3820 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي ، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ . الْحَدِيثُ السَّادِسُ : قَوْلُهُ : ( عَنْ عُمَارَةَ ) هُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( أَتَى جِبْرِيلُ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَهُوَ بِحِرَاءَ . قَوْلُهُ : ( هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَدْ أَتَتْكَ وَمَعْنَاهُ تَوَجَّهَتْ إِلَيْكَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ثَانِيًا : فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَمَعْنَاهُ وَصَلَتْ إِلَيْكَ . قَوْلُهُ : ( إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ وَشَرَابٌ وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ حَيْسًا . قَوْلُهُ : ( فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي ) زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَتْ : هُوَ السَّلَامُ وَمِنْهُ وَالسَّلَامُ وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ وِلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ يُقْرِي خَدِيجَةَ السَّلَامَ - يَعْنِي فَأَخْبِرْهَا - فَقَالَتْ : إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ ، وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ وَعَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ زَادَ ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَعَلَى مَنْ سَمِعَ السَّلَامُ ، إِلَّا الشَّيْطَانَ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : فِي هَذَهِ الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى وُفُورِ فِقْهِهَا ، لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ : وَعَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ حَيْثُ كَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّشَهُّدِ : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ هُو السَّلَامُ ، فَقُولُوا : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ فَعَرَفَتْ خَدِيجَةُ لِصِحَّةِ فَهْمِهَا أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا يُرَدُّ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ، وَهُوَ أَيْضًا دُعَاءٌ بِالسَّلَامَةِ ، وَكلاها لَا يَصْلُحُ أَنْ يُرَدَّ بِهِ عَلَى اللَّهِ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ : كَيْفَ أَقُولُ : عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالسَّلَامُ اسْمُهُ ، وَمِنْهُ يُطْلَبُ وَمِنْهُ يَحْصُلُ ؟ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ إِلَّا الثَّنَاءُ عَلَيْهِ فَجَعَلَتْ مَكَانَ رَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ غَايَرَتْ بَيْنَ مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ وَمَا يَلِيقُ بِغَيْرِهِ فَقَالَتْ : وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ ثُمَّ قَالَتْ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى مَنْ أَرْسَلَ السَّلَامَ وَعَلَى مَنْ بَلَّغَهُ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ جَوَابِهَا فَرَدَّتْ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ : مَرَّةً بِالتَّخْصِيصِ وَمَرَّةً بِالتَّعْمِيمِ ، ثُمَّ أَخْرَجَتِ الشَّيْطَانَ مِمَّنْ سَمِعَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الدُّعَاءَ بِذَلِكَ . قِيلَ : إِنَّمَا بَلَّغَهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ رَبِّهَا بِوَاسِطَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتِرَامًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ وَقَعَ لَهُ لَمَّا سَلَّمَ عَلَى عَائِشَةَ لَمْ يُوَاجِهْهَا بِالسَّلَامِ بَلْ رَاسَلَهَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ وَاجَهَ مَرْيَمَ بِالْخِطَابِ ، فَقِيلَ : لِأَنَّهَا نَبِيَّةٌ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا زَوْجٌ يُحْتَرَمُ مَعَهُ مُخَاطَبَتُهَا . قَالَ السُّهَيْلِيُّ : اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ أَبُو بَكْرِ بْنِ دَاوُدَ عَلَى أَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ مِنْ عَائِشَةَ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ سَلَّمَ عَلَيْهَا جِبْرِيلُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ، وَخَدِيجَةُ أَبْلَغَهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا . وَزَعَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ مِنْ عَائِشَةَ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ قَدِيمًا وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ أَفْضَلِيَّةَ خَدِيجَةَ بِهَذَا وَبِمَا تَقَدَّمَ . قُلْتُ : وَمِنْ صَرِيحِ مَا جَاءَ فِي تَفْضِيلِ خَدِيجَةَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ قَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ كَمَا تَقَدَّمَ : لِعَائِشَةَ مِنَ الْفَضَائِلِ مَا لَا يُحْصَى ، وَلَكِنَّ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَدِينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ ثُمَّ خَدِيجَةَ ثُمَّ عَائِشَةَ . وَاسْتَدَلَّ لِفَضْلِ فَاطِمَةَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَتِهَا أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ . قُلْتُ : وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ : الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَدِيثِينَ أَوْلَى ، وَأَنْ لَا نُفَضِّلَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى . وَسُئِلَ السُّبْكِيُّ : هَلْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ أَحَدًا مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ أَفْضَلُ مِنْ فَاطِمَةَ ؟ فَقَالَ : قَالَ بِهِ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ ، وَهُوَ مِنْ فَضْلِ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُنَّ فِي دَرَجَتِهِ فِي الْجَنَّةِ . قَالَ : وَهُوَ قَوْلٌ سَاقِطٌ مَرْدُودٌ . انْتَهَى . وَقَائِلُهُ هُوَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ . قَالَ السُّبْكِيُّ : وَنِسَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ مُتَسَاوِيَاتٌ فِي الْفَضْلِ ، وَهُنَّ أَفْضَلُ النِّسَاءِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ الْآيَةَ ، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ قِيلَ إِنَّهَا نَبِيَّةٌ كَمَرْيَمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِمَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا وَقَعَ لَهَا نَظِيرُ مَا وَقَعَ لِخَدِيجَةَ مِنَ السَّلَامِ وَالْجَوَابِ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةَ وَفَضْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا · ص 172 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةَ وَفَضْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا · ص 173 3821 - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ - أُخْتُ خَدِيجَةَ - عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَالَةَ . قَالَتْ : فَغِرْتُ فَقُلْتُ : مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا . الحديث السابع : قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الَّتِي اتَّصَلَتْ إِلَيْنَا بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ ، لَكِنَّ صَنِيعَ الْمِزِّيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مَوْصُولًا ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ شُجَاعٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ . قَوْلُهُ : ( اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ) هِيَ أُخْتُ خَدِيجَةَ ، وَكَانَتْ زَوْجَ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وَالِدِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ زَوْجِ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ذَكَرُوهَا فِي الصَّحَابَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ هَاجَرَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّ دُخُولَهَا كَانَ بِهَا أَيْ بِالْمَدِينَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ حَيْثُ كَانَتْ عَائِشَةُ مَعَهُ فِي بَعْضِ سَفَرَاتِهِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَغْفِرِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا السَّنَدِ قَدِمَ ابْنٌ لِخَدِيجَةَ يُقَالُ لَهُ هَالَةُ ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَائِلَتِهِ كَلَامَ هَالَةَ ، فَانْتَبَهَ وَقَالَ : هَالَةُ ، هَالَةُ قَالَ الْمُسْتَغْفِرِيُّ : الصَّوَابُ هَالَةُ أُخْتُ خَدِيجَةَ ، انْتَهَى . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ تَمِيمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ هَالَةَ ، عَنْ أَبِي هَالَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ رَاقِدٌ فَاسْتَيْقَظَ فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ : هَالَةُ ، هَالَةُ وَذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الصَّحَابَةِ هَالَةَ بْنَ أَبِي هَالَةَ التَّمِيمِيَّ ، فَلَعَلَّهُ كَانَ لِخَدِيجَةَ أَيْضًا ابْنٌ اسْمُهُ هَالَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ ) أَيْ صِفَتَهُ لِشَبَهِ صَوْتِهَا بِصَوْتِ أُخْتِهَا فَتَذَكَّرَ خَدِيجَةَ بِذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ : ارْتَاعَ مِنَ الرَّوْعِ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ فَزِعَ ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْفَزَعِ لَازِمُهُ وَهُوَ التَّغَيُّرُ . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ارْتَاحَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ اهْتَزَّ لِذَلِكَ سُرُورًا ، وَقَوْلُهُ : اللَّهُمَّ هَالَةَ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ اجْعَلْهَا هَالَةَ ، فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مَنْصُوبٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذِهِ هَالَةُ وَعَلَى هَذَا هُوَ مَرْفُوعٌ ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَحَبَّ مَحْبُوبَاتِهِ وَمَا يُشْبِهُهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ . قَوْلُهُ : ( حَمْرَاءَ الشِّدْقَيْنِ ) بِالْجَرِّ ، قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ : يَجُوزُ فِي حَمْرَاءَ الرَّفْعُ عَلَى الْقَطْعِ وَالنَّصْبُ عَلَى الصِّفَةِ أَوِ الْحَالِ ، ثُمَّ الْمَوْجُودُ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَفِي مُسْلِمٍ حَمْرَاءُ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رُوِيَ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَعْنًى ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قِيلَ : مَعْنَى حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ : بَيْضَاءُ الشَّدْقَيْنِ ، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ عَلَى الْأَبْيَضِ الْأَحْمَرَ كَرَاهَةَ اسْمِ الْبَيَاضِ لِكَوْنِهِ يُشْبِهُ الْبَرَصَ ، وَلِهَذَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لِعَائِشَةَ : يَا حُمَيْرَاءُ . ثُمَّ اسْتَبْعَدَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا لِكَوْنِ عَائِشَةَ أَوْرَدَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مَوْرِدَ التَّنْقِيصِ ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قِيلَ لَنَصَّتْ عَلَى الْبَيَاضِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ أَبْلَغَ فِي مُرَادِهَا . قَالَ : وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ نِسْبَتُهَا إِلَى كِبَرِ السِّنِّ ، لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ مَعَ قُوَّةٍ فِي بَدَنِهِ يَغْلِبُ عَلَى لَوْنِهِ غَالِبًا الْحُمْرَةُ الْمَائِلَةُ إِلَى السُّمْرَةِ ، كَذَا قَالَ . وَالَّذِي يَتَبَادَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّدْقَيْنِ مَا فِي بَاطِنِ الْفَمِ فَكَنَّتْ بِذَلِكَ عَنْ سُقُوطِ أَسْنَانِهَا حَتَّى لَا يَبْقَى دَاخِلَ فَمِهَا إِلَّا اللَّحْمُ الْأَحْمَرُ مِنَ اللِّثَةِ وَغَيْرِهَا ، وَبِهَذَا جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : فِي سُكُوتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ دَلِيلٍ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ عَائِشَةَ عَلَى خَدِيجَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخَيْرِيَّةِ هُنَا حُسْنَ الصُّورَةِ وَصِغَرَ السِّنِّ . انْتَهَى . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُنْقَلْ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ عَلَيْهَا عَدَمُ ذَلِكَ ، بَلِ الْوَاقِعُ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ رَدٌّ لِهَذِهِ الْمَقَالَةِ ، فَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِكَبِيرَةِ السِّنِّ حَدِيثَةَ السِّنِّ ، فَغَضِبَ حَتَّى قُلْتُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَذْكُرُهَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا بِخَيْرٍ وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا تَأَوَّلَهُ ابْنُ التِّينِ فِي الْخَيْرِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا . وَرَوَى أَحْمَدُ أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا ، آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ الْحَدِيثَ ، قَالَ عِيَاضٌ : قَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ : الْغَيْرَةُ مُسَامَحٌ لِلنِّسَاءِ مَا يَقَعُ فِيهَا وَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِنَّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ؛ لِمَا جُبِلْنَ عَلَيْهِ مِنْهَا ، وَلِهَذَا لَمْ يَزْجُرِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ . وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ ذَلِكَ جَرَى مِنْ عَائِشَةَ صغر سِنِّهَا وَأَوَّل شَبِيبَتِهَا ، فَلَعَلَّهَا لَمْ تَكُنْ بَلَغَتْ حِينَئِذٍ . قُلْتُ : وَهُوَ مُحْتَمَلٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ نَظَرٍ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَا تَدُلُّ قِصَّةُ عَائِشَةَ هَذِهِ عَلَى أَنَّ الْغَيْرَى لَا تُؤَاخَذُ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهَا ، لِأَنَّ الْغَيْرَةَ هُنَا جُزْءُ سَبَبٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ عَائِشَةَ اجْتَمَعَ فِيهَا حِينَئِذٍ الْغَيْرَةُ وَصِغَرُ السِّنِّ وَالْإِدْلَالُ ، قَالَ فَإِحَالَةُ الصَّفْحِ عَنْهَا عَلَى الْغَيْرَةِ وَحْدَهَا تَحَكُّمٌ ، نَعَمُ الْحَامِلُ لَهَا عَلَى مَا قَالَتِ الْغَيْرَةُ ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي نَصَّتْ عَلَيْهَا بِقَوْلِهَا : فَغِرْتُ وَأَمَّا الصَّفْحُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الْغَيْرَةِ وَحْدَهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلِغَيْرِهَا مِنَ الشَّبَابِ وَالْإِدْلَالِ . قُلْتُ : الْغَيْرَةُ مُحَقَّقَةٌ بِتَنْصِيصِهَا ، وَالشَّبَابُ مُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ زَمَنِ الْبُلُوغِ ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ وَقَعَ فِي أَوَائِلِ دُخُولِهِ عَلَيْهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ . وَأَمَّا إِدْلَالُ الْمَحَبَّةِ فَلَيْسَ مُوجِبًا لِلصَّفْحِ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ ، بِخِلَافِ الْغَيْرَةِ فَإِنَّمَا يَقَعُ الصَّفْحُ بِهَا لِأَنَّ مَنْ يَحْصُلُ لَهَا الْغَيْرَةُ لَا تَكُونُ فِي كَمَالِ عَقْلِهَا ، فَلِهَذَا تَصْدُرُ مِنْهَا أُمُورٌ لَا تَصْدُرُ مِنْهَا فِي حَالِ عَدَمِ الْغَيْرَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها · ص 281 308 - حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا محمد بن فضيل ، عن عمارة ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني ، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحديث من مراسيل الصحابة لأن أبا هريرة لم يدرك خديجة ولا أيامها ، وعمارة بضم العين المهملة وتخفيف الميم ابن قعقاع ، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي اسمه هرم ، وقيل : عبد الله ، وقيل غير ذلك . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد عن زهير بن حرب ، وأخرجه مسلم في الفضائل عن أبي بكر ، وأبي كريب ، وابن نمير ، وأخرجه النسائي في المناقب عن عمرو بن علي . قوله : عن أبي هريرة وفي رواية مسلم : سمعت أبا هريرة ، قوله : أتى جبريل وعند الطبراني أن ذلك كان وهو بحراء ، قوله : قد أتت ، وفي رواية مسلم : قد أتتك أي توجهت إليك ، قوله : فيه إدام أو طعام أو شراب شك من الراوي ، وعند الطبراني أنه كان حيسا ، قوله : فإذا هي أتتك أي وصلت إليك ، قوله : فاقرأ عليها السلام أي سلم عليها من ربها ومني ، ( فإن قلت ) : كيف ردت الجواب ؟ ( قلت ) : بين ذلك الطبراني في روايته : فقالت : هو السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام ، وللنسائي من رواية أنس قال : قال جبريل للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إن الله يقرئ خديجة السلام ، يعني فأخبرها ، فقالت : إن الله هو السلام وعلى جبريل السلام وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته ، وفي رواية ابن السني زيادة وهي قولها : وعلى من سمع السلام إلا الشيطان ، ( فإن قلت ) : فلم ما قالت وعلى الله السلام كما قالت وعلى جبريل وعليك يا رسول الله ؟ ( قلت ) : لأن الله هو السلام وهو اسم من أسمائه فلا يرد عليه السلام كما يرد على المخلوقين ، ألا يرى أن بعض الصحابة لما قالوا في التشهد السلام على الله نهاهم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن ذلك وقال : إن الله هو السلام فقولوا : التحيات لله ، ولأن السلام دعاء أيضا بالسلامة فلا يصلح أن يرد به على الله ، ففيه دلالة على صحة فهم خديجة وقوة إدراكها مثل هذا . ( فإن قلت ) : لما ردت الجواب بما ذكرنا هل كان جبريل عليه السلام حاضرا ؟ ( قلت ) : بلى كان حاضرا فردت عليه وردت على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مرتين ، ثم أخرجت الشيطان ممن سمع لأنه لا يستحق الدعاء بذلك .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها · ص 281 ( وقال إسماعيل بن خليل قال : أخبرنا علي بن مسهر ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك ، فقال : اللهم هالة ، قالت : فغرت فقلت : ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيرا منها ) . مطابقته للجزء الأول من الترجمة من حيث دلالته على التزويج بطريق اللزوم ، وقال الكرماني : المراد من الترجمة لفظ " وفضلها " ، كما تقول : أعجبني زيد وكرمه وتريد أعجبني كرم زيد . ( قلت ) : على قوله لا يوجد في الباب للجزء الأول من الترجمة حديث يطابقها . وإسماعيل بن خالد أبو عبد الله الخزاز الكوفي روى عنه البخاري ومسلم ، وقال البخاري : جاءنا نعيه سنة خمس وعشرين ومائتين . قوله : " وقال إسماعيل " صورته صورة التعليق في النسخ كلها لكن الحافظ المزي قال : حديث استأذنت هالة ، وذكر الحديث ، ثم قال حينئذ في فضل خديجة عن إسماعيل بن خليل ، فهذه العبارة تدل على أنه روى عنه فتقتضي اتصاله ، وأخرجه مسلم في الفضائل عن سويد بن سعيد ، وأخرجه أبو عوانة عن محمد بن يحيى الذهلي ، عن إسماعيل المذكور . قوله : " استأذنت هالة " بالهاء وتخفيف اللام ، وهي أخت خديجة ، وكلتاهما بنتا خويلد بن أسد ، وكانت زوج الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس والد أبي العاص زوج زينب بنت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، وذكرت في الصحابة ، وقد هاجرت إلى المدينة لأن استيذانها كان بالمدينة ، قوله : " فعرف استئذان خديجة " أي تذكر استئذانها لشبه صوتها بصوت خديجة ، قوله : " فارتاع لذلك " من الروع أي فزع ، ولكن المراد لازمه ، وهو التغير ، ويروى " فارتاح " بالحاء المهملة أي اهتز لذلك سرورا ، قوله : " فقال اللهم هالة " بالنصب تقديره يا الله اجعلها هالة فتكون هالة منصوبا على المفعولية ، ويجوز رفعها على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذه هالة ، وروى المستغفري من طريق حماد بن سلمة عن هشام بهذا السند : " قدم ابن لخديجة يقال له هالة ، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - في قابلته كلام هالة فانتبه وقال : هالة هالة " ثم قال المستغفري : الصواب هالة أخت خديجة ، قوله : " قالت " أي عائشة " فغرت " من الغيرة ، " فقلت ما تذكر من عجوز من عجائز قريش " أرادت به خديجة ، قوله : " حمراء الشدقين " بالحاء المهملة والراء ، والشدق بالكسر جانب الفم أرادت أنها عجوز كبيرة جدا قد سقطت أسنانها من الكبر ولم يبق بشدقها بياض من الأسنان إنما بقيت فيه حمرة اللثات ، وقال القرطبي : قيل معنى حمراء الشدقين : بيضاء الشدقين ، والعرب تطلق الأحمر على الأبيض كراهة لاسم البياض لكونه يشبه البرص ، وفيه نظر لا يخفى ، وحكى ابن التين أنه روي بالجيم والزاي ولم يذكر له معنى ، وهو تصحيف قاله بعضهم ، وقال صاحب ( التوضيح ) : روى كلاهما ولم يذكر المعنى أيضا ، قوله : " خيرا منها " أي من خديجة ، وقال ابن التين : في سكوت النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - على هذه المقالة دليل على أفضلية عائشة على خديجة رضي الله تعالى عنهما إلا أن يكون المراد بالخيرية هنا حسن الصورة وصغر السن ، وقال الطبري وغيره : الغيرة تسامح للنساء ما يقع منهن ، ولا عقوبة عليهن في تلك الحالة لما جبلن عليها ، ولهذا لم يزجر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عائشة عن ذلك ، ( قلت ) : فعلى هذا سكوته صلى الله عليه وسلم على المقالة المذكورة لا يدل على أفضلية عائشة على خديجة على أنه جاءت رواية بالرد لهذه المقالة ، وهي ما رواه أحمد والطبراني من رواة ابن أبي نجيح ، عن عائشة أنها قالت : " قد أبدلك الله بكبيرة السن حديثة السن فغضب حتى قلت : والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بخير .