7 - بَاب إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ أَوْ الْمَوْتَ أَوْ خَافَ الْعَطَشَ تَيَمَّمَ وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ ، فَتَيَمَّمَ وَتَلَا : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ 345 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ غُنْدَرٌ ، عن شُعْبَةُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، قَالَ : قَالَ أَبُو مُوسَى ، لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : إِذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ لَا يُصَلِّي ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمْ الْبَرْدَ قَالَ هَكَذَا ، يَعْنِي تَيَمَّمَ وَصَلَّى ، قَالَ : قُلْتُ : فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ ، لِعُمَرَ ؟ قَالَ : إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ . . . إِلَخْ ) مُرَادُهُ إِلْحَاقُ خَوْفِ الْمَرَضِ ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ بِخَوْفِ الْعَطَشِ وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ أَنْ أَغْتَسِلَ فَأَهْلِكَ ، فَتَيَمَّمْتُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ . فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ : إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا . وَرَوَيَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، لَكِنْ زَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَجُلًا وَهُوَ أَبُو قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَقَالَ فِي الْقِصَّةِ فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وَلَمْ يَقُلْ تَيَمَّمَ ، وَقَالَ فِيهِ لَوِ اغْتَسَلْتُ مِتُّ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ رَوَى عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةِ هَذِهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ فِيهَا فَتَيَمَّمَ . انْتَهَى . وَرَوَاهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ ، وَالسِّيَاقُ الْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ ، لَكِنَّهُ عَلَّقَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ لِكَوْنِهِ اخْتَصَرَهُ ، وَقَدْ أَوْهَمَ ظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ تَلَا الْآيَةَ لِأَصْحَابِهِ وَهُوَ جُنُبٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا تَلَاهَا بَعْدَ أَنْ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَمَّرَهُ عَلَى غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي . وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِهِ بِالْآيَةِ ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ تَيَمَّمَ عَنِ الْبَاقِي ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يُعَنِّفْ ) حَذَفَ الْمَفْعُولَ لِلْعِلْمِ بِهِ ، أَيْ لَمْ يَلُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمْرًا ، فَكَانَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا دَالًّا عَلَى الْجَوَازِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَلَمْ يُعَنِّفْهُ بِزِيَادَةِ هَاءِ الضَّمِيرِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ التَّيَمُّمِ لِمَنْ يَتَوَقَّعُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْهَلَاكَ ، سَوَاءٌ كَانَ لِأَجْلِ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ . وَجَوَازُ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ بِالْمُتَوَضِّئِينَ ، وَجَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ غُنْدَرٌ ) لَمْ يَقُلِ الْأَصِيلِيُّ هُوَ غُنْدَرٌ فَكَأَنَّهَا مَقُولٌ مَنْ دُونِ الْبُخَارِيِّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ شُعْبَةَ ) لِلْأَصِيلِيِّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ الْأَعْمَشُ . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ لَا تُصَلِّي ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِتَاءِ الْخِطَابِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَفْظُهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ نَعَمْ إِنْ لَمْ أَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا لَا أُصَلِّي وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَيْ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْجُنُبُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ) زَادَ ابْنُ عَسَاكِرَ نَعَمْ . قَوْلُهُ : ( أَحَدُهُمْ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْحَمَوِيِّ أَحَدُكُمْ . قَوْلُهُ : ( قَالَ هَكَذَا ) فِيهِ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَى الْعَمَلِ ، وَقَوْلُهُ يَعْنِي تَيَمَّمَ وَصَلَّى شَرْحٌ لِقَوْلِهِ هَكَذَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَقُولُ أَبِي مُوسَى . قَوْلُهُ : ( فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ ، لِعُمَرَ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ مُخْتَصَرًا ، وَبَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ الْآتِيَةِ ثُمَّ رِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَهِيَ أَتَمُّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ أَوْ الْمَوْتَ أَوْ خَافَ الْعَطَشَ تَيَمَّمَ · ص 541 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم · ص 78 7 - باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم ويذكر : أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم ، وتلا : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف . حديث عمرو بن العاص خرجه أبو داود من رواية يحيى بن أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عمرو بن العاص ، قال : احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح ، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال ، وقلت : إني سمعت الله يقول : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل شيئا . وخرجه - أيضا - من طريق عمرو بن الحارث وغيره ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ، أن عمرو بن العاص كان على سرية - فذكر الحديث بنحوه ، وقال فيه : فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم صلى بهم - وذكر باقيه بنحوه ، ولم يذكر التيمم . وفي هذه الرواية زيادة : أبي قيس في إسناده ، وظاهرها الإرسال . وخرجه الإمام أحمد والحاكم ، وقال : على شرط الشيخين ، وليس كما قال ، وقال أحمد : ليس إسناده بمتصل . وروى أبو إسحاق الفزاري في كتاب السير عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثا وأمر عليهم عمرو بن العاص ، فلما أقبلوا سألهم عنه ، فأثنوا خيرا ، إلا أنه صلى بنا جنبا ، فسأله ، فقال : أصابتني جنابة فخشيت على نفسي من البرد ، وقد قال الله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا مرسل . وقد ذكره أبو داود في سننه تعليقا مختصرا ، وذكر فيه : أنه تيمم . وأكثر العلماء : على أن من خاف من استعمال الماء لشدة البرد فإنه يتيمم ويصلي ، جنبا كان أو محدثا . واختلفوا : هل يعيد ، أم لا ؟ فمنهم من قال : لا إعادة عليه ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، ومالك ، والحسن بن صالح ، وأحمد في رواية . ومنهم من قال : عليه الإعادة بكل حال سواء كان مسافرا أو حاضرا ، وهو قول الشافعي ، ورواية عن أحمد . ومنهم من قال : إن كان مسافرا لم يعد ، وإن كان حاضرا أعاد ، وهو قول آخر للشافعي ، ورواية عن أحمد ، وقول أبي يوسف ومحمد . وحكى ابن عبد البر عن أبي يوسف وزفر : أنه لا يجوز للمريض في الحضر التيمم بحال . وذكر أبو بكر الخلال من أصحابنا : أنه لا يجوز التيمم في الحضر لشدة البرد ، وهو مخالف لنص أحمد وسائر أصحابه . وحكى ابن المنذر وغيره عن الحسن وعطاء : أنه إذا وجد الماء اغتسل به وإن مات ؛ لأنه واجد للماء ، إنما أمر بالتيمم من لم يجد الماء . ونقل أبو إسحاق الفزاري في كتاب السير عن سفيان نحو ذلك ، وأنه لا يتيمم لمجرد خوف البرد ، وإنما يتيمم لمرض مخوف ، أو لعدم الماء . وينبغي أن يحمل كلام هؤلاء على ما إذا لم يخش الموت ، بل أمكنه استعمال الماء المسخن وإن حصل له به بعض ضرر . وقد روي هذا المعنى صريحا عن الحسن - أيضا - وكذلك نقل أصحاب سفيان مذهبه في تصانيفهم ، وحكوا أن سفيان ذكر أن الناس أجمعوا على ذلك . وقد سبق الكلام في تفسير الآية ، وأن الله تعالى أذن في التيمم للمريض وللمسافر ولمن لم يجد الماء من أهل الأحداث مطلقا ، فمن لم يجد الماء فالرخصة له محققة . وأما المرض والسفر فهما مظنتان للرخصة في التيمم ، فإن وجدت الحقيقة فيهما جاز التيمم ، فالمرض مظنة لخشية التضرر باستعمال الماء ، والسفر مظنة لعدم الماء ، فإن وجد في المرض خشية الضرر وفي السفر عدم الماء جاز التيمم ، وإلا فلا . وأما من قال من الظاهرية ونحوهم : إن مطلق المرض يبيح التيمم سواء تضرر باستعمال الماء أو لم يتضرر ، فقوله ساقط يخالف الإجماع قبله ، وكان يلزمه أن يبيح التيمم في السفر مطلقا سواء وجد الماء أو لم يجده . وقول البخاري : إذا خاف على نفسه المرض أو الموت يشير إلى الرخصة في التيمم إذا خاف من شدة البرد على نفسه المرض ، ولا يشترط خوف الموت خاصة ، وهذا ظاهر مذهب أحمد ، وأحد قولي الشافعي . والقول الثاني : لا يجوز التيمم إلا إذا خاف التلف ، إما تلف النفس أو تلف عضو منه ، وحكي رواية عن أحمد ، وفي صحتها عنه نظر . والحنيفية السمحة أوسع من ذلك ، وخوف الموت أو المرض هو داخل في معنى المرض الذي أباح الله التيمم معه ؛ لأنه إنما يباح التيمم لمرض يخشى منه زيادته أو التلف ، فحيث خشي ذلك فقد وجد السبب المبيح للتيمم . ولو كان في الغزو وهو يجد الماء لكنه يخشى على نفسه من العدو إن اشتغل بالطهارة ، ففيه عن أحمد روايتان : إحداهما : يتيمم ويصلي ، اختارها أبو بكر عبد العزيز . والثانية : يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على الوضوء ، كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات يوم الخندق . ولو احتاجت المرأة إلى الوضوء وكان الماء عنده فساق تخاف منهم على نفسها ، فقال أحمد : لا يلزمها الوضوء . وتوقف مرة في ذلك . وأما إذا خاف العطش على نفسه ، فإنه يحبس الماء ويتيمم ، وقد سبق قول علي وابن عباس في ذلك ، وحكاية أحمد له عن عدة من الصحابة . وقد ذكر ابن المنذر أنه إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم ، وسمى منهم جماعة كثيرة . وقد سأل قوم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته . وسؤالهم يشعر بأن من معه ماء يسير لا يتوضأ به وهو يخشى العطش على نفسه ، وأقرهم صلى الله عليه وسلم على ذلك ، ولم يردهم عن اعتقادهم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم · ص 33 ( باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم ) أي هذا باب يذكر فيه إذا خاف الجنب... إلخ ، وقد ذكر فيه حكم ثلاث مسائل : الأولى : إذا خاف الجنب على نفسه المرض يباح له التيمم مع وجود الماء ، وهل يلحق به خوف الزيادة ؟ فيه قولان للعلماء والشافعي والأصح عنده نعم ، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري ، وعن مالك رواية بالمنع ، وقال عطاء والحسن البصري في رواية : لا يستباح التيمم بالمرض أصلا ، وكرهه طاوس ، وإنما يجوز له التيمم عند عدم الماء ، وأما مع وجوده فلا ، وهو قول أبي يوسف ومحمد ، ذكره في التوضيح ، وفي شرح الوجيز : أما مرض يخاف منه زيادة العلة وبطء البرء فقد ذكروا فيه ثلاث طرق أظهرها أن في جواز التيمم له قولان ، أحدهما : المنع وهو قول أحمد ، وأظهرهما الجواز وهو قول الإصطخري وعامة أصحابه ، وهو قول مالك وأبي حنيفة ، وفي الحلية وهو الأصح : وإن كان مرض لا يلحقه باستعمال الماء ضرر كالصداع والحمى لا يجوز له التيمم ، وقال داود : يجوز ، ويحكى ذلك عن مالك ، وعنه أنه لا يجوز ، ولو خاف من استعمال الماء شيئا في المحل قال أبو العباس : لا يجوز له التيمم على مذهب الشافعي ، وقال غيره : إن كان الشين كأثر الجدري والجراحة ليس لهم التيمم ، وإن كان يشوه من خلقه ويسود من وجهه كثيرا فيه قولان ، والثاني من الطرق أنه لا يجوز قطعا ، والثالث أنه يجوز قطعا . الثانية : إذا خاف الجنب على نفسه الموت يجوز له التيمم بلا خلاف ، وفي قاضيخان : الجنب الصحيح في المصر إذا خاف الهلاك للبرد جاز له التيمم ، وأما المسافر إذا خاف الهلاك من الاغتسال جاز له التيمم بالاتفاق ، وأما المحدث في المصر فاختلفوا فيه على قول أبي حنيفة ، فجوزه شيخ الإسلام ولم يجوزه الحلواني . الثالثة : أنه إذا خاف على نفسه العطش يجوز له التيمم ، وكذا عندنا إذا خاف على رفيقه أو على حيوان معه نحو دابته وكلبه وسنوره وطيره ، وفي شرح الوجيز : لو خاف على نفسه أو ماله من سبع أو سارق فله التيمم ، ولو احتاج إلى الماء لعطش في الحال أو توقعه في المآل أو لعطش رفيقه أو لعطش حيوان محترم جاز له التيمم ، وفي المغني لابن قدامة : أو كان الماء عند جمع فساق فخافت المرأة على نفسها الزنا جاز لها التيمم . قوله : " أو خاف العطش " غير مقتصر على الجنب الذي يخاف العطش بل الجنب والمحدث فيه سواء . وجه المناسبة بين هذا الباب والذي قبله والذي بعده ظاهر لأن هذه الأبواب كلها في حكم التيمم ( ويذكر أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم وتلا : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنفه ) عمرو بن العاص القريشي السهمي ، أبو عبد الله ، قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في سنة ثمان قبل الفتح مسلما ، وهو من زهاد قريش ، ولاه النبي - صلى الله عليه وسلم - على عمان ولم يزل عليها حتى قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - روي له سبعة وثلاثون حديثا ، للبخاري ثلاثة ، مات بمصر عاملا عليها سنة ثلاث وأربعين على المشهور يوم الفطر ، صلى عليه ابنه عبد الله ثم صلى العيد بالناس . قوله : " ويذكر " تعليق بصيغة التمريض ، ووصله أبو داود وقال : حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا وهب بن جرير قال : حدثنا أبي قال : سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص قال : " احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح ، فذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال و( قلت ) : إني سمعت الله تعالى يقول : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ، فضحك نبي الله - عليه الصلاة والسلام - ولم يقل شيئا " ورواه الحاكم أيضا قوله " في غزوة ذات السلاسل " وهي وراء وادي القرى ، بينها وبين المدينة عشرة أيام ، وقيل : سميت بها لأنها بأرض جذام ، يقال له : السلسل ، وكانت في جمادي الأولى سنة ثمان من الهجرة ، قوله : " فأشفقت " أي خفت ، قوله : " فلم يعنفه " أي لم يعنفه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني لم ينكر عليه ، كذا لم يعنفه بالضمير في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : فلم يعنف " بدون الضمير ، حذف للعلم به وعدم تعنيفه إياه دليل الجواز والتقرير ، وبه علم عدم إعادة الصلاة التي صلاها بالتيمم في هذه الحالة ، وهو حجة على من يأمره بالإعادة ، ودل أيضا على جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان للبرد أو لغيره ، وسواء كان في السفر أو في الحضر ، وسواء كان جنبا أو محدثا . وفيه دلالة على جواز الاجتهاد في عصره . 11 - ( حدثنا بشر بن خالد قال : حدثنا محمد هو غندر عن شعبة عن سليمان عن أبي وائل قال : قال أبو موسى لعبد الله بن مسعود : إذا لم يجد الماء لا يصلي . قال عبد الله : لو رخصت لهم في هذا كان إذا وجد أحدهم البرد قال : هكذا ، يعني تيمم وصلى ، قال : ( قلت ) : فأين قول عمار لعمر ؟ قال : إني لم أر عمر قنع بقول عمار ) . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : " يعني تيمم وصلى " ( ذكر رجاله ) وهم سبعة ، الأول : بشر بن خالد العسكري ، أبو محمد الفرائضي ، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين . الثاني : محمد بن جعفر البصري ، الملقب بغندر بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال على الأشهر . الثالث : شعبة بن الحجاج . الرابع : سليمان المشهور بالأعمش . الخامس : أبو وائل ، شقيق بن سلمة . السادس : أبو موسى الأشعري ، عبد الله بن قيس . السابع : عبد الله بن مسعود ، والكل تقدموا . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصفة الجمع مرتين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول ، وقوله : هو غندر ليس في رواية الأصيلي ، قوله : " عن شعبة " وفي رواية الأصيلي " حدثنا شعبة " وفيه أن قوله : هو غندر من عند البخاري ، وليس هو من لفظ شيخه ، وفيه إن الأعمش ذكر باسمه وشهرته بلقبه و( قلت ) رواية يذكر فيها ، كذا سليمان مجردا : وفيه محاورة صحابيين جليلين . ( ذكر معناه ) قوله : " إذا لم يجد الماء " هذا على سبيل الاستفهام والسؤال من أبي موسى الأشعري عن عبد الله بن مسعود يعني إذا لم يجد الجنب الماء لا يصلي ، وقوله : " لم يجد " بصيغة الغائب ، وكذلك لا يصلي بصيغة الغائب ، وهي رواية كريمة ، وفي رواية غيرها بصيغة الخطاب في الموضعين فأبو موسى يخاطب عبد الله ، وكذا في رواية الاسماعيلي ما يدل على هذا ، ولفظه : " فقال عبد الله نعم إذا لم أجد الماء شهرا لا أصلي " ، قوله : " لو رخصت " أي قال عبد الله لأبي موسى لو رخصت لهم في هذا أي في جواز التيمم للجنب إذا وجد أحدهم البرد ، وفي رواية الحموي : " إذا وجد أحدكم البرد " ، قوله : " قال هكذا " فيه إطلاق القول على الفعل ثم فسره بقوله يعني تيمم وصلى ، وهو مقول قول أبي موسى ، قوله : " قال ( قلت ) " أي قال أبو موسى : ( قلت ) لعبد الله : فأين قول عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب ، وهو قوله " كنا في سفر ، فأجنبت ، فتمعكت في التراب ، فذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يكفيك الوجه والكفين " ، قوله : " قال " أي قال ابن مسعود إني لم أر عمر بن الخطاب قنع بقول عمار بن ياسر ، وإنما لم يقنع عمر بقوله لأنه كان حاضرا معه في تلك السفرة ولم يتذكر القصة فارتاب في ذلك ولم يقنع بقوله ، وهذا وقع هكذا مختصرا في رواية شعبة ، ويأتي الآن في رواية عمر بن حفص ثم في رواية أبي معاوية أتم وأكمل .