ المرأة بغير ما أفتيت ! فضربه عمر بالدرة ، وقال : ولم تستفتني في شيء قَد أفتى فيهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وخرج الإسماعيلي في ( مسند عمر ) من طريق هشام بن عمار : ثنا صدقة ، ثنا الشعيثي ، عَن زفر بن وثيمة - أن رجلًا من ثقيف أتى عمر ، فقالَ : امرأة منا حاضت ، وقد أفاضت يوم النحر ! فقالَ : ليكن آخر عهدها بالبيت . فقالَ : إن النبي صلى الله عليه وسلم أفتى امرأة منا أن تصدر ! فحمل عمر عليهِ ، فضربه ، وقال : تستفتيني في شيء قَد أفتى فيهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وقد روي على وجه آخر خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية الوليد بن عبد الرحمن ، عن الحارث بن عبد الله بن أوس ، قالَ : أتيت عمر بن الخطاب ، فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ، ثم تحيض ، فقالَ : ليكن آخر عهدها بالبيت . قالَ الحارث : كذلك أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقالَ عمر : أربت عن يديك ؛ سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكيما أخالف ! والوليد هذا ليس بالمشهور . وخرجه الإمام أحمد والترمذي من طريق آخر ، عن الحارث بن عبد الله بن أوس ، قالَ : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من حج هذا البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت ) . فقالَ لهُ عمر : خررت من يديك ! سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم تخبرنا به ! وفي إسناده حجاج بن أرطاة ، وقد اختلف عليهِ في إسناده . وهذه الرواية تدل على أن الحارث بن أوس لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الحائض بخصوصها إذا كانت قد أفاضت أنها تحتبس لطواف الوداع ، إنما سمع لفظًا عاما . وقد صح الإذن للحائض إذا كانت قد طافت للإفاضة أن تنفر ، فيخص من ذَلِكَ العموم . وعلى هذا عمل العلماء كافة من الصحابة فمن بعدهم . وقد روى عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن أبي فروة - أنه سمع القاسم بن محمد يقول : رحم الله عمر ! كل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قد أمروها بالخروج . يقول : إذا كانت أفاضت . وروى بإسناده عن سعد بن أبي وقاص أنه ذكر لهُ قول عمر : لا تنفر حتى تطهر ليكون آخر عهدها بالبيت ، فقالَ : ما يجعلها حرامًا بعد إذ حلت ؟ إذا كانت قد طافت يوم النحر فقد حلت ، فلتنفر . يشير سعد إلى أن من طاف طواف الإفاضة فقد حل الحل كله ، فلا يكون محتبسًا بعد حله ، وإنما يبقى عليهِ بقايا من توابع المناسك ، كالرمي والمبيت بمنى وطواف الوداع . فما أمكن الحائض فعله من ذَلِكَ كالرمي والمبيت فعلته ، وما تعذر فعله عليها كالطواف سقط عنها ، ولم يجز إلزامها بالاحتباس لهُ . وكل من خالف في ذَلِكَ فإنما تمسك بعموم قد صح تخصيصه بنصوص صحيحة خاصة بالحائض ، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحائض بخصوصها نهي أن تنفر . وحديث الرجل الثقفي الذي حدث عمر بما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم قد روي على ثلاثة أوجه كما سبق ، وأسانيده ليست بالقوية ، فلا يكون معارضًا لأحاديث الرخصة للحائض في النفر ؛ فإنها خاصة ، وأسانيدها في غاية الصحة والثبوت .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المرأة تحيض بعد الإفاضة · ص 313 34 - حدثنا معلى بن أسد ، قال : حدثنا وهيب ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : رخص للحائض أن تنفر إذا حاضت ، وكان ابن عمر يقول : في أول أمره : إنها لا تنفر ، ثم سمعته يقول : تنفر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لهن . ذكر هذين الأثرين ، عن ابن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم إيضاحا لمعنى الحديث السابق ، ومعلى بضم الميم وتشديد اللام ابن أسد مرادف الليث أبو الهيثم البصري ، مات سنة تسع عشرة ومائتين ، ووهيب تصغير وهب بن خالد أثبت شيوخ البصريين ، وعبد الله بن طاوس مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، قال معمر : ما رأيت ابن فقيه مثل ابن طاوس ، وأبوه طاوس بن كيسان اليماني الحميري من أبناء الفرس ، كان يعد الحديث حرفا حرفا . قال عمرو بن دينار : لا تحسبن أحدا أصدق لهجة منه ، مات سنة بضع عشرة ومائة . قوله: ( رخص ) بلفظ المجهول ، والرخصة حكم يثبت على خلاف الدليل لعذر . قلت : الرخصة حكم شرع تيسيرا لنا ، وقيل : هو المشروع لعذر مع قيام المحرم ، لولا العذر . والعذر هو وصف يطرأ على المكلف يناسب التسهيل عليه . قوله : أن تنفر بكسر الفاء وضمها والكسر أفصح ، وكلمة أن مصدرية في محل رفع ، لأنه فاعل ناب عن المفعول ، والتقدير رخص لها النفور ، أي : الرجوع إلى وطنها . قوله : وكان ابن عمر يقول : هو كلام طاوس ، وهو داخل تحت الإسناد المذكور . قوله : ( في أول أمره ) ، يعني قبل وقوفه على الحديث المذكور . قوله: ( لا تنفر ) بمعنى لا ترجع حتى تطوف طواف الوداع . قوله : ( ثم سمعته ) ، أي : قال طاوس ، ثم سمعت ابن عمر يقول : تنفر ، يعني : ترجع بعد أن طاف طواف الركن ، أراد أنه رجع عن تلك الفتوى التي كان يفتيها أولا إلى خلافها . قوله : ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، من كلام ابن عمر في مقام التعليل ؛ لرجوعه عن فتواه الأولى ، وذلك أنه لما لم يبلغه الحديث أفتى باجتهاده ، ثم لما بلغه رجع عنه أو كان وقف عليه أولا ، ثم نسيه ، ثم لما تذكره رجع إليه ، وإما إنه سمع ذلك من صحابي آخر رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليه . قوله : ( رخص لهن ) ، أي : للحائض ، وإنما جمع نظرا إلى الجنس .