32 - بَاب ذِكْرُ الْجِنِّ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ 3859 - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي قَالَ : سَأَلْتُ مَسْرُوقًا : مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ ؟ فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبُوكَ - يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ - أَنَّهُ آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ ذِكْرِ الْجِنِّ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْجِنِّ فِي أَوَائِلِ بَدْءِ الْخَلْقِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ الْآيَةَ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا قَرَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْجِنِّ وَلَا رَآهُمْ الْحَدِيثَ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي اجْتِمَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجِنِّ وَحَدِيثِهِ مَعَهُمْ ، لَكِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِمْ ، وَلَا أَنَّهُمُ الْجِنُّ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَتَئِذٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ إِنَّمَا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ الْمَدِينَةَ ، وَقِصَّةُ اسْتِمَاعِ الْجِنِّ لِلْقُرْآنِ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ مَا نَفَاهُ وَمَا أَثْبَتَهُ غَيْرُهُ بِتَعَدُّدِ وُفُودِ الْجِنِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي مَكَّةَ فَكَانَ لِاسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ وَالرُّجُوعِ إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ كَمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ ، وَأَمَّا فِي الْمَدِينَةِ فَلِلسُّؤَالِ عَنِ الْأَحْكَامِ ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقُدُومُ الثَّانِي كَانَ أَيْضًا بِمَكَّةَ ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا سَنَذْكُرُهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ ، وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقُدُومِ بِمَكَّةَ مَرَّتَيْنِ وَبِالْمَدِينَةِ أَيْضًا . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَكَى مَا وَقَعَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عِنْدَمَا عَلِمَ الْجِنُّ بِحَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَرَهُمْ ، ثُمَّ أَتَاهُ دَاعِي الْجِنِّ مَرَّةً أُخْرَى ، فَذَهَبَ مَعَهُ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ كَمَا حَكَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ انْتَهَى ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : هَبَطُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِبَطْنِ نَخْلٍ ، فَلَمَّا سَمِعُوهُ قَالُوا : أَنْصِتُوا ، وَكَانُوا سَبْعَةً أَحَدُهُمْ زَوْبَعَةُ . قُلْتُ : وَهَذَا يُوَافِقُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : هَلْ صَحِبَ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنَّا فَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُلْنَا : اغْتِيلَ ، اسْتُطِيرَ . فَبِتْنَا شَرَّ لَيْلَةٍ . فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ السَّحَرِ إِذَا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ ، فَذَكَرْنَا لَهُ ، فَقَالَ : أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ ، فَأَتَيْتُهُمْ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ ، فَانْطَلَقَ فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ . وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَحُّ مِمَّا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي أَبُو عُثْمَانَ بْنُ شَيْبَةَ الْخُزَاعِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ وَهُوَ بِمَكَّةَ : مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَنْظُرَ اللَّيْلَةَ أَثَرَ الْجِنِّ فَلْيَفْعَلْ ، قَالَ : فَلَمْ يَحْضُرْ مِنْهُمْ أَحَدٌ غَيْرِي ، فَلَمَّا كُنَّا بِأَعْلَى مَكَّةَ خَطَّ لِي بِرِجْلِهِ خَطًّا ثُمَّ أَمَرَنِي أَنْ أَجْلِسَ فِيهِ ، ثُمَّ انْطَلَقَ ، ثُمَّ قَرَأَ الْقُرْآنَ ، فَغَشِيَتْهُ أَسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى مَا أَسْمَعُ صَوْتَهُ ، ثُمَّ انْطَلَقُوا وَفَرَغَ مِنْهُمْ مَعَ الْفَجْرِ فَانْطَلَقَ الْحَدِيثُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي الصَّحِيحِ : مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ ، أَرَادَ بِهِ فِي حَالِ إِقْرَائِهِ الْقُرْآنَ ، لَكِنْ قَوْلُهُ فِي الصَّحِيحِ : إِنَّهُمْ فَقَدُوهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِخُرُوجِهِ ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الَّذِي فَقَدَهُ غَيْرُ الَّذِي خَرَجَ مَعَهُ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ مُتَابِعٌ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : اسْتَتْبَعَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ خَمْسَةَ عَشَرَ بَنِي إِخْوَةٍ وَبَنِي عَمٍّ يَأْتُونَنِي اللَّيْلَةَ ، فَأَقْرَأُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ ، فَخَطَّ لِي خَطًّا ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَغَيْرُهُمَا ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْجَوْزَاءِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ مُخْتَصَرًا ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ اسْتِمَاعَ الْجِنِّ كَانَ بَعْدَ رُجُوعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الطَّائِفِ لَمَّا خَرَجَ إِلَيْهَا يَدْعُو ثَقِيفًا إِلَى نَصْرِهِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ مِنَ الْمَبْعَثِ ، كَمَا جَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ بِأَنَّ خُرُوجَهُ إِلَى الطَّائِفِ كَانَ فِي شَوَّالٍ ، وَسُوقُ عُكَاظٍ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ كَانَتْ تُقَامُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ . وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ : وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ ، لَمْ يُضْبَطْ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ غَيْرُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، فَلَعَلَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ تَلَقَّاهُ لَمَّا رَجَعَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ وُفُودَ الْجِنِّ كَانَ بَعْدَ رُجُوعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الطَّائِفِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي أَوَّلِيَّةِ قُدُومِ بَعْضِهِمْ . وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ الْمُبَالَغَةُ فِي رَمْيِ الشُّهُبِ لِحِرَاسَةِ السَّمَاءِ مِنِ اسْتِرَاقِ الْجِنِّ السَّمْعَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ النَّبَوِيِّ ، وَإِنْزَالِ الْوَحْيِ إِلَى الْأَرْضِ ، فَكَشَفُوا ذَلِكَ إِلَى أَنْ وَقَفُوا عَلَى السَّبَبِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُقَيِّدِ التَّرْجَمَةَ بِقُدُومٍ وَلَا وِفَادَةٍ ، ثُمَّ لَمَّا انْتَشَرَتِ الدَّعْوَةُ وَأَسْلَمَ مَنْ أَسْلَمَ قَدِمُوا فَسَمِعُوا فَأَسْلَمُوا ، وَكَانَ ذَلِكَ بَيْنَ الْهِجْرَتَيْنِ ، ثُمَّ تَعَدَّدَ مَجِيئهُمْ حَتَّى فِي الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ) هُوَ أَبُو قُدَامَةَ السَّرَخْسِيُّ ، وَهُوَ بِالتَّصْغِيرِ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، وَفِي طَبَقَتِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ مُكَبَّرٌ وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ . قَوْلُهُ : ( مَنْ آذَنَ ) بِالْمَدِّ أَيْ أَعْلَمَ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ ابْنِ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ آذَنَتْ بِهِمْ سَمُرَةٌ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب ذِكْرُ الْجِنِّ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ · ص 208 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ذكر الجن · ص 308 ( باب ذكر الجن ) أي هذا باب فيه ذكر الجن ، وتقدم الكلام في الجن في أوائل بدء الخلق . ( وقول الله تعالى : قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ) وقول الله بالجر عطف على قوله " ذكر الجن " ، قوله : " قل أوحي " يعني قل يا محمد أي أخبر قومك ما ليس لهم به علم ، ثم بين فقال أوحي إلي أي أخبرت بالوحي من الله أنه أي الأمر والشأن ، وكلمة أن بالفتح مع اسمه وخبره في محل الرفع لأنه قام مقام فاعل أوحي استمع القرآن ، فحذف لأن ما بعده يدل عليه ، والاستماع طلب بالإصغاء إليه ، قوله : " نفر من الجن " أي جماعة منهم ذكروا في التفسير ، وكانوا تسعة من جن نصيبين ، وقيل : كانوا من جن الشيصبان وهم أكثر الجن عددا ، وهم عامة جنود إبليس ، وقيل : كانوا سبعة وكانوا من اليمن ، وكانوا يهود ، وقيل : كانوا مشركين . واعلم أن الأحاديث التي وردت في هذا الباب أعني فيما يتعلق بالجن تدل على أن وفادة الجن كانت ست مرات : الأولى : قيل فيها اغتيل واستظير والتمس ، الثانية : كانت بالحجون ، الثالثة : كانت بأعلى مكة وانصاع في الجبال ، الرابعة : كانت ببقيع الغرقد وفي هؤلاء الليالي حضر ابن مسعود وخط عليه ، الخامسة : كانت خارج المدينة وحضرها الزبير بن العوام ، السادسة : كانت في بعض أسفاره وحضرها بلال بن الحارث ، وقال ابن إسحاق : لما آيس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خبر ثقيف انصرف عن الطائف راجعا إلى مكة حتى كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي ، فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله فيما ذكر لي سبعة نفر من أهل جن نصيبين ، فاستمعوا له ، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا ، فقص الله خبرهم عليه فقال تعالى : وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ إلى قوله أَلِيمٍ ثم قال تعالى : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة ، ( فإن قلت ) : في الصحيحين أن ابن عباس قال : ما قرأ رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - على الجن ولا رآهم الحديث ، ( قلت ) : هذا النفي من ابن عباس إنما هو حيث استمعوا التلاوة في صلاة الفجر ، ولم يرد به نفي الرؤية والتلاوة مطلقا ، وقال القرطبي : معنى حديث ابن عباس لم يقصدهم بالقراءة ، فعلى هذا فلم يعلم رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - باستماعهم ولا كلمهم وإنما أعلمه الله تعالى بقوله : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ ويقال : عبد الله بن مسعود أعلم بقصة الجن من عبد الله بن عباس فإنه حضرها وحفظها ، وعبد الله بن عباس كان إذ ذاك طفلا رضيعا فقد قيل : إن قصة الجن كانت قبل الهجرة بثلاث سنين ، وقال الواقدي : كانت في سنة إحدى عشرة من النبوة ، وابن عباس كان في حجة الوداع قد ناهز الاحتلام ، وقيل : يجمع بين ما نفاه وما أثبته غيره بتعدد وفود الجن على النبي - صلى الله عليه وسلم - .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ذكر الجن · ص 309 342 - حدثني عبيد الله بن سعيد ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا مسعر ، عن معن بن عبد الرحمن قال : سمعت أبي قال : سألت مسروقا : من آذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجن ليلة استمعوا القرآن ؟ فقال : حدثني أبوك يعني عبد الله أنه آذنت بهم شجرة . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعبيد الله بالتصغير ابن سعيد أبو قدامة السرخسي ، وهو أبو سعيد الأشج ، ومعن بفتح الميم وسكون العين المهملة وفي آخره نون ابن عبد الرحمن ، وهو يروي عن أبيه عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، ومسروق هو ابن الأجدع ، وفي الأصل أجدع لقبه واسمه عبد الرحمن . قوله : من أذن أي من أعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجن في ليلة استماع القرآن ، قوله : فقال حدثني أبوك أي قال مسروق لعبد الرحمن : حدثني بذلك أبوك يعني عبد الله بن مسعود ، قوله : آذنت بهم أي آذنت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بالجن ، شجرة بالرفع لأنه فاعل آذنت ، وفي مسند إسحاق بن راهويه : سمرة موضع شجرة ، وروى البيهقي في ( دلائل النبوة ) بإسناده إلى عبد الله بن مسعود أنه يقول : إن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال لأصحابه وهو بمكة : من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فليفعل ، الحديث مطولا ، وفيه : قال ابن مسعود : سمعت الجن تقول للنبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - : من يشهد أنك رسول الله وكان قريبا من هناك شجرة ، فقال لهم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أرأيتم إن شهدت هذه الشجرة أتؤمنون ؟ قالوا : نعم ، فدعاها النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقبلت ، قال ابن مسعود : فلقد رأيتها تجر أغصانها ، قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : أتشهدي أني رسول الله ؟ قالت : أشهد أنك رسول الله . ( فإن قلت ) : ما فيه من إعلامه أصحابه بخروجه إليهم يخالف ما روي في ( الصحيح ) من فقدانهم إياه حتى قيل اغتيل أو استطير ، ( قلت ) : المراد من فقده غير الذي علم بخروجه ، ( فإن قلت ) : ظاهر كلام ابن مسعود فقدناه والتمسناه وبتنا بشر ليلة يدل على أنه فقده والتمسه وبات ليلة ، وفي هذا الحديث قد علم بخروجه وخرج معه ورأى الجن ولم يفارق الخط الذي خطه صلى الله تعالى عليه وسلم حتى عاد إليه بعد الفجر ، ( قلت ) : إذا قلنا إن ليلة الجن كانت متعددة لا يبقى إشكال ، وقد ذكرنا أنها كانت متعددة .